قال سيبويه: " وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمر فيه الاسم جرّ، وإن أظهر رفع.
ولو جاء الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١]؛ ولكنهم جعلوه مضمرا مجرورا.
والدليل على ذلك أنّ الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع.
قال يزيد بن الحكم بن أبي العاص:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلّة النّيق منهوي (١)
وهذا قول الخليل ويونس.
وأما قولهم: عساك فالكاف منصوبة. قال الراجز، وهو رؤبة:
يا أبتا علّك أو عساكا (٢)
والدليل على أنها منصوبة أنك إذا عنيت نفسك كانت علامتك ني. قال عمران بن حطّان:
_________________
(١) البيت في ديوانه، الخزانة ٥/ ٣٦، ٣٣٧؛ ابن يعيش ٣/ ٧٨؛ الكتاب ٢/ ٣٧٤؛ تاج العروس (جرم)؛ المقتضب ٣/ ٧٣.
(٢) البيت في ديوانه ١٨١، الخزانة ٥/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٦٨؛ وابن يعيش ٢/ ١٢، ٣/ ١٢٠؛ الكتاب ٢/ ٣٧٥.
[ ٣ / ١٣٥ ]
ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني لعلّى أو عساني (١)
فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، ولكنهم جعلوها بمنزلة لعل في هذا الموضع.
فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال، كما كانت للدن حال مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أنّ لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها، فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
ولا يستقيم أن تقول: وافق الرفع الجرّ في لولاي، كما وافقه النصب إذا قلت:
معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفته إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء.
تقول: معي، وضربني، ولا تقول: وافق الرفع النصب في: عساني كما وافق النصب الجرّ في ضربك، معك؛ لأنهما إذا أضفت إلى نفسك اختلفا.
وزعم ناس أنّ موضع الياء في لولاي وفي عساني في موضع رفع؛ جعلوا لولاي موافقة للجرّ، وني موافقة للنصب، كما اتّفق النصب والجرّ في الهاء والكاف. وهذا وجه رديء لما ذكرت لك؛ ولأنك لا ينبغي أن تكسر الباب وهو مطّرد، وأنت نجد له نظائر. وقد يوجّه الشيء على الشيء البعيد إذا لم يوجد غيره. وربما وقع ذلك في كلامهم، وقد بيّن بعض ذلك، وستراه فيما يستقبل إن شاء الله تعالى ".
قال أبو سعيد: قد تقدّم فيما سلف من الكتاب أنّ الاسم الظاهر بعد لولا مرفوع بالابتداء على مذهب سيبويه وغيره من البصريين؛ فينبغي إذا كنّي عنه أن يكون مضمرا منفصلا، فيقال فيه: لولا أنت، ولولا أنتما، ولولا أنتم، ولولا أنا، ولولا نحن، ولولا هو، ولولا هما، ولولا هم، ولولا هن، ونحو ذلك؛ لأن سبيل المضمر سبيل الظاهر في موضعه من الإعراب، وهذا هو الشائع الكثير في كلام العرب. قال الله ﷿: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١]، وقال عامر بن سيّار بن الأكوع وهو يحدو برسول الله:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فألقين سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا (٢)
وقال الكسائي: يرتفع الاسم بعد لولا بشيء مضمر معناه: لو لم يكن، وفرّع على
_________________
(١) البيت في ديوانه، الخزانة ٥/ ٣٣٧، ٣٤٩؛ ابن يعيش ٣/ ١٠، ١٢؛ الكتاب ٢/ ٣٧٥؛ المقتضب ٣/ ٧٢.
(٢) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٣/ ١١٥؛ الكتاب ٣/ ٥١١؛ المقتضب ٣/ ١٣.
[ ٣ / ١٣٦ ]
هذا النحو. حتى قال: لولا رأسك مدهونا لغسلته. والقياس والاختيار إذا أضمرته عندهم أن تقول: لولا أنا، ولولا نحن، ولولا أنت؛ لأنه لم يظهر فعل متصل به كناية المرفوع.
ثمّ أجمع النحويون المتقدمون من البصريين والكوفيين على الرواية عن العرب:
لولاك، ولولاي.
فأما سيبويه: فأنشد بيت يزيد بن الحكم الثقفي الذي ذكرناه، واستشهد به أيضا الكسائي، وذكر معه بيتين آخرين
من القصيدة وهما:
فليت كفافا كان خيرك كلّه وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
تكاشرنى كرها كأنّك ناصح وعينك تبدي أنّ قلبك لي دوى (١)
واستشهد الفراء أيضا بهذا البيت وبيت آخر:
أتطمع فينا من أراق دماءنا ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن (٢)
وأنشد فيه أيضا:
لولاك هذا العام لم أحجج (٣)
وكان أبو العباس المبرّد ينكر لولاي ولولاك، ويزعم أنّه خطأ لم يأت عن ثقة، وأنّ الذي استغوا هم بيت الثقفي، وأنّ قصيدته فيها خطأ كثير.
قال أبو سعيد: وما كان لأبي العباس أن يسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب.
ثم اختلف النحويون بعد في موضع الياء والكاف من: لولاي ولولاك، بعد إجماعهم على روايته.
فقال سيبويه: موضعه جر، وحكاه عن الخليل ويونس.
وقال الأخفش، وهو قول الفرّاء أيضا: الكاف والياء في لولاك ولولاي في موضع رفع.
واستدل سيبويه على قوله أن الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع، وأن
_________________
(١) البيت في ديوانه، الخزانة ١/ ٤٩٦، ٤/ ٣٩٠، ١٠/ ٤٧٢؛ ابن يعيش ٣/ ١١٩.
(٢) البيت في ديوانه، الخزانة ٥/ ٣٤٢؛ ابن يعيش ١٢٠.
(٣) البيت منسوب لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٨٧؛ والخزانة ٥/ ٣٣٣، ٣٣٩؛ ابن يعيش ٣/ ١١٩، ١٢٠.
[ ٣ / ١٣٧ ]
لولا في عملها الخفض في المكني وإن كانت لا تعمل في الظاهر الخفض بمنزلة عمل عسى في المكني النصب، وإن كانت لا تعمل في الظاهر إلا الرفع؛ فعملها النصب في المكني قوله:
علّك أو عساكا
الكاف في عساك مثلها في علّك، وأنت لا تقول في المظهر: عسى زيدا كما تقول:
لعل زيدا، واستدل على أن الكاف في عساك في موضع نصب بقول عمران:
لعلّى أو عساني
ولا تدخل النون والياء بعد الألف إلا على منصوب، وقول سيبويه: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال يعني: لولاك وعساك لهما اختصاص؛ فالضمير يخالف الظاهر.
وقوله: كما أنّ لدن حالا مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أن لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها؛ فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
يعني أن هذين الحرفين: لولاك وعساك، في اختصاصهما مع المضمر بهذين الضّربين من تقدير الخفض والنصب دون المظهر، بمنزلة لدن في حالها مع غدوة وعملها فيها النصب دون أن تعمل النصب مع غيره غدوة، وبمنزلة عمل لات في الأحيان النصب والرفع دون أن تعمل ذلك في غير الأحيان.
وردّ سيبويه على من زعم أنّ موضع الياء والكاف في لولاي ولولاك رفع، وأنّ الرفع وافق الجر في لولاي كما وافقه النصب إذا قلت: معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفت إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء. تقول: معي، وضربني. أراد سيبويه بهذا الاحتجاج أنه لو كان الرفع محمولا على الجر في لولاك لفصل بين اللّفظين في المتكلم فقيل: لولاني، كما فعل في النصب حين وافقه الجرّ في معك، وضربك، ثم خالفه في معي، وضربني.
وأما الحجة في جعل الياء والكاف في لولاي، لولاك في موضع رفع؛ فلأن الظاهر الذي وقعت الياء والواو موقعه رفع.
واحتج الأخفش في ذلك بأنّ علامة الجرّ دخلت على الرفع في لولاي، كما دخلت علامة الرفع على الجر في قولهم: ما أنا كأنت؛ فأنت من علامات المرفوع، وهو هاهنا في موضع مجرور، وكذلك الياء والكاف من علامات المجرور، وهما في لولاي، ولولاك من علامات المرفوع.
وأما الفرّاء فإنه احتج في ذلك بأنّا لم نجد حرفا ظاهرا خفض، فلو كانت لولا مما
[ ٣ / ١٣٨ ]
يخفض لأوشك أن ترى ذلك في الشعر؛ لأنّ الشعر الذي يأتي بالمستجاز. قال: وإنما دعاهم إلى أن يقولوا: لولاك في موضع الرفع؛ لأنهم يجدون المكني يستوي لفظه في الخفض والنصب فيقال: ضربتك، ومررت بك، ويجدونه يستوي أيضا في الرفع والخفض والنصب، فيقال: ضربنا، ومرّ بنا، فيكون النصب والخفض بنون، ثم يقال: قمنا، وفعلنا، فيكون الرفع بالنون. فلما كان ذلك استجازوا أن تكون الكاف في موضع (أنت) رفعا، وكان
إعراب المكني بالدّلالات لا بالحركات.
فإن قال قائل: حروف الخفض هي صلات للأفعال، فإذا جعلتم لولا خافضة للياء والكاف ففي صلة أي شيء تجعلونها؟
قيل له: قد تكون حروف الجر في موضع مبتدإ، ولا تكون في صلة شيء كقولك:
بحسبك زيد، ومعناه: حسبك زيد، وقولك: هل من أحد عندك؟ وإنما هو: هل أحد عندك؛ فموضعها رفع بالابتداء، وإن كانت قد عملت الجرّ. وكذلك لولا إذا عملت الجرّ صارت بمنزلة الباء في: بحسبك، ومن في: هل من أحد، وتكون لولاك ولولاي بأسرها بمنزلة بحسبك، ومن أحد. ونظير هذا ما روي من خفض (لعل) لما بعدها؛ فإذا خفضت ما بعدها كانت هي وما بعدها بمنزلة اسم مبتدأ وما بعدها خبر، وفيما قرأنا على أبي بكر بن دريد، أو أنشدناه:
وداع دعايا من يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة لعل أبي المغوار منك قريب (١)
وأما عساك، وعساني ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: قول سيبويه وهو أنّ عسى حرف بمنزلة لعلّ ينصب ما بعدها الاسم، والخبر مرفوع في التقدير وإن كان محذوفا. كما أنّ علّك في قولك: علّك أو عساك خبره محذوف مرفوع، والكاف اسمها، وهي منصوبة. واستدلّ على نصب الكاف في عساك بقول عمران: عساني، والنون والياء فيما آخره ألف لا تكون إلا للنّصب.
والقول الثاني: قول الأخفش أنّ الكاف والنّون والياء في موضع رفع، وحجّته:
أنّ لفظ النّصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجرّ في:
لولاي، ولولاك.
والقول الثالث: قول أبي العبّاس المبرّد: أنّ الكاف والنّون والياء في عساك، وعساني
_________________
(١) البيت في ديوانه، الخزانة ١٠/ ٤٢٦، ٤٢٨؛ لسان العرب وتاج العروس (جوب).
[ ٣ / ١٣٩ ]
في موضع نصب ب (عسى) وأنّ اسمها مضمر فيها مرفوع، وجعله كقولهم: (عسى الغوير أبؤسا).
وحكي عنه أيضا أنه قدّم فيها الخبر لأنها فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: ليس إلا، وليس فعل
صحيح لا يدخله الاختلاف بوجه من الوجوه، وباقي الباب مفهوم.