وذلك لأنهم بدءوا بالإضمار لأنهم شرطوا التفسير، وذلك نووا، فجرى ذلك في كلامهم هكذا، كما جرت (إنّ) مجرى الفعل الذي تقدم مفعوله قبل الفاعل، فلزم هذا هذه الطريقة في كلامهم كما لزمت (إنّ) هذه الطريقة في كلامهم.
وما أنتصب- في هذا الباب- فإنه ينتصب كانتصاب ما انتصب في باب:
حسبك به، وويحه، وذلك قولهم: نعم رجلا عبد الله، كأنك قلت: حسبك به رجلا عبد الله؛ لأن المعنى واحد.
ومثل ذلك: ربّه رجلا، كأنك قلت: ويحه رجلا في أنه عمل فيما بعده لا في المعنى.
وحسبك به رجلا مثل: نعم رجلا في المعنى وفي العمل؛ وذلك أنهما ثناء في استيجابهما المنزلة الرفيعة، ولا يجوز لك أن تقول: نعم، ولا ربه، وتسكت؛ لأنهم إنما بدءوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمار مقدم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرا، والذي تقدم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبينه ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر.
ومما يضمر لأنه يفسره ما بعده ولا يكون في موضعه مظهرا قول العرب: إنه كرام من قومك، وإنه ذاهبة أمتك، وفاعلة فلانة، فالهاء إضمار الحديث الذي ذكرت بعد الهاء. كأنه في التقدير- وإن كان لا يتكلم به- قال: إن الأمر ذاهبة أمتك وفاعلة فلانة فصار هذا الكلام كله خبرا للأمر، فكذلك ما بعد الهاء في موضع خبره.
وأما قوله: نعم الرجل عبد الله فهو بمنزلة: ذهب أخوه عبد الله. عمل (نعم) في الرجل ولم يعمل في (عبد الله).
وإذا قال: عبد الله نعم الرجل فهو بمنزلة عبد الله ذهب أخوه، وكأنه قال:
[ ٣ / ٥ ]
نعم الرجل فقيل لك من هو؟ فقال: عبد الله.
وإذا قال: عبد الله فكأنه قيل له: ما شأنه؟ فقال: نعم الرجل، فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده، فتكون هي وهو بمنزلة: ويحه ومثله، ثم يعملان- في الذي فسر المضمر- عمل مثله وويحه إذا قلت: لي مثله عبدا، ويكون مرة أخرى يعمل في المظهر لا يجاوزه فهي بمنزلة: ربّه رجلا، ومرة بمنزلة: ذهب أخوه، فتجري مجرى المضمر الذي قدّم لما بعده من التفسير، وسد مكانه؛ لأنه قد بينه؛ وهو نحو قولك: أزيدا ضربته؟ واعلم أنه محال أن تقول: عبد الله نعم الرجل والرجل غير عبد الله، كما أنه محال أن تقول: عبد الله هو فيها وهو غيره.
واعلم أنه لا يجوز أن تقول: قومك نعم صغارهم وكبارهم، إلا أن تقول:
قومك نعم الصّغار ونعم الكبار وقومك نعم القوم؛ وذلك لأنك أردت أن تجعلهم من جماعات ومن أمم كلّهم صالح.
كما أنك إذا قلت: عبد الله نعم الرجل، فإنما تريد أن تجعله من أمة كلهم صالح، ولم ترد أن تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعم.
مثل ذلك قولك: عبد الله فاره العبد فاره الدابة، فالدابة لعبد الله، ومن سببه، كما أن الرجل هو عبد الله حين قلت: نعم الرجل، ولست تريد أن تخبر عن عبد بعينه ولا عن دابة بعينها، وإنما تريد أن تقول: أن في ملك زيدا لعبد الفاره والدابة الفارهة، إذا لم ترد عبدا بعينه ولا دابة بعينها.
فالاسم الذي يظهر بعد (نعم) إذا كانت: نعم عاملة الاسم الذي فيه الألف واللام نحو: الرجل، وما أضيف إليه، وما
أشبهه نحو: غلام الرجل إذا لم ترد شيئا بعينه.
كما أن الاسم الذي يظهر في (ربّ) قد يبدأ بإضمار رجل قبله حين قلت: ربّه رجلا لما ذكرت لك، وتبدأ بإضمار رجل في (نعم) لما ذكرت لك.
فإنما منعك أن تقول: نعم الرجل إذا أضمرت، أنه لا يجوز أن تقول: حسبك به الرجل إذا أردت معنى: حسبك به رجلا.
ومن زعم أن الإضمار الذي في (نعم) هو عبد الله- فقد ينبغي له أن يقول: نعم عبد الله رجلا، وقد ينبغي له أن يقول: نعم أنت رجلا، فتجعل (أنت) صفة للمضمر.
[ ٣ / ٦ ]
وإنما قبح هذا المضمر أن يوصف؛ لأنه مبدوء به قبل الذي يفسره، والمضمر المقدّم قبل ما يفسره لا يوصف؛ لأنهم إنما ينبغي لهم أن يبينوا ما هو.
فإن قال قائل: هو مضمر مقدم وتفسيره: عبد الله (بدلا) منه (محمولا) على نعم، فأنت قد تقول: عبد الله نعم رجلا فتبدأ به، ولو كان (نعم) بمضمر لعبد الله لما قلت: عبد الله نعم الرجل فترفعه، فعبد الله ليس من (نعم) في شيء. والرجل هو: عبد الله ولكنه منفصل منه كانفصال الأخ منه إذا قلت: عبد الله ذهب أخوه فهذا تقديره، وليس معناه كمعناه، ويدلك على أن عبد الله ليس تفسيرا للمضمر أنه لا تعمل فيه نعم بنصب ولا برفع ولا يكون عليها أبدا في شيء.
واعلم أن (نعم) تؤنث وتذكر، وذلك قولك: نعمت المرأة، وإن شئت قلت:
نعم المرأة كما قالوا: ذهب المرأة. والحذف في (نعمت) أكثر.
واعلم أنك لا تظهر علامة المضمرين في (نعم) لا تقول: نعموا رجالا يكتفون بالذي يفسره كما قالوا: مررت بكلّ. كما قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (١) فحذفوا علامة الإضمار، وألزموا الحذف كما ألزموا (نعم) و(بئس) الإسكان وكما ألزموا (خذ) الحذف.
ففعلوا هذا بهذه الأشياء لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم.
وأصل نعم وبئس: نعم وبئس، وهما الأصلان اللذان وصفا في الرداءة والصلاح، ولا يكون منهما فعل لغير هذا المعنى.
وأما قولهم: هذه الدار نعمت البلد؛ فإنه لما كان البلد الدار أقحموا التاء فصار كقولك: من كانت أمك وما جاءت حاجتك؟
ومن قال: نعم المرأة قال: نعم البلد، وكذلك: هذا البلد ونعم الدار، كانت البلد ذكرت فلزم هذا في كلامهم لكثرته ولأنه صار كالمثل، كما لزمت التاء في: ما جاءت حاجتك؟
ومثل ذلك قول الشاعر وهو لبعض السعديين:
هل تعرف الدار يعفيها المور
_________________
(١) سورة النمل، من الآية ٨٧.
[ ٣ / ٧ ]
لكلّ ريح فيه ذيل مسفور والدخن يوما والعجاج المهمور (١)
قال (فيه) لأن الدار مكان فحماه على ذلك.
وزعم الخليل أن حبّذا بمنزلة: حبّ الشيء، ولكن (ذا) وحب بمنزلة كلمة نحو (لولا) وهو اسم مرفوع كما تقول: يا ابن عمّ، فالعم مجرور.
ألا ترى أنك تقول للمؤنث: حبّذا ولا تقول: حبذه؛ لأنه صار مع (حبّ) على ما ذكرت لك، وصار المذكر هو اللازم لأنه كالمثل. وسألته عن قول الراعي:
فأومأت إيماء خفيّا لحبتر ولله عينا حبتر أيما فتى (٢)
فقال: (أيما) تكون صفة للنكرة وحالا للمعرفة، وتكون استفهاما مبنيّا عليها، ومبنية على غيرها، ولا تكون لتبين العدد ولا في الاستثناء نحو قولك:
أتوني إلا زيدا. ألا ترى أنك لا تقول: له عشرون أيما رجل، ولا أتوني إلا أيما رجل.
فالنصب في: لي مثله رجلا كالنصب في: عشرين رجلا، فأيما لا تكون في الاستثناء ولا تختص بها نوعا من الأنواع ولا يفسر بها عدد.
وأيما فتى: استفهام. ألا ترى أنك تقول: سبحان الله ما هو ومن هو؟ فهذا استفهام فيه معنى التعجب، ولو كان خبرا لم يجز ذلك؛ لأنه لا يجوز في الخبر أن تقول: من هو؟ وتسكت.
وأما أحد وكرّاب وأرم وكتيع وعريب وما أشبه ذلك فلا يقعن واجبات ولا حالا ولا استثناء. ولا يستخرج به نوع من الأنواع فيعمل ما قبله فيه عمل عشرين في الدرهم، إذا قلت: عشرون درهما.
ولكنهن يقعن في النفي مبنيّا عليهن ومبنية على غيرهن، فمن ثم تقول. وما في الناس مثله أحد، حملت (أحدا) على مثل ما حملت عليه (مثلا)، وكذلك: ما مررت بمثلك أحد. وقد فسرنا لم ذلك، فهذه حالها كما كانت تلك حال إنما.
_________________
(١) الرجز منسوب إلى حميد بن الأرقط في الكتاب ١/ ٣٠٢، والمخصص ١٧، والنوادر لأبي زيد ٢٣٦.
(٢) البيت في الأشموني ١/ ١٦٨، وشواهد العيني ٣/ ٤٢٣، وتاج العروس (حبتر).
[ ٣ / ٨ ]
فإذا قلت: لي عسل ملء جرة، وعليه دين شعر كلبين، فالوجه الرفع لأنه وصف، والنصب يجوز كنصب: عليه مائة بيضا.
وإن شئت قلت: لي مثله عبد، فرفعت وهي كثيرة في كلام العرب، وإن شئت رفعته على أنه صفة، وإن شئت كان على البدل.
فإذا قلت: عليها مثلها زيد، فإن شئت رفعت على البدل، وإن شئت رفعت على قوله: ما هو؟ فتقول: زيد أي هو زيد، ولا يكون (الزيد) صفة لأنه اسم والعبد يكون صفة؛ تقول: هذا رجل عبد ".
قال أبو سعيد: اعلم أن (نعم وبئس) فعلان ماضيان موضوعان للمدح والذم، ف (نعم) للمدح العام، وبئس (للذم العام) ومبناهما على فعل في الأصل، وفي كل واحد منهما أربع لغات فعل: نعم وبئس. وفعل: نعم وبئس، وكذلك كل ما كان من الأسماء والأفعال على فعل وثانيه حرف من حروف الحلق ففيه أربع لغات.
فالاسم نحو: فخذ يقال فيها: فخذ وفخذ وفخذ وفخذ والفعل نحو: شهد وشهد وشهد وشهد.
وإنما ألزموها الإسكان لكثرة استعمالها تخفيفا. وقد جاء على الأصل.
فقل لبني قيس على ما أصاب الناس من شرّ وضرّ
ما أقلت قدم ناعلها نعم الساعون في الأمر المبّر (١)
ويلزم باب نعم وبئس ذكر شيئين:
أحدهما: الاسم الذي يستحق به المدح أو الذم. والآخر: الممدوح أو المذموم.
وذلك قولك: نعم الرجل زيد ونعم البزاز أخوك. وبئس الخادم غلامك. فالذي يستحق به المدح أو الذم هو الاسم الذي تعمل فيه نعم أو بئس، وهو الدال على المعنى الذي يستحق به المدح أو الذم والآخر هو زيد.
فإذا قلت: نعم البزاز زيد، فالمعنى الذي استحق به المدح البزاز أنه محمود في البزازين. والمستحق للمدح هو زيد، ولا بد من الإتيان بهما جميعا.
فإذا قلت: نعم البزاز زيد (فنعم) فعل ماض و(البزاز) فاعله وهو دال على المعنى المستحق به المدح، وزيد مرفوع على أحد وجهين:
_________________
(١) البيتان لطرفة في الخزانة الشاهد ٧٥٩، وشواهد المقتضب ٢/ ١٤٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٥٥.
[ ٣ / ٩ ]
- إما أن يكون مبتدأ النية فيه التقديم، ونعم الرجل خبره فيكون تقديره:
زيد نعم الرجل ثم أخرته على هذه النية.
- وإما أن يكون على كلامين، كأنك لما قلت: نعم الرجل فأبهمته ولم يعرّف به شيء بعينه قيل لك: من هو؟ فقلت: زيد. على تقدير: هو زيد.
ورد أبو العباس محمد بن يزيد- على سيبويه- ترجمة الباب وألزمه فيه المناقضة؛ لأنه قال: هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا ثم جاء بعده:
نعم الرجل عبد الله فجاء بالرجل مظهرا.
والذي أراده سيبويه: أنه لا يعمل في المعروف إلا مضمرا إذا بني ذاك المعروف على أن يفسر بما بعده ولا يكون ذاك إلا مضمرا. وشبهه بقولك: إنه كرام قومك، وإنه ذاهبة أمتك، فالهاء إضمار الحديث الذي يأتي بعده ولا يجيء إلا مضمرا؛ لأنه قد لزمه التفسير.
وكذلك الاسم الذي تعمل فيه (نعم) ويبنى على التفسير لا يكون إلا مضمرا.
قال: فإن قال قائل: قد ذكرتم في قولنا: نعم الرجل زيد وجهين: أن زيدا مبتدأ في نية التقديم وتقديره: زيد نعم الرجل. فهل يجوز على هذا القياس أن تقول: زيد قام الرجل، فالجواب أن هذا لا يجوز لأنه ليس في الخبر ما يعود إلى الاسم.
فأما زيد نعم الرجل فالضرورة فيها خاصة أدت إلى جعل الظاهر بمنزلة المضمر؛ لأن في شرط (نعم وبئس) أن يقع بعدهما ما يدل لفظه على الجنس الذي يستحق به المدح والذم فلا بد من ذكر ذلك الظاهر.
وصار ذكر الظاهر بمنزلة المضمر الذي ينعقد به خبر الابتداء.
ومن أجل ذلك قال سيبويه: عبد الله نعم الرجل، الرجل هو: عبد الله لأن الرجل قد قام مقام ضميره.
وأما قولهم: نعم رجلا عبد الله فإن في (نعم) ضميرا قدم على شريطة التفسير، وتفسيره: النكرة التي بعده. والمضمر فيها معرفة من لفظ تلك النكرة.
ومما قدم من الضمائر على شريطة التفسير: إنه كرام قومك وإنه ذاهبة فلانة.
ومنه قولهم: ربّه رجلا. وليست الهاء بضمير شيء جرى ذكره، لو كانت ضمير شيء قد جرى ذكره لصارت معرفة، ولم يجز أن تلي (رب) لأنها لا يليها إلا نكرة. ولكنها
[ ٣ / ١٠ ]
ضمير مبهم. أشبهت بإبهامها النكرات؛ لأنك إذا قلت: ربه رجلا احتاج إلى أن تفسره بغيره فضارع النكرات إذا كانت لا تخص (كما أن النكرات لا تخص) ومعنى:
ربّه رجلا: رب رجل.
وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى: ربّه رجلا. أقلل به في الرجال.
ومن أجل ما وضعت له (نعم وبئس) من دلالة ما بعدهما على الجنس على معنى المدح والذم احتيج إلى أن يكون ما يرتفع بهما من أسماء الأجناس أو الصفات أو ما كان مضافا إلى ذلك.
ولا يجوز أن ترفع بهما الأعلام ولا المبهم ولا المكني ولا المضاف إلى شيء من ذلك؛ لأنه ليس في شيء منه معنى يقع به مدح ولا ذم.
فلذلك لم يجز: نعمت ولا نعمت ولا نعم زيد ولا نعم هذا ولا بئس غلام هذا.
وإنما يقع على ما يتحصل به معنى عام يقع به المدح والذم كقولك: نعم الغلام، ونعم غلام الرجل، ونعم الصديق وما أشبه ذلك.
وأما علامة التأنيث التي تلحق الفعل فإنها تلحق نعم وبئس إذا كان بعدهما مؤنث كقولك: نعمت المرأة وبئست الجارية، وحذف علامة التأنيث منهما أحسن وأكثر من حذفهما من سائر الأفعال لنقصان تمكنهما في الأفعال. وبطلان استعمال المستقبل منهما وذلك أنّ دخول علامة التأنيث في المستقبل أقوى منه في الماضي؛ لأن علامة التأنيث في الماضي زيادة وفي المستقبل وضع حرف مكان حرف؛ وهو التاء مكان الياء، فلخفة تكلف العلامة في المستقبل صارت ألزم.
ولما كانت (نعم وبئس) لا مستقبل لهما صار: نعم المرأة وبئس الجارية أحسن من قام المرأة وذهب الجارية؛ لأنك في المستقبل يلزمك: تقوم المرأة وتذهب الجارية، وليس ذلك في نعم وبئس.
فإن قال قائل: لم لم يكن لهما مستقبل؟ والأفعال لا تمتنع من الاستقبال إذا أريد بهما الاستقبال؟ قيل له: المانع من الاستقبال أنهما وصفا للمدح والذم ولا يصح المدح والذم إلا بما قد وجد وثبت في الممدوح والمذموم.
وفيما قاله سيبويه: هذه الدار نعمت البلد. قال ذو الرمة.
[ ٣ / ١١ ]
أو حرة عيطل ثبجاء مجفرة دعائم الزور نعمت زورق البلد (١)
وأما (حبذا) فإن (حب) فعل (وذا) فاعل، وبني معه وجعلا جميعا بمنزلة شيء واحد يقع موقع اسم مبتدإ في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث والمذكر بلفظ واحد في معنى المدح والحمد.
فإذا قيل: حبذا زيد فكأنه قال: المحمود زيد، وإذا قال: حبذا الزيدان فكأنه قال:
المحمودان الزيدان، وإذا قال: حبذا هند فكأنه قال: المحمودة هند، وإذا قال حبذا الهندات فكأنه قال: المحمودات الهندات.
وناب لفظ (حبذا) عن ذلك كله وجرى مجرى الفعل للذي جعل مع الحرف كشيء واحد، فجرى مع الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث والمذكر على لفظ واحد، وذلك (هلمّ) في لغة أهل الحجاز للرجل الواحد والاثنين والجماعة، قال الله تعالى: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢).
وذكر من الأسماء التي لا تستعمل إلا في النفي أسماء ليبين حكمها ومواقعها.
والذي ذكر: أحد وكرات وأرم وكتيع وعريب، ومثله: ما بالدار دبيح ودبى وطويّ وطوري وطرأني، ولا يقعن إلا في المواضع التي ذكرها من النفي.
وقد يصحّ في النفي ما لا يصح في الإيجاب كقولك: مررت برجل قائم ولا مضاجع، وزيد لا أسود ولا أشقر. ولا يجوز: مررت بقائم مضطجع وزيد أسود أشقر.
وإنما كان كذلك لأنه يجوز نفي الضرين في الأشياء التي يتعاور فيها ثلاثة أضداد فصاعدا. والموجود منه واحد والماضي منفي كالألوان والأكوان في الأماكن؛ لأن الألوان كثيرة كالسواد والبياض والحمرة والخضرة والصفرة وغير ذلك، ولا يكون الشيء إلا على واحد منها موجود فيه، وكذلك أكوان الأماكن كثيرة غير محصلة نحو كونه ببغداد بالكوفة وبمكة وبمصر وأندلس، ولا يوجد إلا في واحد منها.
ويجري مجرى هذا من غير الأناس ما عليها من الحلي: هلبسيسة ولا خربصيصة وما به ظبظاب (٣) وما به وذية (٤)، وغير ذلك مما تحيط به كتب اللغة.
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٤٦، وابن يعيش ١٣٦، والخزانة الشاهد ٧٦٩.
(٢) سورة الأحزاب، من الآية ١٨.
(٣) ما به ظبظاب: ما به قلبه: داء يتقلب منه على فراشه.
(٤) ما به وذية: إذا شفي من المرض.
[ ٣ / ١٢ ]
ولا يدخل على شيء فيه من العوامل إلا ما كان متصلا بالجحد كقولك: ما بالدار أحد وما رأيت بها عربيا، وما بها تومريا أحسن من زيد.
وقد ذكرت في أول الكتاب من ذلك ما فيه كفاية.
وتركت من الباب ما كلام سيبويه فيه مفهوم.