(وقع فيه الأمر وفيه الألف واللام شبهوه بما يشبّه من الأسماء بالمصادر نحو قولك: فاه إلى فيّ، وليس بالفاعل ولا المفعول) وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: حق الصفة أن تكون تحلية في الموصوف في حال الإخبار عنه إذا كان معرفة كقولك: العاقل والأحمق، والبصري واليمني، والقائم والقاعد، لأن هذه أشياء حاصلة في المحلّى لها، فإذا قيل: ليدخل العاقل، فالعاقل معروف في وقت الأمر، ولا يجوز أن تقول: ليدخل الأول إلا أن يكون اسما لواحد قد استحقه، هذا هو القياس.
وقد اتسعوا في مثل هذا فأمروا بالفعل الذي يستحق فاعله به صفة ما، وأوقعوا تلك الصفة عليه قبل وقوعه منه
على معنى ما تكون فيه فيقولون: ليدخل الأول، ومعناه:
ليدخل رجل من القوم إذا دخل صار الأول فهذا المفروض فيه، فسموه بالأول قبل استحقاقه على هذا المعنى، ومن أجل هذا المعنى جاز أن تجعل الأول فالأول حالا، لأنه ليس بصفة مستقرة كالعامل وأنها نصبت أولا في ترتيب الفعل إذا سبق فيه فأشبه النكرات.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وقال المبرد: إنما أدخلوا الألف واللام في قولهم: ادخلوا الأول فالأول، كأن القائل قال: أعرفكم إذا دخلتم، وإذا قالوا: ادخلوا أولا فأولا، وليس يعرف ترتيبهم إذا دخلوا على ذلك فصار منكورا.
وحكى سيبويه: (أن عيسى بن عمر كان يقول: ادخلوا الأول فالأول) على البدل من الواو (لأن معناه: ليدخل) الأول فالأول، ولم يجز ذلك سيبويه لأن لفظ الأمر للمواجه، لا يجوز أن يعرّى من ضمير، وإذا أبدل الظاهر منه فكأنه لا ضمير فيه، ألا ترى أنه لا يجوز: ادخلا الزيدان، ولا ادخلوا غلمان زيد، فتبدل من ضمير الاثنين والجماعة المخاطبين لأنا لا نقول: ادخل غلمان زيد، فإذا أبدلنا فقد أبطلت الواو.
ولم يفسر سيبويه علته بل جوزه على وجه من وجوه ما يحمل على المعنى، وهو قولهم:
ليبك يزيد ضارع لخصومة (١)
ومثال هذا من الكلام أن تقول ومختبط مما تطيح الطوائح: ضرب زيد عمرو، ومعناه: أن عمرا ضرب زيدا، خبرت عن زيد بالضرب الواقع به، ولم تسم الفاعل؛ أردت أن تبتدئ الفاعل، فقلت: عمرو على معنى: ضربه عمرو فهو على كلام ثان، فعلى هذا، قال الشاعر:
ليبك يزيد
كأنه حث على البكاء عليه حين مات لما فات من منافعه، ولم يذكر الباكي، ثم قال: ضارع لخصومة، أي: ليبكه من كان يعينه ويأخذ بيده فحمل ضارعا على معنى:
ليبك إذا كان يبكي يدل على باك، فكذلك ادخلوا فيه معنى: ليدخل القوم، ولو قال:
ليدخل القوم الأول فالأول لجاز بلا خوف لأنه أمر للغائب يجوز أن يليه الظاهر، ويكون بدلا من المضمر الذي فيه:
قال سيبويه: (فإذا قلت: ادخلوا الأول والآخر والصغير والكبير رفعت، فليس معنى رفع هذا على البدل، وإنما هو على التوكيد كقوله: ادخلوا كلكم لأن معناه
_________________
(١) البيت لنهشل بن حرى في الخزانة ١/ ١٤٧، والشعر والشعراء ولابن نهيك النهشلي في ابن يعيش ١/ ٨٠.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
معنى: كلهم). وذكر الباب.
قال أبو سعيد: إذا قلت: ادخلوا الأول والآخر، والصغير والكبير فرفعت، ليس رفع هذا على البدل، إنما هو على التوكيد كقولك: ادخلوا كلكم، ولا يقع مثل هذا في الفاء لأنه لا يجوز أن تقول: مررت بزيد أخيك صاحبك، وصاحبك نعت لزيد، إنما تقول: مررت بزيد أخيك وصاحبك كقول الشاعر:
ويأوي إلى نسوة عطّل وشعث مراضيع مثل السّعالى (١)
فعطف شعثا على عطل، وهما جميعا نعتان لنسوة، وكذلك تقول: مررت بزيد الفقيه والبزاز، ولا يحسن أن تقول: فالبزاز، ولو قلت: عطّل فشعث- أيضا- لم يحسن.