" وذلك من قبل أن التنوين لم يصر منتهي الاسم فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم، وإنما يحذف في النفي والنداء منتهى الاسم، وذلك قولك: لا خيرا من زيد
[ ٣ / ٢٥ ]
لك ولا حسنا وجهه لك، ولا ضاربا زيدا لك؛ لأن ما بعد: " حسن " و" ضارب " و" خبر " من تمام الأسماء فقبح أن يحذفوا قبل أن ينتهوا إلى منتهى الاسم؛ لأن الحذف في النفي أواخر الأسماء.
ومثل ذلك قولهم: لا عشرين درهما لك.
وقال الخليل﵀- كذلك " لا آمرا بالمعروف لك " إذا جعلت " بالمعروف " من تمام الاسم وجعلته متصلا به، كأنك قلت: لا آمرا معروفا لك.
وإن قلت: " لا آمرا بمعروف " فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيت على الأول كلاما، كقولك: لا آمر في الدار يوم الجمعة.
وإن شئت جعلته كأنك قلت: لا آمر يوم الجمعة فيها. فيصير المبني على الأول مؤخرا ويكون الملغي مقدما.
وكذلك " لا داعيا إلى الله لك " و" لا مغيرا على الأعداء لك " إذا كان الآخر متصلا بالأول كاتصال منك " بأفعل ".
وإن جعلته منفصلا من الأول كانفصال " لك " من " سقيا لك " لم تنون لأنه يصير حينئذ بمنزلة يوم الجمعة.
وإن شئت قلت " لا آمرا يوم الجمعة " إذا نفيت الآمرين يوم الجمعة لا من سواهم من الآمرين.
فإذا قلت: " لا آمر يوم الجمعة " فأنت تنفي الآمرين كلهم ثم أعملت " في " أي حين.
وإذا قلت: " لا ضاربا يوم الجمعة " فإنما تنفي ضاربي يوم الجمعة في يومه أو في يوم غيره وتجعل " يوم الجمعة " منتهى الاسم.
وإنما نونت لأنه صار منتهى الاسم " اليوم " كما صار ما ذكرت منتهى الاسم، وصار التنوين كأنه زيادة في الاسم قبل آخره؛ نحو " واو " مضروب و" ألف " مضارب، ونونت كما نونت في النداء كل شيء صار منتهى الاسم فيه ما بعده وليس منه، فنوّن في هذا ما نونته في النداء كما ذكرت لك إلا النكرة، فإن النكرة في هذا الباب بمنزلة المعرفة في النداء، ولا تعمل " لا " إلا في النكرة تجعل معها بمنزلة خمسة عشر. فالنكرة هاهنا كالمعرفة هناك ".
قال أبو سعيد: قد ذكرت أن الاسم الذي بني مع " لا " هو اسم مفرد منكور، والاسم
[ ٣ / ٢٦ ]
المبني في النداء هو اسم مفرد معروف، وإن الإضافة تبطل هذا البناء.
أما في النداء فقد ذكرنا حجته.
وأما في " لا " فإنها لو بنيت مع المضاف والمضاف إليه صار بمنزلة ثلاثة أشياء جعلت شيئا واحدا وليس هذا في الكلام.
ويجري مجرى المضاف الموصول بشيء هو من تمامه؛ لأن الاسم مع تمامه بمنزلة المضاف والمضاف إليه.
وكذلك حكم المنادى المضاف والموصول أنهما لا يبنيان، وذلك قولك: " لا خيرا من زيد " و" لا ضاربا زيدا " و" لا حسنا وجهه لك " لأن " من زيد " من تمام .. خبر " وزيدا " مفعول " ضارب " ووجهه " فاعل " حسن.
وعلى هذا قال الخليل: " لا آمرا بالمعروف لك؛ لأن الباء من " بمعروف " منصوب بآمر، كقولك: أمرت بالمعروف فأنا آمر بالمعروف، و" الباء " في اسم الفاعل مثلها في الفعل، وكذلك لو حذفت الباء فجعلت " المعروف " مفعول آمر " قلت ": " لا آمرا معروفا ".
فإن قلت: " لا آمر بمعروف " فإن الباء ليست في صلة " آمر " كأنك قلت: " لا آمر " وسكتّ وأضمرت خبره ثم جئت بالباء للتبيين، كأنك قلت: أعني بمعروف كما تقول:
" سقيا " ثم تجيء ب " لك " على أعني.
وكذلك: لا داعيا إلى الله لك. و" لا مغيرا على الأعداء لك ".
وقولك: " لا آمر في الدار يوم الجمعة " لا يعمل فيها " آمر " إنما هي خبر أو نعت:
والعامل فيها " استقر " ويوم الجمعة ظرف للاستقرار الذي ناب عنه " في الدار " ويجوز تقديمه عليه " لا آمر يوم الجمعة فيها ".
فإن قلت: " لا آمرا يوم الجمعة " فيوم الجمعة منصوب " بآمر " كأنك قلت: لا رجل يأمر يوم الجمعة. فنفيت من يقع أمره في يوم الجمعة دون من سواهم.
وإن قلت: " لا آمر يوم الجمعة " فقد نفيت الآمرين كلهم؛ لأنك لم تعلق الأمر بيوم الجمعة فصار كأنك قلت: " لا آمر " كما تقول: " لا رجل " وتضمر الخبر وتجعل " يوم الجمعة " ظرفا لذلك الخبر، كأنك قلت: " لا آمر لنا يوم الجمعة " أي نملكه يوم الجمعة، وفيما ذكرناه دلالة على غيره.
[ ٣ / ٢٧ ]