قال سيبويه: (اعلم أنّهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل، ولا يكنّ كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء. فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، إعلاما بأنه قد فصل الاسم، وأنه فيما ينتظر المحدّث ويتوقّعه منه، مما لا بدّ له من أن يذكره للمحدّث؛ لأنك إذا ابتدأت اسما فإنما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدإ لا بدّ منه، وإلا فسد الكلام ولم
يسغ لك، فكأنه ذكر هو ليستدلّ المحدّث أنّ ما بعد الاسم يخرجه مما وجب عليه، وأنّ ما بعد الاسم ليس منه، هذا تفسير الخليل.
وإذا صارت هذه الحروف فصلا وهذا موضع فصلها في كلام العرب، فأجره كما أجروه. فمن تلك الأفعال: حسبت وخلت وظننت، ورأيت إذا لم ترد به رؤية العين؛ ووجدت إذا لم ترد به وجدان الضالّة، وأرى، وجعلت إذا لم ترد أن تجعلها بمنزلة عملت، ولكن تجعلها بمنزلة صيّرته خيرا منك، وكان وليس وأصبح
[ ٣ / ١٥٥ ]
وأمسى.
ويدلّك على أن أصبح وأمسى كذلك، أنك تقول: أصبح أباك، وأمسى أخاك، فلو كانتا بمنزلة جاء وركب لقبح أن تقول: أصبح العاقل وأمسى الظريف، كما يقبح ذلك في: جاء وركب ونحوهما. فإنما يدلّك على أنهما بمنزلة ظننت أنه يذكر بعد الاسم فيهما ما يذكر في الابتداء.
واعلم أن ما كان فصلا لا يغيّر ما بعده عن حاله قبل أن يذكر، وذلك قولك:
حسبت زيدا هو خيرا منك، وكان عبد الله هو الظريف، وقال ﷿: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١).
وقد زعم ناس أن (هو) هاهنا صفة، وليس من عربيّ يجعلها صفة لمظهر. ولو كان كذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ف (هو) هاهنا مستكرهة لا يتكلّم بها العرب؛ لأنه ليس من مواضعها عندهم. ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين؛ فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون، ولا تكون هو ونحن صفة وفيهما اللام.
ومن ذلك قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ (٢)، كأنه قال: ولا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم. ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطب بأنّه البخل، لذكره يبخلون.
ومثل ذلك قول العرب: (من كذب كان شرّا له)، لا يقول: كان الكذب شرّا له، استغناء بأنّ المخاطب قد علم أنّه الكذب لقوله: كذب في أوّل حديثه؛ فصارت هو وأخواتها بمنزلة (ما) إذا كانت لغوا، في أنها لا تغيّر ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر.
واعلم أنها تكون في إنّ وأخواتها فصلا وفي الابتداء، ولكنّ ما بعدها مرفوع؛ لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل.
واعلم أنّ هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال ولم تدخله الألف واللام، فضارع زيدا وعمرا، نحو: خير منك،
_________________
(١) سورة سبأ، الآية: ٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.
[ ٣ / ١٥٦ ]
وأفضل منك، وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها. فلو قلت: كان زيد هو منطلقا، كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعروفة أو ما ضارعها من النكرة ولم تدخله الألف واللام.
وأما قوله: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا [الكهف: ٣٩] فقد تكون أنا فصلا وصفة، وكذلك: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: ٢٠].
وقد جعل ناس كثير من العرب هو وأخواتها في هذا الباب بمنزلة اسم مبتدأ وما بعده مبنيّا عليه، كأنّك قلت: ظننت زيدا أبوه خير منه، فمن ذلك أنه بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظّالمون.
وقال قيس بن ذريح:
تبكّي على لبنى وأنت تركتها وكنت عليها بالملا أنت أقدر (١)
وكان أبو عمرو يقول: إن كان هذا لهو العاقل.
وأمّا قولهم: (كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه)، ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان والنصب وجه واحد.
فأحد وجهي الرفع: أن يكون المولود مضمرا في يكون، والأبوان مبتدآن، وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه اللذان يهوّدانه. ومثل ذلك قول رجل من بني عبس:
إذا ما المرء كان أبوه عبس فحسبك ما تريد إلى الكلام (٢)
والوجه الآخر: أن تعمل يكون في الأبوين، ويكون هما مبتدأ. والنصب على أن تجعل هما فصلا.
وإذا قلت: كان زيد أنت خير منه، أو كنت يومئذ أنا خير منك، فليس إلا الرفع؛ لأنك إنّما تفصل بالذي تعني به الأول إذا كان ما بعد الفصل هو الأول وكان
_________________
(١) البيت في ديوانه ٤٦، ابن يعيش ٣/ ١١٢؛ الكتاب ٢/ ٣٩٣؛ لسان العرب وتاج العروس (ملو)؛ المقتضب ٤/ ١٠٥.
(٢) البيت بلا نسبة في الكتاب ٢/ ٣٩٤؛ اللسان (نصر).
[ ٣ / ١٥٧ ]
خبره، ولا يكون الفصل بما تعني به غير الأول. ألا ترى أنك لو أخرجت أنت لاستحال الكلام وتغيّر المعنى، ولو أخرجت هو من قولك: كان زيد هو خيرا منك لم يفسد المعنى.
وأما هذا عبد الله هو خير منك، وما شأن عبد الله هو خير منك. فلا يكون هو وأخواته فصلا فيهما؛ لأن ما بعد الاسم هاهنا ليس بمنزلة ما يبنى على المبتدإ، وإنما ينصب على أنه حال كما انتصب قائم في قولك: انظر إليه قائما. ألا ترى أنك لا تقول هذا زيد القائم، وما شأنك الظريف. أفلا ترى أن هذا بمنزلة راكب في قولك:
مرّ راكبا.
فليس هذا بالموضع الذي يحسن فيه أن يكون هو وأخواتها فصلا؛ لأن ما بعد الأسماء هنا لا يفسد تركه الكلام، فيكون دليلا على أنه فيما تكلّمه به، وإنما يكون فصلا في هذه الحال ".
قال أبو سعيد: أصل دخول الفصل إيذان للمخاطب المحدّث بأنّ الاسم قديم ولم يبق منه نعت ولا بدل ولا شيء من تمامه، وأن الذي بقي من الكلام هو ما يلزم المتكلم أن يأتي به وهو الخير، وهو الذي نحاه سيبويه، ومما زاد فيه بعض أصحابه أنّ الفصل إنّما أتي به ليؤذن أنّ الخبر معرفة أو ما يقوم مقامها، وأجمع من هذين في التعليل أن يقال:
أتي بالفصل ليتبيّن أنّ ما بعده ليس بنعت للاسم، فجميع هذا سبب المجيء بالفصل، وأن الذي بعده كان مما يصحّ أن ينعت به الأوّل، وإذا كان الأول معرفة فلا يصحّ أن ينعت إلا بمعرفة، فلزم التعريف فيما بعد الفصل، وأجروا مجرى المعرفة مما بعد الفصل باب أفعل منك كله، وذلك أن أفضل منك وخيرا منك لمّا لم تكن فيه إضافة، ومع عدم الإضافة فيه لا تدخل عليه الألف واللام، أشبه زيدا وعمرا وسائر الأسماء الأعلام التي ليست فيها إضافة، ولا تدخل عليه ألف ولام.
وأهل الكوفة يسمّون الفصل: العماد. والفصل حكمه أن يفارق حكم ما كان صفة للأول أو بدلا منه، ويفارق أيضا حكم ما كان مبتدأ وخبرا في موضع خبر الأول.
فأمّا مفارقة الصفة: فإنّ الصفة إذا كانت ضميرا لم يجز أن يوصف به غير الضمير؛ تقول: قمت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت، ولا تكون صفة للظّاهر، لا تقول:
قام زيد هو، ولا قام الزيدان هما، وليس الفصل كذلك لأنه يدخل بعد الظاهر.
ومفارقة البدل له: إذا أردت البدل قلت ظننتك إيّاك خيرا من زيد، وظننته إيّاه
[ ٣ / ١٥٨ ]
خيرا منه، وإذا أردت الفصل قلت: ظننتك أنت خيرا من زيد، وظننته هو خيرا منه، ومما يفصل بين الفصل وبين الصّفة والبدل أنّ الفصل تدخل عليه اللام ولا تدخل على الصّفة والبدل، تقول في الفصل: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين، ونصب الظريف والصالحين حكاه سيبويه عن بعض العرب وعن النحويين أجمعين، ولا يجوز أن تقول إن كنّا لنحن الصّالحين في الصفة والبدل؛ لأنّ اللام تفصل بين الصفة والموصوف والبدل والمبدل منه.
وأمّا مفارقته لما كان مبتدأ وخبرا أنّ الفصل لا يغيّر الإعراب عمّا كان قبل دخوله، والمبتدأ يغيره. تقول إذا أردت الفصل: كان زيد هو خيرا منك، وليس للفصل موضع من الإعراب: رفع ولا نصب ولا جرّ. ونظيره من الأسماء التي لا موضع لها كاف ذلك وذانك وأولئك ورويدك ونحو ذلك، والذي يجعل موضعه معربا فلا بدّ من أن يكون رفعا أو نصبا بالصّفة لما قبلها أو بالبدل منه، وقد بيّنا فساد ذلك.
وقول سيبويه: " واعلم أنهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل " ومن مذهبه أنهنّ يكنّ فصلا في إنّ وفي الابتداء، إنّما ابتدأ بالفعل وخصّه لأنّه لا يتبيّن الفصل إلا فيه، وإنّ والابتداء لا يتبيّن الفصل فيهما في اللفظ؛ لأنّك إذا قلت: زيد هو خير منك، وإنّ زيدا هو خير مّنك؛ فخير منك مرفوع على كل حال إن جعلت هو فصلا أو جعلته مبتدأ.
وإنما يتبيّن في كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، الفصل من الابتداء؛ لأنّ أخبارها منصوبة.
تقول: كان زيد هو أخوك إذا جعلت هو ابتداء وأخوك خبره، والجملة خبر زيد.
وكذلك: ظننت زيدا هو أخوك، وإذا كان فصلا قلت: كان زيد هو أخاك، وظننت زيدا هو أخاك.
وقوله: وإذا صارت هذه الحروف فصلا، يريد أنا وأخواتها نحو: أنا وأنت، وتثنية ذلك وجمعه. كقولك: ظننتني أنا خيرا منك، وعلمتك أنت خيرا مني، وعلمتكما أنتما خيرا منّا، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﷿: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ (١) يقرأ بالتاء والياء. فمن قرأ بالتاء فتقديره: ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله، فحذف البخل، وأقام المضاف إليه مقامه، وهو الذين، كما قال: واسأل القرية ومعناه: أهل القوية. ومن قرأ بالياء فتقديره: ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٨٠.
[ ٣ / ١٥٩ ]
فضله البخل هو خيرا لهم. وفي هذه القراءة استشهاد سيبويه، وهي أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أنّ
الذي يقرأ بالتّاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظ يدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ما ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له، فجعل في كان ضمير الكذب؛ لأن كذب قد دلّ عليه.
وأما قوله ﷿: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (١) فإنما جاز في أنا الصّفة والفصل؛ لأن النون والياء في ترني ضمير، وقد يوصف الضمير بالضمير ويؤكّد، ولو قلت: إن تر زيدا هو أقلّ منك مالا لم يجز فيه غير الفصل.
وأمّا (كلّ مولود يولد على الفطرة) فإنه يمكن أن يجعل الرّفع من ثلاثة أوجه:
الوجهان اللذان ذكرهما سيبويه، والثالث أن تجعل في تكون ضمير الأمر والشأن، فإذا أثنّي على قول من أضمر المولود في يكون: كل مولودين يولدان على الفطرة حتى يكونا أبواهما، وفي الجميع: حتى يكونوا آباؤهم، ويفرد؛ يكون على قول من رفع به أبواه، أو جعل فيه ضمير الأمر والشأن؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وأما قوله: هذا عبد الله هو خير منك، فإن سيبويه وأصحابه لا يجيزون فيه النّصب إذا أدخلت هو؛ لأن نصبه على الحال لتمام الكلام قبله، من أجل أن (هذا) مبتدأ، وعبد الله خبره، و(خيرا منك) حال، كما تقول: هذا زيد قائما، فإذا أدخلت هو جعلت هو مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في موضع الحال، ولهذا أنكروا قراءة من قرأ: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، ولا يجيزون فيه اسما معرفة لأنه ليس بخبر؛ لا يقولون: هذا زيد الراكب والقائم، والذي يجيزه يجري هذا مجرى كان، وعبد الله مرتفع بهذا، والاعتماد في الإخبار على الاسم المنصوب، والذي يجيزه الكسائي. والفرّاء لا يجيز النصب، وكذلك أبو العباس ثعلب، وكرهت إطالة الكتاب باحتجاج بعضهم على بعض، وباقي الباب مفهوم.