فمن ذلك قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (١) أي: ولكن من رحم. وقوله ﷿: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ (٢) أي: ولكن قوم يونس، وقوله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ (٣) أي: ولكن قليلا ممّن أنجينا منهم.
وقوله ﷿: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ (٤) أي لكنهم يقولون ربنا الله.
وهذا الضرب في القرآن كثير:
_________________
(١) سورة هود، من الآية ٤٣.
(٢) سورة يونس، من الآية ٩٨.
(٣) سورة هود، من الآية ١١٦.
(٤) سورة الحج، من الآية ٤٠.
[ ٣ / ٦٩ ]
ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلام بسلام. ومن ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب: ما زاد إلا ما نقص. وما نفع إلا ما ضر.
(فما) مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان والضر.
كما أنك إذا قلت: (ما أحسن ما كلم زيدا). فهو: ما أحسن كلامه زيدا، ولولا ما لم يجز الفعل بعد إلا في ذا الموضع كما لا يجوز بعد ما أحسن بغير (ما) فكأنه قال: ولكنه ضر ولكنه نقص. هذا معناه.
ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب (١)
أي ولكن سيوفهم بهن فلول. وقال النابغة الجعدي:
فتى كملت خيراته غير أنّه جواد فما يبقي من المال باقيا (٢)
كأنه قال: ولكنه مع ذلك جواد. ومثل ذلك قول الفرزدق:
وما سجنوني غير أني ابن غالب وأنىّ من الأثرين غير الزّعانف (٣)
كأنه قال: ولكني ابن غالب. ومثل ذلك في الشعر كثير.
ومثل ذلك: قول عنز بن دجاجة:
من كان أشرك في تفرّق فالج فلبونة جريت معا وأغدت
إلّا كناشرة الذي ضيّعتم كالغصن في غلوائه المتنبّت (٤)
كأنه قال: ولكن هذا كناشرة.
وقال:
لولا ابن حارثة الأمير لقد أغضيت من شتمى على رغم
إلّا كمعّرض المحسّر بكره عمدا يسبّبني على الظّلم (٥)
قال أبو سعيد: هذا الباب يخالف الذي قبله في لغة بني تميم؛ لأنه لا يمكن فيه
_________________
(١) البيت في ديوانه ٣، والخزانة ٢/ ٩، ومغني اللبيب ١/ ١١٤.
(٢) البيت في ديوانه ١٧٣، والخزانة ٢/ ١٢، والشعر والشعراء ١/ ٢٩٣.
(٣) البيت في ديوانه ٢/ ٥٣٦، والأغاني ١٩/ ٢٣.
(٤) ورد البيتان في المقتضب ٤/ ٤١٦، والمفضيات ٢٠٩، والمخصص ٦/ ٦٨، وفيه ينسب إلى الأعشى.
(٥) قائله النابغة الجعدي، ديوانه ٢٣٤، سر صناعة الإعراب ١/ ٣٠١، والمقتضب ١/ ٤١٧.
[ ٣ / ٧٠ ]
البدل ولا حذف الاسم الأول منه في التقدير كما أمكن في قول بني تميم إذا قلت: ما فيها أحد إلا حمار. إذا قدر: ما فيها إلا حمار. على الوجهين اللذين ذكرناهما من قول بنى تميم.
فمن ذلك قوله ﷿: لا عاصِمَ [هود: ٤٣] فمن رحم يعني: من رحمه الله تعالى. ومن رحمه الله تعالى معصوم فكأنه قال: لكن من رحم الله معصوم. وما بعد (إلا) غير الذي قبله.
ومثله من الكلام لو جاء سيل عظيم يخاف منه الغرق أن يقول قائل: لا عاصم اليوم من هذا السيل إلا من أقام في الجبل، فالمقيم في الجبل ليس بعاصم. ومعناه: ولكن المقيم في الجبل معصوم منه، ولا يمكن البدل فيه؛ لأنه يقال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ولو رد أيضا المحذوف منه من خبر عاصم لم يجز البدل لو قلت: لا عاصم لهم إلا من رحم. أو ما لهم عاصم إلا من رحم، لم يجز: ما لهم إلا من رحم، ولا معنى لذلك.
وقد قيل: لا عاصم بمعنى: معصوم، وهذا ضعيف لا يعتد به وأجود من هذا أن يكون من رحم هو الله لأنه الراحم. فكأنه قال: لا عاصم اليوم لهم إلا الله.
كما تقول: لا إله إلا الله.
وأما قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨]
وقوله: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ [هود: ١١٦] فلا يجوز في واحد منهما البدل؛ لأنها للاستبطاء والتحضيض، وفي معنى: لو فعلت ذلك لكان أصلح وهذه أشياء تجري مجرى الأمر وفعل الشرط، ولا يجوز في شيء من ذلك البدل. لو قلت: ليقم القوم إلا زيد لم يجز كما لا يجوز: ليقم إلا زيد.
وكذلك لو قلت: (إن قام أحد إلا زيد) أو: (لو قام أحد إلا زيد). لم يجز كما لا يجوز أن قام إلا زيد، ولا: لو قام إلا زيد. ولا يجوز فيه الاستثناء الذي هو: إخراج جزء من جملة هو منها؛ لأن المقصد من ذلك إلى قوم من الكفار أطبقوا على الكفر به ولم يكن منهم مؤمنون فقبح فعلهم، ثم ذكر قوما مؤمنين باينوا طريقهم فمدحهم.
ومعنى: (أولو بقية): أولو خير وصلاح، ويقال: فلان فيه بقية: أي خير وصلاح.
ويجوز الرفع في: (قوم يونس) ونحوه على الصفة كأنه قال:
هلا كانت قرية غير يونس: كقوله: إلا الفرقدان (١)
_________________
(١) جزء من عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٧١ ]
فكان الزجاج يجيز (إلا قوم يونس) على لغة أهل الحجاز.
وعلى لغة بنى تميم: فقدر في لغة أهل الحجاز: (فهلا كان قوم بني آمنوا إلا قوم يونس) ثم قال: " ويجوز البدل وإن لم يكن الثاني من جنس الأول " يريد لغة بنى تميم
وقد ذكرنا بطلان البدل في نحو هذا.
ولعل الزجاج جوز البدل؛ لأن: هلا كانت قرية، معناه: ما آمنت قرية إلا قوم يونس.
وقوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: ٤٠] معناه: بغير حق يجب للكفار به إخراج المؤمنين من ديارهم. وأن يقولوا ربنا الله (وليس بحق للكفار يجب به لهم إخراج المؤمنين فصار على معنى: ولكن).
وقوله (لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام). معنى (لا تكونن من فلان) أي لا تخالطنه، وقوله: (سلاما بسلام) أي: متاركة. من قوله ﷿: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (١) أي براءة ومتاركة فكأنه قال: لا تخالطنه إلا متاركة. وليست المتاركة من المخالطة في شيء فصار المعنى: لا تخالطه ولكن: تاركه.
وقوله: (ما زاد إلا ما نقص). (وما نفع إلا ما ضر) فما مع الفعل بمنزلة المصدر وكأنه قال: ما زاد إلا النقصان ولا نفع إلا الضرر. وفي (زاد) و(نفع) ضمير فاعل جرى ذكره كأنه قال: ما زاد النهر إلا النقصان. وما نفع زيد إلا الضرر على معنى: ولكنه نقص. ولكنه ضر وتقديره: ما زاد ولكن النقصان أمره. وما نفع ولكن الضرر أمره.
فالنقصان والضرر مبتدأ وخبره محذوف وهو: أمره. وهو نحو ما ذكره أبو بكر مبرمان في تفسير من فسره له.
وأما قوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم (٢)
فإنه بمعنى (ولكن) على ما ذكره في الباب وقد يحتمل في لغة بنى تميم رفع (غير) كما يقول القائل: (لا عيب في زيد إلا الجود). (ولا عيب فيه إلا الشجاعة والضرب بالسيوف). ويجوز فتح (غير) على غير هذا المذهب لإضافته إلى (أن) كما قبح:
_________________
(١) سورة الفرقان، من الآية ٦٣.
(٢) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٧٢ ]
على حين عاتبت المشيب على الصبا (١)
و:
.. لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت (٢)
وأما قوله:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد (٣)
فيقول القائل: (لكن) فيها مخالفة ما بعدها لما قبلها. فكيف جاز أن تكون بمعنى:
(لكنه جواد). (ولكنه جواد) لا يخالف (كملت خيراته)؟
فالجواب عن ذلك: أنه ذهب إلى معنى: لكن عيبه الجود كما يقول القائل: عيب زيد جوده. على معنى: ليس فيه عيب لأن الجود ليس بعيب. فإذا لم يكن فيه عيب إلا الجود فما فيه عيب. كأنه قال: (كملت خيراته لكن نقصه أو لكن عيبه جوده) فيصير عيبه ونقصه مخالفا لكملت خيراته على ما ذكرناه.
وأما قوله:
وما سجنوني غير أني ابن غالب (٤)
فالظاهر من كلام سيبويه أنه لم يقع به سجن. كأنه قال: (ما أنا بالذي يناله سجن وذل ولكني ابن غالب أي عزيز) لأن من له هذا النسب فهو عند الفرزدق عزيز.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يرد على سيبويه قوله في هذا البيت وينكر تأويله (لكن). لأنه يوجب أن الفرزدق ما سجن.
قال أبو سعيد: الصحيح أنه كان مسجونا محبوسا. وكان الذي سجنه: خالد بن عبد الله القسري، عامل هشام بن عبد الملك، وهذا البيت في قصيدة يمدح فيها هشاما، ويذكر حبسه ويستجير ب (هشام) وأول القصيدة.
ألمّ خيال من عليه بعد ما رجا لي أهلي البرء من داء دانف
وقبل البيت الشاهد:
_________________
(١) صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه: وقلت ألمّا أصح والشيب وازع. مغني اللبيب ٢/ ٥١٧.
(٢) صدر بيت لأبي قيس بن الأسلب الأنصاري، وتمامه: حمامة في غصون ذات أو قال مغني اللبيب ١/ ١٥٩، أمالي ابن الشجري ١/ ٤٦.
(٣) صدر بيت سبق تخريجه.
(٤) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٧٣ ]
وما زال فيكم آل مروان منعم على بنعمى بادئ ثم عاطف
فإن كنت محبوسا بغير جريرة فقد أخذوني آمنا غير خائف
وما سجنوني غير أنّي ابن غالب وأني من الأثرين غير الزّعانف (١)
وذهب أبو العباس ومن ذهب مذهبه إلى أن معنى البيت (وما سجنوني إلا لأني ابن غالب) أي سجنوني حسدا لي على نسبي وشرفي.
قال أبو سعيد: يجوز تأول سيبويه على أنه كان مسجونا محبوسا. وذلك على أنه لم يعد سجنه سجنا؛ لأنه لم يبطل عزه ولم يلحقه ذلا. كما يقول القائل: تكلمت ولم تتكلم أي تكلمت بما لم يقع موقعا يؤثر فيه الكلام، فكأنه قال:
وما أذلوني بالسجن ولكني عزيز بنسبي ومحلي
وأما قول ابن دجاجة المازني:
من كان أسرع في تفرّق فالج (٢)
فإن (فالجا) هذا فيما يذكره النسابون هو فالج بن ذكوان بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. انتقل إلى بني سليم فانتمى إلى ذكوان ابن بهتة بن سليم. وادعى نسبه فيهم؛ لأن قومه من آذوه فأحوجوه إلى الانتقال عنهم.
وقبل ذلك صنيع بني مازن ناشرة وآذوه حتى انتقل إلى بنى أسد. فدعا هذا الشاعر على من أسرع في تفرق فالج وآذاه، وأخرج عنهم مثل ناشرة؛ لأن أمثال ناشرة ما أسرعوا في تفرق فالج لأن ناشرة كان مظلوما مؤذ. فلم يدع الشاعر على أمثال ناشرة.
فكأنه قال: ولكن أمثال ناشرة ما أسرعوا في تفرق فالج. فليس يكون في أمثال ناشرة بدل ولا إخراج واحد من جمع وليس فيه إلا معنى: (لكن).
وأما قوله: لولا ابن حارثة الأمير. فإن قائل هذا الشعر: النابغة الجعدي. والذي رأيته في شعره:
لولا ابن عفان الإمام
لقد أغضيت أيها المخاطب على شتمي، أي لولا منع ابن حارثة إياي من شتمك لقد شتمتك فأغضيت على شتمي. ولكن معرضا المحسر بكره في سبي مباح لي، ويسببني:
يكثر سبي. ويروى المجسر بكره: وهو أبلغ في ظلم معرض له. ويروى: المجشر بكره،
_________________
(١) الأبيات في ديوانه ٢/ ٥٣٦.
(٢) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٧٤ ]
وهو الجاعل له في الجشر، والجشر ما بعد وناء عن الحي. والمعنى في المجسر أصح وأجود.
وكان أبو العباس: يجعل الكاف في (كناشرة) وفي (كمعرض) زائدة. وليس بنا ضرورة إلى ذلك؛ لأنا نجعلها بمعنى (مثل) فيصح معناه ويدخل فيه الذي دخلت عليه الكاف كما تقول:
(مثلك لا يفعل هذا) ويدخل فيه المخاطب.