(وذلك أفعل منه)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما يقع بعد الاسم من الأسماء المفردة والمضافة أو الموصولة على ضربين:
أحدهما: يكون صفة للأول.
_________________
(١) قائله المثقب العبدي.
(٢) البيت لمضرس بن ربعي الخزانة ٢/ ٢٩١.
(٣) البيت للأعشى ديوانه/ ٤٢٣، خزانة الأدب ٥/ ١٨.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
والآخر: لا يكون صفة له.
فأما الذي يكون صفة فما كان تحلية أو جرى مجرى التحلية وذلك قولك: مررت برجل قائم، وكاتب وضاحك ونحوه، ومنه: مررت برجل خير منك، ومثلك وحسبك من رجل، وبدرهم سواء، وبرجل أبي عشرة.
وما لا يكون صفة، فنحو: بستان ودار وحصير ودفتر ونحوه، لا تقول: مررت بملكك البستان، ولا بملكك ثوب، إلا على البدل، ولا بملكك بستانك، ولا بمالك دفترك إلا على البدل أيضا، فإن اتصل بشيء مما لا يكون صفة: له إنما يكون معه جملة مبتدأ وخبر، نحو: مررت برجل دفتر له عندك، وبرجل ثوبه فاخر، ونحو ذلك جاز وتكون الجملة نعت الأول، وأما الصفة إذا اتصل بها اسم فعلى ضربين:
أحدهما: يختار أن يجرى مجرى الاسم الذي يكون صفة، فيرفع بالابتداء والخبر، وهو قولك: مررت برجل خير منه أبوه، وبرجل سواء عليه الخير والشر، وبرجل أب للصاحبة، وبرجل حسبك به من رجل، فهذا الضرب من الصفة يرفع كما يرفع ما لا يكون صفة، ويكون ما بعده خبرا له، وهذا يعني ترجمة الباب، لأن " خير منه " وسواء، وحسبك، وأيما رجل، وأبو عشرة، إذا انفردت كانت صفة، وإذا كانت بعدها أسماء لم تكن صفة بمنزلة أسماء الجواهر وتحقيق لفظ الباب أن يقال: هذا باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة إذا انفردت مجرى ما لا يكون صفة إذا لم ينفرد.
والضرب الآخر من الصفة ما يجرى على ما قبله في إعرابه ويرتفع به ما بعده كارتفاع الفاعل بفعله، وهو قولك: مررت برجل شديد عليه الحر والبرد، من قبل أن شديدا اسم فاعل منه، والحر والبرد مرفوعات به، وهكذا مررت برجل مستو عليه الخير والشر، جررت لأنه صار عملا بمنزلة قولك: مررت برجل مفضض سيفه، ومررت برجل
مسموم شرابه، وجملة ما يكون صفة جاريا على الأول، ويرتفع به ما بعده ما كان من أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين، وقد مضى شرحها.
وأما ما يكون صفة في الانفراد ولا يكون صفة في غير الانفراد، فما ذكره في هذا الباب من قوله: (خير منه أبوه، والأسماء التي ذكرت ومعه).
وذكر سيبويه فصولا بين البابين يبعد بها من مذهب الفعل خير منه أبوه فيه، فيرتفع ما بعده ويفصل ما بينها وبين أسماء الفاعلين بالصفات المشبهة منها، لأن أسماء الفاعلين
[ ٢ / ٣٥٥ ]
تفرد وتؤنث بالهاء، وقد ذكرناه، وتثنى وتجمع وتدخل عليها الألف واللام وتضاف إلى ما فيه الألف واللام، وهذا كله يجري على الصفة المشبهة نحو حسن وكريم وطويل، فتقول:
الحسن الوجه، كما تقول: الملازم الرجل، وليس ذلك في باب (خير منه) لأنه لا تدخل فيه الألف واللام، ولا يفرد وما يفرد أقرب إلى الفعل، لأن الفعل ينفرد، تقول: مررت برجل يضحك ويتكلم، ويدخله التأنيث فتقول: مررت بامرأة تضحك وضحكت، ويتصل به تثنية الضمير وجمعه، تقول: مررت برجلين يضحكان، وبرجال يضحكون.
والألف واللام تدخل على اسم الفاعل الذي منزلته وحكمه حكم الفعل، وقدمنا من الاحتجاج الفصل بينهما في باب الصفة ما يوجب ألّا يرفع ما بعد (خير منه) بما يغني عن إعادته.
فإذا قلت: مررت برجل سواء في الخير والشر جررت، لأن سواء صفة للأول وليس بعده ما يرتفع به فإن قلت: برجل سواء أبوه وأمه، رفعت سواء على أبوه وأمه، سواء بالابتداء، فإن قلت: برجل سواء درهمه، كما تقول: مررت برجل تمام درهمه، ولو خفضت سواء لرفعت ما بعده بالفاعل، وقد ذكرنا أن ذلك لا يحسن، وتقول: مررت برجل سم شرابه، وفضة سيفه على الابتداء والخبر، وليس ذلك ك (مسموم ومفضض) لأنه مسموم ومفضض اسم مفعول جار على الفعل، قال سيبويه:
(وزعم يونس: أن ناسا يجرون هذا كما يجرون مررت برجل خز صفته).
قال أبو سعيد: كأنهم يتأولون في ذلك تأويل اسم الفاعل فيتأوّل (خير منه أبوه) تأويل (فاضل عليه أبوه)، و(راجح عليه أبوه)، ونحو هذا.
ويتأولون في: سواء أبوه وأمه، مستو أبوه وأمه، كما يتأولون في خزّ صفّته، ليّن صفّته.
ثم ذكر سيبويه تقويه الرفع بأنك لا تقول: مررت بخير منه أبوه، ولا سواء عليه الخير والشرّ، كما تقول: بحسن
أبوه، ثم قال سيبويه:
(وتقول: مررت برجل كل ماله درهمان، لا يكون فيه إلا الرفع، لأن " كل " مبتدأ، والدرهمان مبنيان عليه فإن أردت به ما أردت بقولك: ما مررت برجل أبي عشرة أبوه، جاز لأنه قد يوصف به).
قال أبو سعيد: يريد أن الاختيار رفع " كل " و" أبو عشرة "، ويجوز: مررت برجل
[ ٢ / ٣٥٦ ]
أبي عشرة أبوه، وليس بالاختيار، فإذا أجريته على الأول ورفعت أبوه صار التأويل:
مررت برجل والد عشرة أبوه، وإذا أضفته قلت: مررت برجل أبي عشرة أبوه كما تقول:
بضارب زيد أبوه، وعلى هذا تقول: مررت برجل كل ماله درهمان، كأنه قال: مجتمع له درهمان، أو جامع مع ملكه درهمان، وليس ذلك بأبعد من: مررت برجل خزّ صفّته، لأنك قد تصف ب (أبي عشرة)، وكل مال مفردين، فتقول: مررت برجل أبي عشرة، ومررت بمال كل مال، ولا تقول: مررت بثوب خز على النعت.
قال سيبويه: (ومن جواز الرفع في هذا الباب أني سمعت رجلين من العرب يقولان: كان عبد الله حسبك به رجلا)، وذكر الباب.
قال أبو سعيد: عبد الله: اسم كان، وحسبك: مبتدأ، وبه خبره، وهو في موضع رفع، ورجلا: نصب على التمييز، ولو أجراه على الأول، لقال: كان عبد الله حسبك به، تنصب حسبك بخبر كان، وبه في موضع الفاعل، تقول: كفى بالله، والمعنى: كفى الله، وإجراء حسبك على الأول أقوى من إجرائه على الثاني ونحوه إذ كان حسبك مفردا يوصف به لأنه مأخوذ من أحسبني الشيء، أي: كفاني.