(بالمكان غير المختص شبّهت به إذا كانت تقع على الأماكن).
قال أبو سعيد: هذا الباب ينقسم قسمين:
أحدهما: يراد به تعيين المنزلة بعد أو قرب.
والآخر: يراد به تقدير البعد والقرب.
فما أريد به تعيين الموضع وذكر المحل من قرب أو بعد، وإن النصب يجوز فيه على الظرف، والرفع على خبر الأول تشبيها، والأكثر فيه النصب.
ويدلّك على ذلك أنك تدخل الباء عليه فتقول:
هو مني بمنزلة، كأنه قال: هو مني استقر بمنزلة، والباء وفي بمعنى واحد، كما تقول: هو بالبصرة، وفي البصرة. فأما قولهم: هو مني مزجر الكلب، فلمن كان مباعدا مهانا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وأما قول الشاعر:
فوردن والعيّوق مقعد رابئ وال ضّرباء خلف النّجم لا يتتلّع (١)
فإنه يصف حمرا وردت الماء ليلا وقد ارتفع العيّوق والثّريا في وسط السماء، سحرا في آخر الليل وذلك أثناء شدة الحر، ومثل موقع الثريا من العيوق، والعيوق إذا ارتفع وتوسط السماء صار مع الثريا كالمشرف عليها، فشبّه ذلك المقعد بمقعد رابي الضّربا، وهو الأمين المشرف على الذين يضربون بالقداح كيلا يخونوا وهو علامتهم، وأراد بالنجم الثريا، فإذا نصب فالناصب: استقر كما ذكرنا في الظروف، وإذا رفعت فقلت: هو مقعد القابلة، جعلته بمنزلة قولك: هو قريب كمقعد القابلة، وكذلك إن قلت: هو مناط الثريا، كأنك قلت: هو بعيد كمناط الثريا، وجاز أن تكون هذه الأشياء ظروفا، لأنهم قد اتسعوا فيما هو من الأماكن أخص من هذه، فجعلوه ظروفا ونصبوه.
فقالوا: ذهبت الشام، ودخلت البيت، تشبيها بالأماكن المحيطة مثل: خلف وقدام.
ثم قال سيبويه: (وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك أو متكأ زيد أو مربط الفرس لم يجز). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: فإن سيبويه منع أن يقاس على مناط الثريا ونحوه مما استعملوه ظرفا غيره من الأماكن نحو: مربط الفرس إلا أن تظهر المكان، فتقول: هو مني مكان مربط الفرس، فيجوز، وأنشد سيبويه بيت ابن هرمة:
أم هم درج السّيول (٢)
فألحقوا درج السيول بمناط الثريا، واستعملوه ظرفا، ورفعه جائز كما ذكرنا في مناط الثريا ونحوه.
وقد ذكر يونس: أن من العرب من يقول: زيد خلفك يجعله هو الخلف، وقد ظهر أن سيبويه يجيز: زيد خلفك، إذا جعلته هو الخلف، ولم يشرط ضرورة شاعر، وهو قول المازني، فكان الجرمي لا يجيزه إلا في ضرورة الشعر. والكوفيون يمنعونه أشد المنع، وقد
_________________
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. ديوان الهذليين ١/ ٦، ابن يعيش ١/ ٤١.
(٢) البيت لابن هرمة في ديوانه ص ١٨١، الخزانة ١/ ٤٢٤، سيبويه ١/ ٢٨٤. وهو جزء من البيت أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم هم درج السيول
[ ٢ / ٣٠٤ ]
تقدم قولنا فيه.
وأما ما يقصد فيه تقدير القرب والبعد على وجه المساحة، فقولك: هو مني فرسخان، وهو مني عدوة الفرس، ودعوة الرجل، وهو مني يومان، وهو مني فوت اليد.
فإن هذا لا يستعمل فيه إلا الرفع، ويفارق الباب الأول لأن معنى هذا أنه يخبرك أن بينه وبينه فرسخين، ويومين، ومعنى فوت اليد: أن يمدّ يده إليه فلا يناله، ويريد به تقريب ما بينهما، فجرى على الكلام الأول كأنه هو توسّعا كما قالوا: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، وإلا فتقديره إذا قلت: هو مني فرسخان، أي بعده مني مسيرة فرسخين فيجوز وكما يجوز وفي يوم الجمعة حين قالوا: أخطب أيامه يوم الجمعة، واليوم لا يخطب، فجعلوه خطيبا، وكما قالوا: أمّا النهار ففي قيد وسلسلة. وإنما يريد: المقيد في النهار، فأجرى اللفظ على النهار، فأما قوله:
(وقول العرب أنت مني براء ومسمع). وذكر الفصل.
فإنه يريد أنهم رفعوه، جعلوه الأول كما قالوا: زيد مني قريب، ومن العرب من ينصب فيقول مرأى ومسمعا فجعله ظرفا لأنهم قالوا: بمرأى ومسمع، فدخلت عليه الباء، صار غير الاسم الأول فإذا صار غيره ولا يأتيه نصب، نصب على الظرف كما تقول:
أنت مني مكان زيد أو أنت مكان زيد.
قال سيبويه: (واعلم أن هذه الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في أن تكون أسماء كالقصد والنّحو والقبل والناحية).
وإنّا قد ذكرنا تمكن هذه الأسماء وأنها أقرب إلى الأسماء المتمكنة من الخلف والأمام.
قال سيبويه: (وأمّا الخلف والأمام والتحت والفوق، فتكون أسماء، وكينونة تلك أكثر وأجرى في كلامهم).
فإنه يعني: أن القصد والنحو والقبل والناحية، أكثر في الأسماء من الخلف والأمام، وقد ذكر سيبويه في الباب قبل هذا: (أن دونك لا يرتفع أبدا)، وقد ذكره هاهنا فيما أجاز رفعه بما يكون أسماء غير ظروف، والأقيس أن يكون بمنزلة الخلف والأمام، وهو قول النحويين إلّا من احتج لسيبويه أنه فوق بين دونك ظرفا، وبينه إذا كان بمعنى:
وضيعك، وكذا مرأى ومسمعا كونهما أسماء أكثر، ومع ذلك فإنهم جعلوه اسما خاصا
[ ٢ / ٣٠٥ ]
بمنزلة: المتكأ والمجلس، وهما لا يجعلان ظرفا، وإنما نصب بعضهم: مرأى ومسمعا لأنهم لما أدخلوا على بمرأى علم أنهم جعلوه غير زيد، فإذا نزعوا الباء فهي أيضا غيره فنصبوه كما نصبوا الظرف الذي هو للاسم
الأول، ومن رفعه فإنما يجعله الاسم الأول، فيجازى به.
وأما قوله: (وزعم يونس أن من العرب من يقول: هو مني مزجر الكلب). وذكر الفصل، وأنشد:
وأنت مكانك من وائل مكان القراد من است الجمل (١)
وقوله: (وتقول: داري خلف داره فرسخا)، فإنه يريد أنك تنصب فرسخا على التمييز لأنه أريد به التقدير، فصار كقولك: ما في السماء قدر راحة سحابا لأنه لما قال:
داري خلف دارك أبهم فلم يدر ما قدر، فقال: فرسخا وذراعا وميلا.
وقوله: (كان هذا الكلام شيء منون)، يعني: خلف دارك، وهو بمنزلة عشرين، كأنه قال: داري عشرون ذراعا، وقوله: (كأنه منون يعمل فيما ليس من اسمه، ولا هو هو).
فإنه يعني بالمنوّن: عشرين عمل في الدرهم، وليس الدرهم هو العشرين ولا هو من اسم العشرين، لأن العشرين ليست مضافة إليه، وما هو من اسمه فهو مضاف إليه وذلك قولك: زيد أفضلهم رجلا.
وقوله: (وإن شئت قلت: داري خلف دارك فرسخان). وذكر الفصل.
فإنه يريد أنك تجعل فرسخين خبرا وتلغي الظرف، كما تخبر عن زيد ب (قائم) وتلغي فيها فتقول: زيد قائم فيها، وإن دخلت (من) فأبو عمرو يرفع، ويجعل من خلف دارك كقولك: من إذا قلت: يقدمني، وغيره يجعل من مع خلف بمنزلة خلف فينصب ويرفع كما تقول: داري خلف دارك فرسخان وفرسخين لأنك تقول: أنت من خلفي، ومعناه: أنت خلفي لا فرق بينهما.
وقوله: (وتقول: أنت مني فرسخين)، أي أنت مني ما دمنا سائرين فرسخين، يجعل أنت مبتدأ، ومني خبره، وفرسخين ظرف، ومعنى مني أي من أصحابي وأشياعي
_________________
(١) البيت للأخطل: ديوانه/ ٣٣٥، الخزانة ١/ ٢٢٠.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
كما قال الله تعالى: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (١) أي: من أصحابه وجيرانه، ولا ينتظم معنى ذلك إلا بما قدّره سيبويه لأن ضميره من أصحابه في صحبته إياه في مقدار هذه المسافة، واعلم أن ظروف الزمان تكون أخبارا للمصادر، ولا تكون أخبارا للجثث، وأما ظروف المكان فتكون أخبارا للمصادر والجثث، وإنما كانت ظروف المكان كذلك لأن الجثة الموجودة قد تكون في بعض الأمكنة دون بعض مع وجودها، أعني الأماكن.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد خلفك علم أنه ليس قدّامه ولا تحته ولا فوقه ويمنته ويسرته مع وجود هذه الأماكن، ففي
إفراد الجثة بمكان فائدة. وأما ظروف الزمان فإنما يوجد منها شيء بعد شيء ووقت بعد وقت، وما وجد منها فليس شيء من الموجودات أولى به من شيء فلو قلت: زيد الساعة أو يوم الأحد لجعلت ل (زيد) في هذا اليوم حالا ليست لعمرو، وليس كذلك لأن زيدا وعمرا وغيرهما من الموجودات تتساوى في الوصف بالوجود في هذا اليوم، وأما المصادر فهي أشياء حادثة معروفة بالأفعال في المضي والاستقبال.
فإذا قلنا: القتال يوم الجمعة، وإنّا نريد الدلالة على حدوثه في هذا اليوم، كأنّا قلنا:
القتال يحدث يوم الجمعة.
قال سيبويه: (وتقول الهلال الليلة).
كأنه يجعل الليلة ظرفا للهلال والهلال جثة لأنه جزء من القمر. فهو جثة كأنه في استهلاله أو تصوره لهذه الصورة الليلة، فإن رفعت فقلت: القتال يوم الجمعة، والهلال الليلة جاز على معنى: قتال يوم الجمعة، والهلال الليلة ثم تحذف، وقد أجاز سيبويه اليوم الجمعة، واليوم السبت بنصب اليوم، ولم يجز في الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس إلا الرفع، وإنما ذاك لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، فهما مصدران يقعان في اليوم بمنزلة قولك: اليوم القتال، فأما اليوم الأحد فبمنزلة اليوم الأول، والاثنين بمنزلة الثاني، والثلاثاء والأربعاء والخميس بمنزلة الثالث والرابع والخميس، وليس ذلك بمعنى: يقع في اليوم، كالاجتماع والراحة، وأجاز الفراء وهشام النصب في جميع ذلك، فإذا رفع جعل الثاني هو الأول، وإذا نصب فعلى معنى الآن الأحد
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والاثنين، لأن: الآن أعم من الأحد، فيجعل الأحد واقعا عليه كما تقول: في هذا الوقت:
هذا اليوم.
وقد كان سيبويه يقول: (إن قوله: اليوم يومك)، المعنى: اليوم شأنك الذي ينسب إليك، وتذكر به ونحوه من المعاني فأما اليوم الأحد فبمنزلة: اليوم عشرون في الشهر وخمسة ونحوه، لأنه ليس بشيء في الشهر، ومما يجوز فيه الرفع والنصب: النيروز، واليوم المهرجان، واليوم الفطر، واليوم الأضحى، ورفعه على ما ذكرنا.
قال سيبويه: (وتقول: عهدي به حديثا وقريبا). وذكر الفصل.
فإنه يريد: أنك إذا جعلت قريبا وحديثا للزمان فكأنك قلت: عهدي يزيد في زمان قريب، وزمان حديث، ويجوز: عهدي به قريب وحديث، يجعل قريبا وحديثا هو العهد ويرتفع لأنه خبر مبتدأ.
قال سيبويه: (وتقول عهدي به قائما، وعلمي به ذا مال تنصب على أنه حال).
وذكر الفصل.
قال: قد ذكرنا فيما تقدم الحال التي هي في موضع خبر المصدر بإضمار: إذ كان، وإذا كان.
وأجاز الزجاج: قائما ضربي زيدا، على تقديم الحال، كما يجوز: اليوم القتال، فكأنك قلت: إذ كان قائما ضربي زيدا يقع، كما أنّا إذا قلنا: اليوم القتال، فتقدير اليوم:
القتال يقع.
قال سيبويه: (واعلم أن ظروف الدهر أشدّ تمكنا في الأسماء، لأنها تكون فاعلة ومفعولة، تقول: أهلكت الليل والنهار، واستوفيت أيامك، فأجري الدهر هذا المجرى، فأجر الأشياء كما أجروها).
قال أبو سعيد: كان المبرد يخطّئ سيبويه في هذا، لأنه ذكر في أول الكتاب: أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسيّ، لأن لها جثثا وأسماء تعرف بها كما تعرف الأناسيّ.
تقول: خلفك واسع، ومكانك أحبّ إليّ من مكان زيد. فصوّب الزجاج من أجل أن ظروف الزمان يقلّ فيها ما لا يتمكن؛ ألا ترى أن (سحر) إذا نكّر تمكن.
قال أبو سعيد: وهذا ضعيف لأن في ظروف الزمان ما لا يتمكن أكثر مما في ظروف المكان، لأن فيها: قبل، وبعد، وبعيدات بين، وذات مرة وذا صباح، ونحو هذا.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ورد أبي العباس على سيبويه ضعيف، لأن ظروف الزمان أقوى في الاسمية، وذاك أن الفعل لفظ مبني على الزمان الماضي وغيره، كما أنه مبني من لفظ حروف المصادر وليس كذلك المكان.
فأسماء الزمان بمنزلة المصادر، والمصادر متمكنة كسائر الأسماء في وقوع الفعل منها وبها، والزمان تشبيها. ويدل على هذا أنه يكثر في كلام العرب العبارة عن الزمان بألفاظ المصادر، والخبر عن المصادر بألفاظ الزمان حتى كأنها شيء واحد.
تقول: آتيك صلاة العصر، ومقدم الحاج، فتعبر عن الزمان بلفظ المصدر، وتقول:
قيامك يوم الخميس، ورحيلنا يوم الجمعة، فتخبر عن المصادر بألفاظ الزمان، قال الله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (١) وهذا كثير مطرد، وليس للمكان هذا.
وعلى أن اللفظ العام لظروف الزمان هو الوقت والزمان والدهر، وكل واحد متمكن، ثم ينقسم هذا إلى: الليل والنهار، وهما متمكنان قويان في التمكن، ثم ينقسمان إلى الساعات، وهي قوية التمكن، وليس كذلك المكان، لأن
الاسم العام له هو المكان، ثم ينقسم إلى الجهات الست. نحو: خلف وقدام، ونحوهما وهي ضعيفة التمكن. فأما ما حكاه المبرد من كلام سيبويه، أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسيّ لا تكون ظروفا، وجميع ألفاظ الزمان تكون ظرفا، وجملة الزمان أنه إذا استعمل ظرفا، قوي في الظرفية، فإذا استعمل اسما قوي في الاسمية.