" فالمبتدأ كلّ اسم ابتدئ ليبنى عليه كلام، والمبتدأ والمبنيّ عليه رفع.
فالابتداء لا يكون إلا بمبنيّ عليه. فالمبتدأ الأول والمبنيّ عليه ما بعده فهو مسند ومسند إليه.
واعلم أنّ المبتدأ لا بّد له من أن يكون المبنيّ عليه شيئا هو هو، أو يكون في مكان أو زمان. وهذه الثلاثة يذكر كلّ
واحد منها بعد ما يبتدأ.
فأمّا الذي يبنى عليه شيء هو هو فإنّ المبنيّ عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق؛ ارتفع عبد الله لأنه ذكر ليبنى عليه المنطلق، وارتفع المنطلق لأنّ المبنيّ على المبتدأ بمنزلته ".
قال أبو سعيد: قد ذكرنا الابتداء ما هو، والمبتدأ والخبر وما يرتفع به كلّ واحد منهما، وأنا أعيده هنا لأنّه أولى فأقول: إنّ الابتداء هو تعرية الاسم من العوامل اللفظية، ليخبر عنه. وهذه التعرية عاملة فيه؛ لأن العوامل في الإعراب بمنزلة العلامات الدّالة على ما يجب من الإعراب، والتعرية قد تكون علامة في بعض الأماكن، كثوبين أبيضين
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٤٥.
(٢) سورة هود، الآية: ١٩، سورة يوسف، الآية: ٣٧.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
متشابهين لرجلين إذا يعلم أحدهما على ثوبه وترك الآخر العلامة، كان تعريته من العلامة علامة له. فأمّا المبتدأ فالابتداء يرفعه، وأمّا خبر المبتدأ فمن أصحابنا من يقول: إن الابتداء يرفع الاسم والخبر جميعا، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: إن الابتداء يرفع المبتدأ، والمبتدأ والابتداء يرفعان الخبر.
ولسيبويه فيه عبارات مختلفة مشتبهة يوهم بعضها أن الخبر يرفعه المبتدأ، وذلك قوله: " فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، يعني يرتفع بالمبتدأ " ويوهم بعضهم أن الابتداء يرفع المبتدأ والخبر لقوله: " وارتفع المنطلق " وهو يعني خبر الابتداء؛ لأنّ المبنيّ على المبتدأ بمنزلته.
وفيه وجه حسن آخر ليس في شيء مما ذكرته في غير هذا الموضع ولا رأيته لأحد، وهو أن التعرية الموجبة للرفع قد وقعت على المبتدأ والخبر؛ لأنّ الخبر- أيضا- لم يدخل عليه عامل لفظيّ؛ لأنّ الاسم المبتدأ ليس بعامل، فكان في كل واحد منهما تعرية، ويدلّك على ذلك أن أصحابنا لا خلاف بينهم أن خبر المبتدأ قد يتقدم عليه ويرتفع بما كان يرتفع به، وقد علمنا أن العامل الضعيف لا يعمل فيما قبله، والابتداء والمبتدأ ليس بأقوى من إنّ وأخواتها، وأخبارها لا تتقدم عليها وإنما جاز تقديم خبر المبتدأ لأنّ فيه من التعرية مثل ما في المبتدأ، ويقوّي هذا قول سيبويه: " لأن المبنيّ على المبتدأ بمنزلته " وعلى نحو هذا سوى الكوفيون بين الابتداء والخبر، فجعلوا كل واحد منهما رافعا للآخر، أيّهما تقدّم رفع الذي بعده، وأيّهما تأخر رفع الذي قبله. قال: وزعم الخليل أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد وذاكر، إذا لم يجعل قائما مقدّما مبنيا على المبتدأ، كما يؤخّر ويقدّم فيقول: ضرب زيدا عمرو، وعمرو
على ضرب مرتفع، وكان الحدّ أن يكون الابتداء مقدما، ويكون زيد مؤخّرا، وكذلك هذا الحدّ فيه أن يكون الابتداء فيه مقدما. وهذا عربي جيّد، وذلك قولك: تميمي أنا، ومشنوء من يشنؤك، وأرجل عبد الله، وخذ صنعتك.
يريد أنّ قولك: قائم زيد قبيح إن أردت أن تجعل قائم هو المبتدأ، وزيد خبره أو فاعله، وليس بقبيح أن تجعل قائم خبرا مقدما، والنية فيه التأخير كما تقول: ضرب زيدا عمرو، والنية تأخير زيد الذي هو مفعول، وتقديم عمرو الذي هو فاعل، وذلك قولك: تميميّ أنا، ومشنوء من يشنؤك أرجل عبد الله، وخذ صنّعتك؟، وقال بعد تقديم
[ ٢ / ٤٥٧ ]
خبر المبتدأ عليه نحو قائم زيد، وتميمي أنا، ومشنوء من يشنؤك. فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقولك: يقوم زيد، وقام زيد قبح؛ لأنه اسم. وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف أو جرى على اسم قد عمل فيه؛ كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره فتقول: هذا ضارب زيدا وأنا ضارب زيدا. ولا يكون: ضارب زيدا على قولك: ضربت زيدا، وضربت عمرا. فكما لم يجز هذا كذلك استقبحوا أن يجري مجرى الفعل المبتدأ، وليكون بين الاسم والفعل فصل وإن كان موافقا له في مواضع كثيرة؛ فقد يوافق الشيء ثم يخالفه؛ لأنه ليس مثله. وقد كتبت ذلك فيما مضى، وستراه فيما يستقبل، إن شاء الله تعالى ".
قال أبو سعيد: إذا نقلت الفعل إلى اسم الفاعل ورفعت الفاعل به ولم يكن قبله ما يعتمد عليه، قبح؛ وذلك أنه يلزمك أن تقول مكان قام زيد وقام الزيدان. قائم زيد، وقائم الزيدان، وقائم الزيدون، والذى قبّحه فساد اللفظ لا فساد المعنى، وذلك أنك إذا قلت: قائم الزيدان، وقائم الزيدون، رفعت قائم بالابتداء، والزيدان فاعل من تمام قائم، فيكون مبتدأ بغير خبر. ولو جاز هذا لجاز أن تردّ: يضرب زيدا إلى ضارب زيدا، وزيد في صلته، ولا يكون له خبر. والذى يجيزه زعم أن الفاعل يسد مسد الخبر، وقائل هذا يحتاج إلى برهان على ما ادعاه، وإنما يرتفع الفاعل باسم الفاعل، وينتصب به المفعول، إذا كان معتمدا على شيء يكون خبرا له أو صفة أو حالا أو صلة، كقولك: كان زيد قائما أبوه، ومررت برجل ضارب أبوه زيدا، وهذا زيد ضاربا أبوه أخاك، ومررت بالضارب أخاك.
وقد نسب أبو العباس محمد بن يزيد سيبويه إلى الغلط في قسمته خبر المبتدأ في هذا الباب إلى شيء هو هو، أو يكون في مكان أو زمان، ولم يأت بالجمل التى تكون أخبارا كنحو: زيد ضربته، وزيد أبوه قائم، وزيد إن تأته يأتك.
قال أبو سعيد: أحسب سيبويه جعل ما فيه ذكره ممّا يتبين في التثنية والجمع من حيز ما هو هو، واقتصر على ذلك لأنه مفهوم لا يشكل. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢ / ٤٥٨ ]