(وصفة ما التبس به أو بشيء من سببه كمجرى صفته التي خلصت له).
قال أبو سعيد: (صفة ما كان من سببه)، يعني: ما كان الفعل من فاعله اسما مضافا إلى ضميره أو يكون ضميره متصلا بجملة الكلام، وهو هاهنا اسم الفاعل، فإذا كان منها من فعل الموصوف به فقد جرى على من هو له كقوله: (مررت برجل ضارب زيدا، وملازم عمرا).
فضارب وملازم صفة لرجل وفعل له، فهي صفة قد خلصت له لأنه موصوف بها، وهي مشتقة من فعل له، وأمّا صفة ما كان من سببه فقولك:
مررت برجل ضارب أبوه رجلا، وملازم أبوه رجلا، فضارب صفة، وهي اسم فاعل، وفعله الضرب، وفاعله أبوه، وهو سبب الأول، وهكذا قولك:
مررت برجل ملازم أبوه رجلا.
وأما صفة ما التبس به فقولك:
مررت برجل مخالطه داء.
فالصفة مخالطه، وهو فعل لداء، وقد وقع بضمير الرجل، فقد التبس به، وأمّا الذي التبس بشيء من سببه، فقولك: مررت برجل ملازم أباه رجل، ومررت برجل مخالط
_________________
(١) هذه الكلمات من بيت شعر أورده سيبويه ٢/ ١٧ وهو: وساقيين مثل زيد وجعل سقبان ممشوقان مكنوزا العضل
[ ٢ / ٣٤٩ ]
أباه داء.
فالصفة ملازم ومخالط، وفاعله رجل وداء قد التبس بالأب ووقع على ضميره، فهذا ما التبس بشيء من سببه.
قال أبو سعيد: في هذا الباب أشياء أجمع النحويون عليها واختلفوا في غيرها فجعل سيبويه ما أجمعوا عليه أصلا قدره ورد إليه ما اختلف فيه بشبه صحيح لا يقع على من تأمله لبس.
والذي أجمعوا عليه أن الصفة إذا كانت فعلا للأول أو لسببه أو لها التباس به وكانت منونة، فإنها تجري على الأول وتنجر بجره، ويوصف الأول بها كقولك: مررت بزيد ضارب زيد، وضارب أبوه زيدا، وملازم أباه زيد.
ثم اختلفوا إذا كانت الصفة مضافة.
فأمّا سيبويه فأجرى جميعها على الأول ك (هي) لو كانت منونة، وأجرى غيره بعضها على الأول ومنع إجراء بعض فألزمه سيبويه إجراء الجميع على الأول أو المناقضة، فقال: وإن زعم زاعم أنه يقول: مررت برجل مخالط بدنه داء ففرق بينه وبين المنون، قيل له:
أليس قد علمت أن الصفة إذا كانت للأول فالتنوين وغير التنوين سواء متى أردت بترك التنوين؟
ومعنى التنوين نحو: مررت برجل ملازم أبيك، وملازمك، فإنه لا يجد بدّا من أن يقول: نعم، وإلا خالف جميع العرب، فإذا قال: نعم، قيل له:
أفلست تجعل هذا العمل إذا كان منونا، وكان لشيء من سبب الأول أو التبس به، بمنزلة إذا كان للأول؟ كأنك قلت: مررت برجل ملازم، فإنه قائل: نعم، فيقال له: فما بال التنوين وغيره استويا حيث كان للأول.
وهذا من أثبت الحجاج لأنه قدر الخصم بأن غير المنون حكمه كحكم المنون فيما كان فعلا للأول، وقدره بأن فعل الأول، وفعل سببه، وما التبس به إذا كان منونا يجري مجرى واحدا وألزمه بعد ذلك أن غير المنون من فعل الأول وفعل سببه، وفعل ما التبس به يجري مجرى واحدا، ثم لزمه أن ينصب المعرفة المضافة فيقول:
مررت بعبد الله الملازمه أبوه، لأنه حين قال:
[ ٢ / ٣٥٠ ]
مررت برجل مخالط بدنه إذا لم يكن سبب نصبه وترك إجرائه على الأول إلا الإضافة.
وفي بعض نسخ كتاب سيبويه: وذلك أن قوما ينصبون كل ما كان من ذا مضافا على كل حال، فإن كان هذا من كلام سيبويه فهو أقوى في إلزامهم من القياس بكلام العرب ثم احتج لما ذهب إليه بعد تقويته بالقياس الذي ذكرناه بكلام العرب، فقال:
(ولو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها، تقوله لم يلتفت إليه ولكنّا سمعناها تنشد هذا البيت جرا:
وارتشن حين أردن أن يرميننا نبلا مقذذة بغير قداح
ونظرن من خلل الستور بأعين مرضى مخالطها السقام صحاح (١)
وأنشد غير من العرب بيتا فأجروه هذا المجرى:
حمين العراقيب العصا وتركنه به نفس عال مخالطه بهر) (٢)
فالشاهد من البيت الأول: خفض مخالطها، ومن الثاني: رفع مخالطه أجروه على نفس عال، وهذا من حجة من ينصب إذا كان مضافا.
ولمن خالف سيبويه في الصفة المضافة التي ليست للأول، ولما التبس به في هذا الباب مذهبان:
أحدهما: مذهب عيسى بن عمر، وهو أنه جعل ما في هذا الباب عملين.
أحدهما- عمل ثابت ليس فيه علاج يرونه نحو الآخذ واللازم والمخالط وما أشبهه.
والآخر- عمل فيه علاج نحو الضارب والكاسر، وفتح اللفظ به فيه على ثلاثة أقسام، فجعل ما كان من باب الصفات من باب الضارب والكاسر إذا لم يكن الاسم الأول الموصوف رفعا على كل حال، كقولك: مررت برجل ضاربه عمرو، ورأيت رجلا ضارب أبيه عمرو.
_________________
(١) البيتان لابن ميادة المري في ديوانه ص ١٠٠، الخزانة ٥/ ٢٤، الأغاني ٢/ ٢٨٤.
(٢) البيت للأخطل ديوانه/ ١٩٨، الخزانة ٢/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٣٥١ ]
والثاني، أنه جعل اللازم نصبا إذا كان واقعا كقولك:
مررت برجل ملازمه زيد، وبماء مخالطه عسل، وأتيت بلبن ممازجه ماء إذا كانت الملازمة والمخالطة والممازجة قد وقعت ووجدت، كأنه قال:
ملازمه الساعة، ومخالطه الساعة، وممازجه الساعة.
والثالث، أنه جعل الفعل والملازم إذا كان غير واقع جاريا على الأول، وذلك قولك:
مررت برجل مفارقه الروح، وبرجل متلفه السير، إذا لم يقع المتلف ومفارقه الروح.
كأنه قال: متلفه غدا السير.
والمذهب الآخر مذهب يونس، وهو:
أنه يجعل ما كان واقعا من ذلك نصبا كمذهب عيسى في الفعل اللازم الذي لا علاج فيه، ويجعل ما كان غير واقع رفعا على كل حال، بمعنى في الفعل اللازم وفيما كان علاجا نحو الضرب والكسر.
قال سيبويه: (فإذا جعلته اسما لم يكن فيه إلا الرفع على كل حال، تقول: مررت برجل ملازمه رجل، أي: مررت برجل صاحب ملازمته رجل، وهو كقولك: مررت برجل أخوه رجل)، يعني أن ملازمه يجعل بمنزلة ما لم يؤخذ من الفعل، لأن حقيقته اسم كقولك: غلامه وأخوه، وإن جمع على هذا الحد، قلت:
مررت برجل ملازموه بنو فلان، لأنه لم يذهب به مذهب الفعل، فيوحد لتقدمه، فصار كقولك:
مررت برجل غلمانه بنو فلان، وإخوته وأصحابه، فإن جعلته عملا جاريا مجرى الفعل، قلت:
مررت برجل ملازمه قومه، كأنك قلت: ملازم أباه قومه أي قد لزم أباه قومه فوحدته لما أجريته مجرى الفعل لتقدمه، وأما قول سيبويه:
(فإن زعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا فهم ينصبون: به داء مخالطه، وهو صفة للأول. وتقول: هذا غلام لك ذاهبا. ولو قال: مررت برجل قائما. لجاز، فالنصب على هذا). وذكر الفصل.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
قال المفسر فإنه ذكر حجاج من نصب:
مررت برجل مخالطه دم، وأنّ من العرب من ينصبه على الحال، فنصب مخالطه على الحال، وإن كان يرفع على أنه صفة لداء، وهذا غلام لك ذاهبا على الحال.
وإن قيل: ذاهب على الصفة، ومررت برجل قائما وإن كان يقال: قائم على الصفة.