و(لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب (إنّ) لما بعدها، وترك التنوين لما تعمل فيه لازم؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر؛ وذلك لأنها لا تشبه سائر ما ينصب مما ليس باسم وهو الفعل وما أجري مجراه؛ لأنها لا تعمل إلا في نكرة و(لا) وما تعمل فيه في موضع ابتداء.
فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر.
(فلا) لا تعمل إلا في نكرة كما أن (رب) لا تعمل إلا في نكرة. وكما أن (كم) لا تعمل- في الخبر والاستفهام- إلا في نكرة. لأنك لا تذكر بعد (لا) - إذا كانت عاملة- شيئا بعينه كما لا تذكر ذلك بعد (رب).
وذلك لأن (رب) إنما هي للعدّة بمنزلة (كم) فخولف بلفظها حين خالفت أخواتها كما خولف ب (أيهم) حيث خالفت (الذي) وكما قالوا " يا الله " حين خالفت ما فيه الألف واللام.
وسترى أيضا نحو ذلك إن شاء الله.
فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا:
" يا ابن أم " فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الآخر.
وخولف بخمسة عشر لأنها إنما هي خمسة وعشرة " فلا " لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب- فيما زعم الخليل- لقوله: هل من عبد أو جارية؟ فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة.
واعلم أن (لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء، كما إنك إذا قلت: هل من رجل فالكلام في موضع اسم مرفوع مبتدأ، وكذلك " ما من رجل " و" ما من شيء " والذي يبنى عليه في زمان أو مكان ولكنك تضمره وإن شئت أظهرته وكذلك " لا رجل " و" لا شيء " إنما تريد لا رجل في مكان ولا شيء في زمان.
[ ٣ / ١٣ ]
والدليل على أن " لا رجل " في موضع اسم مبتدأ و" ما من رجل " في موضع اسم مبتدأ في لغة تميم: قول العرب من
أهل الحجاز " لا رجل أفضل منك ".
وأخبرنا يونس إن من العرب من يقول:
ما من رجل أفضل منك وهل من رجل خير منك.
كأنه قال: ما رجل أفضل منك وهل رجل خير منك.
واعلم أنك لا تفصل بين " لا " وبين المنفي كما لا تفصل بين " من " وما تعمل فيه وذلك أنه لا يجوز أن تقول في الذي هو جوابه: هل من فيها رجل؟
ومع (ذا) أنهم جعلوا (لا) وما بعدها بمنزلة خمسة عشر فقبح أن يفصلوا بينهما عندهم كما لا يجوز أن يفصلوا بين خمسة و" عشر " بشيء من الكلام لأنها مشبهة بها.
قال أبو سعيد: " لا رجل في الدار " جواب " هل من رجل في الدار " وذلك أنه إخبار وكل إخبار يصح أن يكون جواب مسألة.
ولما كان " لا رجل في الدار " نفيا علما كانت المسألة عنه مسألة عامة ولا يتحقق لها العموم إلا بإدخال " من ".
وذلك إنه لو قال في مسألته: هل رجل في الدار؟ جاز أن يكون سائلا عن رجل واحد. كما تقول: هل عبد الله في الدار؟ وهل أخوك في الدار؟
فالذي يوجب عموم المسألة دخول " من " لأنها لا تدخل إلا على واحد منكور في معنى الجنس، ولا تدخل على معروف، لا تقول: هل من عبد الله في الدار؟ وهل من أخيك؟
وسبيل الاستفهام سبيل الجحد تقول: ما في الدار رجل، فيحتمل العموم ويحتمل أن يكون رجلا بعينه، كقولك: " ما في الدار عبد الله "، فإذا قلت: ما في الدار من رجل لم يكن إلا عموما.
ولما كان: لا رجل في الدار جواب هل من رجل في الدار؟ وهل من رجل معبرا عن: هل رجل في الدار؟ بإدخال عامل عليه يخرجه إلى تحقيق عموم المسألة جعل معبرا عن الابتداء ليدل على عموم النفي، فلم يبق بعد الرفع إلا النصب والخفض، فعدلوا عن الخفض؛ لأن الباب في حروف الخفض أن لا تأتي مبتدأة وإنما تأتي في صلة شيء؛ كقولك أخذت من زيد، ومضيت إلى عمرو. أو زائدة بعد شيء كقولك: هل من رجل في الدار
[ ٣ / ١٤ ]
أو ما من رجل في الدار.
ونصبوا بحرف النفي الذي هو جواب؛ إذ في حروف الجحد ما يعمل في الأسماء الرفع والنصب وهو (ما) في لغة أهل الحجاز على أن (لا) تعمل الرفع والنصب بمعنى (ليس) وسنقف على ذلك إن شاء الله.
ولما نصبوا بها (وكان الناصب بها لا يعمل) لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الذي في المسألة، والخافض والمخفوض بمنزلة شيء واحد؛ لأن مجرى حرف الخفض وما خفضه كمجرى المضاف والمضاف إليه. جعل (لا) وما نصبته بمنزلة شيء واحد. ودلوا على جعلهما كشيء واحد بحذف التنوين مما بعدها ولم يقولوا في الجواب:
لا من رجل؛ لأن التعبير الذي يكون " بمن " يحصل " بلا " فاكتفوا بتأثير " لا " في الاسم الذي بعدها عن إدخال (من).
واختلف أصحابنا في فتحة الاسم المبني مع (لا).
فقال أبو العباس محمد بن يزيد إنها بناء.
وقال أبو إسحاق الزجاج إنها إعراب.
وقد سقت كلامهما على ما حكى أبو بكر مبرمان عنهما:
قال أبو العباس: " الذي أوجب ل (لا) أن تعمل: إنها وليت الأسماء فلم تفارقها وكل شيء ولي شيئا فلم يفارقه وجب أن يعمل فيه. والذي أوجب لها النصب: أنها داخلة على مبتدإ وخبر، وكل داخل على مبتدإ وخبر يجب أن يعمل النصب إذا ولي الأسماء دون الأفعال نحو: ليت وإنّ وكأن " ومضارعتها " " أن " إنها لا تلي الأفعال.
والذي أوجب البناء أنها خالفت العوامل؛ لأن العوامل تتصرف، وتصرفها أنها تلي المعارف والنكرات، كقولك: " إنّ زيدا " و" إنّ رجلا " و" لا " هذه لا تفارق النكرات، فلما لزمت النكرة هذا اللزوم وخالفت نظائرها من الحروف العوامل في الأسماء فعل بها ذلك.
وقال أبو إسحاق الزجاج " ليست مبنية وإنما شبهها بخمسة عشر- يعني سيبويه- لأنها لا تفارق ما تعمل فيه كما أن خمسة لا تفارق عشر " واحتج أبو إسحاق بقولك: لا رجل وغلاما عندك، ولا رجل ظريفا عندك. واستدل بعطف المعطوف عليه أنه معرب.
قال أبو بكر: " فقلت له: فأنت تقول: لا رجل ظريف عندك، فنبني " رجل " مع " ظريف " قال: " هذا قول بعضهم ويحتاج أن ننظر فيه ".
وقال- أيضا- أبو إسحاق: " إنما حذفت التنوين للفرق بين معنيين " أي: لتفرق بين الذي هو جواب " هل من رجل "؟ وبين الذي هو جواب " هل رجل "؟
[ ٣ / ١٥ ]
قال أبو سعيد: " قد سقت كلام هذين. والذي عندي: أن الفتحة في الاسم بعد (لا) إعراب وهو مذهب سيبويه لأنه قال " فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) لما بعدها. وترك التنوين لما تعمل فيه لازم.
قال أبو سعيد: قد يعمل العامل في الشيء ويمنع التصرف الذي لنظائره ولا يكون ذلك مبطلا لعمله كقولك: حبذا زيد.
" حب " فعل ماضي و" ذا " فاعله وجعلا جميعا كشيء واحد، ولا يغيّر في التثنية والجمع والتأنيث، ولا يمنع ذلك من أن يكون " حب " قد عمل في " ذا " ومنع التنوين لما ذكرته لك من الدلالة على جعلهما كشيء واحد على مذهب (لا) المقابلة حرف الجر وما بعده في قولك هل من رجل في الدار "؟
وقد أجمعوا على أن ما بعد (لا) إذا كان مضافا أو كان تمامه بشيء يتصل به أنه منصوب معرب، وأن ما لم يكن من ذلك مضافا فالتنوين يدخله، وذلك قولك: لا غلام رجل في الدار ولا خيرا من زيد عندنا، وله باب يأتي فيما بعد.
وقوله: و(لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء.
إن قال قائل: أنتم تزعمون أنّ " ليت " و" لعل " و" كأن " إذا دخلن على المبتدإ وخبره غيرن معنى الابتداء حتى لا يعطف على موضع الابتداء كما يعطف في (إن) و(لا) حرف جحد دخل على الابتداء فهلا غيّر موضع الابتداء؟
والجواب: أن هذه الحروف لها معان لا تصح في الأسماء إذا كانت مبتدأة وقد يصح الابتداء فيها مع الجحد كقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو.
ويقال: أقل رجل يقول ذلك. وأقل مبتدإ وفيه معنى الجحد؛ لأن معناه: ما يقول ذاك أحد " ولا " أيضا جواب حرف دخل على مبتدإ وخبر لأن قولك: هل من رجل في الدار؟ " من رجل " في موضع مبتدإ و" في الدار " خبره و" لا " عملت في " رجل " وفيها جحد فقابلت (لا) (هل) في الجواب وقابلت (من) في العمل فصار " لا رجل " بمنزلة " هل من رجل؟ " في عملهما فيما بعدهما.
وأما استدلال سيبويه على أن " لا رجل " في موضع اسم مبتدإ في لغة بني تميم بقول العرب من أهل الحجاز:
لا رجل أفضل منك فكان بنو تميم يقولون: لا رجل ويسكتون عن إظهار الخبر، واحتج بلغة أهل الحجاز لأنهم يظهرون الخبر.
وذكر أبو بكر مبرمان عن أبي العباس محمد بن يزيد: أنه زعم أن " لا " تعمل رفعا
[ ٣ / ١٦ ]
ونصبا كما تعمل " إن " وقد يجوز " أفضل منك " أن يكون رفعا " بلا " ويجوز أن يكون رفع بخبر الابتداء لأن " لا " وما بعدها في موضع مبتدإ.