(والبدل يشرك المبدل منه في الجر وذلك قولك: مررت برجل حمار، فهو على وجه محال، وعلى وجه حسن). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قد مضى هذا الضرب من البدل مشروحا في باب البدل، وقد ذكر أشياء فيها حروف العطف فسماها بدلا، وتلك الحروف: بل، ولا بل، ولكن، وأو.
ولو قال عقيب الأول، ومثل ذلك قولك:
لا بل حمار، تريد: مررت برجل لا بل حمار.
قال: (ومن ذلك: مررت برجل بل حمار وهو على تفسير: مررت برجل حمار.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ومن ذلك: ما مررت برجل، ولكن حمار، وأبدلت الآخر من الأول وجعلته مكانه).
وقال في الباب: (ومن المبدل- أيضا- قولك: قد مررت برجل أو امرأة، إنما ابتدأ بيقين، ثم جعل مكانه شكا أبدله منه، فصار الادعاء فيهما سواء)، واعتمد على أن ابتداء الكلام إذا كان يوجب أمرا ثم جاء بما يبطله، ويوجب الثاني نحو: بل، ولا بل، فهو بدل شبيه بدل الغلط الذي بدأ به، وهو في معناه، وجعل لكن كذلك لأنه أوجب وحقق إبطال
الأول.
و(بل) و(لكن) إذا كان قبلهما جحد فهما في المعنى سواء كقولك: ما مررت برجل بل عمرو، وما مررت بزيد لكن عمرو، وجعل أو من الباب، لأنك بدأت بالأول على لفظ اليقين ثم شككت فيه، والتشكيك فيه كالإبطال له، ولهذا شبه (أو) ب (لكن) حين قال في (أو) (ابتداء بيقين ثم جعل مكانه شكا)، فهو شبيه بقوله: ما مررت بزيد ولكن عمرو، ابتدأ بنفي ثم جعل مكانه يقينا.
فإن قال قائل: فهلا جعل قولك: مررت بزيد لا عمرو من هذا؛ لأنه نفي بعد الإيجاب بمنزلة التوكيد للإيجاب المتقدم، كما أن قولك: هذا زيد لا شك فيه، كقولك: هذا زيد حقا، فقولك: مررت بزيد لا عمرو، كقولك: مررت بزيد حقا.
فأما قول سيبويه: (وقد يكون فيه الرفع على أن يذكر الرجل)، وذكر الفصل.
قال المفسر: وجعل سيبويه رفعه بإضمار اسم مكنيّ يكون الظاهر خبره، ويكون ذلك المكني على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد جرى ذكره فيضمر الاسم الذي ذكره.
والآخر: أن تعرف المعنى فيضمر ذلك المعنى وإن لم يجر ذكره.
فأما ما جرى ذكره فأضمر: فهو الكلام المعروف وهو تمثيله برجل يذكر فيقول:
أنت قد مررت به، وقد مررت برجل بل هو حمار، ويكون هو الرجل المذكور.
وأما الذي أضمر ولم يذكر، فقولك: ما مررت ببغل ولكن حمار، تريد: ولكن هو حمار، معناه: لكن الذي مررت به حمار لأن قولك: ما مررت ببغل قد دلّ عليه فكني لدلالة الكلام عليه، وجعل الأقوى في الكناية ما جرى ذكره لقرب المكني بالذكر وإضمار الذي لم يجز ذكره عربي جلي. لأن معناه ما مررت بشيء هو بغل فجاز هذا، وإن لم يجز ذكره كما جاز في المنعوت الذي جرى ذكره نحو: ما مررت برجل صالح بل طالح،
[ ٢ / ٣٣٧ ]
أي: بل هو طالح، والضمير لرجل، وقوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (١) رفع عباد على الوجهين المتقدمين، أحدهما: أنهم كانوا ذكروا الملائكة، واتخاذ الله- تعالى- إياهم أولادا، فنزه نفسه عن ذلك فقال تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢)، أي: بل هم عباد، و(هم) إضمار شيء جرى ذكره في كلام القوم فلذلك أضمر.
الوجه الآخر: بتقدير: بل الذين قالوا اتخذهم الله ولدا عباد مكرمون من غير ذكر جرى لهم.
قال سيبويه: (وأما قولهم: أمررت برجل أم امرأة؟ إذا أردت معنى أيهما مررت به، فإن (أم) تشرك بينهما كما أشركت (أو».
فإنه يعني أن (أم) للعطف وللإشراك بين الأول والثاني في الإعراب، وليست من حروف البدل التي تقدم ذكرها.
ثم قال سيبويه: (وأما مررت برجل فكيف امرأة، فزعم يونس أن الجر خطأ، وقال: هو بمنزلة أين). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: مذهب البصريين أن العطف لا يجوز بشيء من حروف الاستفهام، فأمّا الكوفيون فقد أجازوا النسق وهو العطف ب (أين وكيف وألا وهلّا).
وألزم سيبويه من أجاز النسق بأين وكيف بلم وبكم، فقال: (ينبغي أن يجيز ما مررت بعبد الله فلم أخيه؟ وما لقيت زيدا فلم أبا عمرو، تريد: مررت بأخيه، وبكم لقيت أبا عمرو). وهم لا يلتزمون ذلك.
والمنصوب والمرفوع في البدل والشركة كالمجرور.