قال سيبويه: (وذلك الكاف التي في: أنت كزيد، وحتى، ومذ. وذلك أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي عنه فأسقطوه.
واستغنوا عن الإضمار في حتى في قولهم: دعه حتى يوم كذا وكذا بقولهم: دعه حتى ذاك، وبالإضمار في إلى إذا قالوا: دعه إليه؛ لأنّ المعنى واحد، كما استغنوا ب (مثلي) و(مثله) عن (كي) و(كه). واستغنوا عن الإضمار في مذ بقولهم: مذ ذاك؛ لأنّ ذاك اسم مبهم، وإنما يذكر حين يظن أنّك قد عرفت ما يعني. إلا أنّ الشّعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف، فيجرونها على القياس.
قال العجّاج:
وأمّ أو عال كها أو أقربا (١)
وقال العجاج أيضا:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا كه ولا كهنّ إلا حاظلا (٢)
شبهوه بقولهم: له ولهن.
ولو اضطر شاعر وأضاف إلى نفسه قال: كي، بكسر الكاف، وكي بفتح الكاف خطأ؛ من قبل أنه ليس من حرف يفتح ما قبل ياء الإضافة).
قال أبو سعيد: منع هذه الحروف من الإضافة إلى مكنيّ فيما ذكره سيبويه سماع من العرب؛ لأنه ذكر أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي، عن إضافة الكاف، واستغنوا بقولهم: حتى ذاك، ومذ ذاك، وإنما يريد أنّ العرب استغنوا بشيء عن شيء، وليس لأحد أن يجيز ما استغنت العرب عن الكلام به ببدل جعلوه مكانه، فيكون خارجا عن كلامها.
وعلّل أبو إسحاق الزّجّاج ذلك فقال: لم يجز الإضمار في حتى لأنه يقع ما بعدها
_________________
(١) البيت في ديوانه ٧٤، الخزانة ١٠/ ١٩٥، ١٩٦؛ ابن يعيش ٨/ ١٦؛ الكتاب ٢/ ٣٨٤.
(٢) البيت في ديوانه، الخزانة ١٠/ ١٩٥، ١٩٦؛ الكتاب ٢/ ٣٨٤.
[ ٣ / ١٤٨ ]
على ضروب كثيرة، ومذ يقع ما بعدها على غير ضرب ومنذ صارت في الأيام حسب.
قال أبو سعيد: وأنا أقول إنا رأينا أسماء تضاف إلى الظاهر ولا يجوز إضافتها إلى المكني كقولنا: ذو مال، وذو المال ولا يجوز: ذوه.
وتقول: والله، وتالله في القسم ولا يجوز: وه، ولا وك، ولا ته، ولا تك؛ لأنهم استغنوا بإضافة الباء إلى المكنيّ في قولهم: بك لأعبدنّك أن يقولوا: وك، أو تك.
وكان أبو العباس المبرد يجيز إضافة ما منع سيبويه إضافته في هذا الباب ولا يمتنع منها، ويقول: " إذا كان ما بعد حتى رفعا: حتى هو، وإذا كان نصبا: حتى إياه، وإذا كان جرّا: حتاه، وحتاك، وفي مذ إذا كان ما بعدها رفعا: مذ هو، وإذا كان جرّا:
مذه ". والصحيح ما قاله سيبويه؛ لموافقته كلام العرب.
وأمّا قول العجّاج:
وأمّ أو عال كها أو أقربا (١)
فأمّ أو عال: هضبة قد ذكر قبلها مكانا آخر مؤنثا، وشبّه أمّ أو عال بها، فقال: وهو يصف حمارا هرب بأتنه من
صائد رماها:
أجمعن منه سننا وهربا نحي الذبابات شمالا كثبا
وأمّ أو عال كها أو أقربا ذات اليمين غير ما أن ينكبا (٢)
منه: من الصائد، نحي الحمار الذبابات: وهي في موضع صار هو وأتنه منها ناحية، وأمّ أو عال: مثل الذبابات في تصييرها إياها ناحية، وأمّ أو عال: عطف على الذبابات تقديره: تجئ الذبابات شمالا وأم أو عال ذات اليمين كالذبابات أو أقرب منها، كأنه قال:
جعل أمّ أو عال كالذباب أو أقرب منها.
وأمّا قوله: ولا ترى بعلا ولا حلائلا كه، ويقف الهاء ساكنة، ولا كهن: كحمار ذكره وأتن، والحاظل: مثل العاظل: وهو المانع من التّزويج، والحمار يمنع حمارا آخر من قرب شيء من أتنه، وقد ذكرنا كسر الكاف إذا أضيف إلى المتكلم لدخول الياء على حرف متحرك.
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت منسوب لديوان العجاج ٧٤، الكتاب ٢/ ٣٨٤.
[ ٣ / ١٤٩ ]