(وذلك: أتاني زيد الفاسق الخبيث، لم يرد أن يكرره، ولا يعرفك شيئا تنكره، ولكنه شتمه بذلك.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وبلغنا أن بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: في وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (١)، لم يجعل الحمالة خبرا للمرأة، ولكنه كأنه قال: اذكر حمالة الحطب شتما لها، وإن كان فعلا لا يستعمل إظهاره وقال عروة الصعاليك.
سقوني الخمر ثم تكنّفوني عداة الله من كذب وزور (٢)
إنما شتمهم بشيء قد ثبت عند المخاطبين، قال النابغة:
لعمري وما عمري عليّ بهيّن لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تجادع (٣)
وزعم يونس أنك إن شئت رفعت البيتين جميعا على الابتداء، تضمر في نفسك شيئا لو أظهرته لم يكن ما بعده إلا رفعا ومثل ذلك قال الشاعر:
متى تر عيني مالك وجرانه وجنبيه تعلم أنّه غير ثائر
حضجر كأمّ التوأمين توكأت على مرفقيها مستهلة عاشر) (٤)
والذي يضمر في الرفع هو وهم أو ما أشبه ذلك مما يوجب رفع الظاهر وقد مضى نحو هذا في المدح والتعظيم.
قال: (وزعموا، أبا عمرو كان ينشد هذا البيت نصبا، والشعر لرجل معروف من أزاد السراة:
قبّح من يزني بعو ف من ذوات الخمر
الآكل الأشلاء لا يحفل ضوء القمر) (٥)
الآكل نصب على الذم والشتم، بمعنى أذكر يعني به عوفا المخفوض في البيت الأول، والأشلاء جمع شلاء وهي المشيمة، وهي مستقذرة، وذلك مثل يريد: أن الرجل يأتي الأمور القبيحة لا يحفل ولا يبالي ظهورها عليه، وإن شاء جعله صفة فجرّه على الاسم، فقال: الآكل لأنه نعت عوف.
_________________
(١) سورة المسد، الآية: ٤.
(٢) ديوان عروة/ ٨٩، الخصائص لابن جني ٢/ ٤٣٣.
(٣) ديوان النابغة/ ٥٣، الخزانة ١/ ٤٢٦.
(٤) سيبويه ١/ ٢٥٣، ابن يعيش ١/ ٣٦.
(٥) سيبويه ١/ ٢٥٣.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
(وزعم يونس- وفي بعض النسخ عيسى- أنه سمع الفرزدق ينشد:
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت عليّ عشابي
شغارة تقذ الفصيل برجلها فطّارة لقوادم الأبكار (١)
جعله شتما كأنه حين ذكر الحلب صار من يخاطب عنده عالما بذلك، ولو ابتدأه وأجراه على الأول كان جائزا عربيا).
وترتيب الأبيات في شعره بين البيت الأول والثاني:
كنّا نحاذر أن تضيع لقاحنا ولها إذا سمعت دعاء يسار (٢)
شغارة: تبول كما يشغر الكلب ببوله، تقذ الفصيل برجلها إذا دنا من أمه وهي تحلب تضربه برجلها من خلف مثل الرمح فتدقّ عنقه، والفطر: الحلب بالسبابة والوسطى وتستعين بطرف الإبهام، والخلفان: المقدمان من الضرع، هما القادمان، والجمع: قوادم، والأبكار تحلب قطرا لأنه لا يمكن حلبها صبا لأن أخلافهن صغار قصار والأبكار جمع بكر، أوّل ما تلد، ويسار: اسم راع إذا سمعت دعاءه ولهت إليه صبابة به، رماها بالربية.
وقال:
(طليق الله لم يمنن عليه أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء تقلّب طرفها حذر الصقور) (٣)
الشاهد: في نصب عيني بنت ماء، على الشتم، وبنت ماء: طائر.
أما قول حسان بن ثابت:
حار بن كعب ألا أحلام تزجركم عنّي وأنتم من الجوف الجماخير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير (٤)
فلم يرد أن يجعله شتما، ولكنه أراد أن يعدّد صفاتهم ويفسرها، فكأنه قال: أمّا أجسامهم فكذا، وأمّا أحلامهم فكذا.
_________________
(١) البيتان للفرزدق ديوانه/ ٤٥، شرح شواهد المغني/ ١٧٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) نسبهما الجاحظ في البيان والتبيين ١/ ٣٨٦ إلى إمام بن أقرم النميري سيبويه ١/ ٢٥٤.
(٤) ديوان حسان بن ثابت ٢١٣/ ٢١٤، المقتضب ٤/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٤٠١ ]
قال الخليل: لو جعله شتما فنصبه على الفعل كان جائزا).
قال أبو سعيد: لم يجعل جسم البغال شتما، لأن عظم الأجسام ليس بشتم ولا ذمّ، وإنما ذمهم بأنهم ليس لهم من الأحلام ما يشاكل عظم أجسامهم، وإنما قال الخليل: لو جعله شتما فنصبه جاز، لأن عظم الأجسام مع قلة العقول ذم أبلغ من ذمّ صغر العقل مع صغر الجسم.
(وقد يجوز أن تنصب ما كان صفة على معنى الفعل ولا تريد مدحا ولا ذما ولا شتما مما ذكرت لك.
قال الشاعر:
وما غرّني حوز الرّزاميّ محصنا عواشيها بالجو وهو خصيب (١)
ومحصن: اسم الرّزامي محصنا، فنصبه على (أعني)، وهو فعل يظهر لأنه لم يرد أكثر من أن يعرفه بعينه، ولم يرد افتخارا ولا ذما ولا مدحا، وكذلك سمع هذا البيت من أفواه العرب وزعموا أنّ اسمه محصن.
قال: ومن هذا الترحّم، والترحّم أن يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون بكل صفة، ولا كل اسم، ولكن يترحم بما ترحمت به العرب).
قال أبو سعيد: مذهب الترحم على غيره منهاج التعظيم والشتم، وذلك أن الاسم الذي يعظم به، والاسم الذي يشتم به شيء قد وجب للمعظم والمشتوم، وشهرا وعرفا به قبل التعظيم والشتم، فيذكره المعظم أو الشاتم على جهة الرفع منه والثناء، أو على جهة الوضع منه والذم، والترحم إنما هو رقة وتحنّن يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه، رقة عليه وتحننا.
وإعرابه على ما أسوقه من كلامه.
قال: (وزعم الخليل أنه يقول: مررت به على المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم، وبدله كبدل: مررت به أخيك).
وقال:
(فأصبحت بقرقرى كوانسا فلا تلمه أن ينام البائسا (٢)
_________________
(١) سيبويه ١/ ٢٥٤.
(٢) سيبويه ١/ ٢٥٥، ينسب إلى العجاج في الرجز.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وكان الخليل يقول: إن شئت رفعته من وجهين، فقلت: مررت به البائس، كأنه لمّا قال: مررت به، قال المسكين: هو كما يقال مبتدئا: المسكين هو والبائس أنت).
فهذا أحد وجهي الرفع جعل المسكين مبتدأ وخبره هو المضمرة، وجعلهما على كلامين، كأنّ قائلا قال:
من هو؟ فقال: المسكين هو الوجه الآخر من وجهي الرفع أن تجعل المسكين ابتداء وخبره: مررت به، وقد أتى به فيما بعد.
قال: (وإن شاء، مررت به المسكين فنصب كما قال:
بنا تميما يكشف الضّباب (١)
وفيه معنى الترحم كما كان في قوله رحمة الله عليه، معنى ﵀) يريد أنّ نصب المسكين بإضمار شيء من ألفاظ الرحمة له، كأنه قال: ارحم المسكين أو ما أشبهه، كما أنّ قوله: (بنا تميما تنصب تميما بإضمار شيء يوجب الاختصاص والفخر).
وقوله: (﵀)، يريد قول القائل: رحمة الله على زيد، وهو مبتدأ وخبر فيه معنى ﵀ الذي يراد به الدعاء،
وكذلك إذا نصبت المسكين ففيه معنى المبتدإ والخبر إذا رفعت المسكين، والنصب والرفع واحد.
وذكر عن يونس: مررت به المسكين، على: مررت به مسكينا، ورد عليه: بأنّ الحال لا تدخلها الألف واللام، ولو جاز هذا لجاز: مررت بعبد الله الظريف، تريد:
ظريفا. وقد ذكرنا من مذهب يونس وغيره قبل هذا، أنّه قد تذكر الألف واللام ويراد طرحهما. وربما أرادوا الألف واللام فيما ليستا فيه. وبينا فساد ذلك.
ويجوز نصب المسكين على أحسن من الحال، كأنه قال:
لقيت المسكين، لأنه إذا قال: مررت بعبد الله، فهو عمل كأنه أظهر عملا، وكأن الذين حملوه على هذا إنما حملوه فرارا من أن يصفوا المضمر، فكان حملهم إياه على الفعل أحسن.
(وزعم الخليل أنه يقول: إنه المسكين أحمق على الإضمار الذي جاز في:
_________________
(١) رجز لرؤبة بن العجاج ديوانه/ ١٦٩، الخزانة ١: ٤١٢، ابن يعيش ٢: ١٨.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
مررت، كأنه قال: إنه هو المسكين أحمق، وهو ضعيف، وجاز هذا أن يكون فصلا بين الاسم والخبر، لأن فيه معنى المنصوب الذي أجريته مجرى: إنّا تميما ذاهبون).
قال أبو سعيد: الهاء في (إنه) اسم إنّ، وأحمق: خبره، وهو المقدرة مع المسكين:
ابتداء وخبر، وهي جملة قد فصلت بين الاسم والخبر.
ويسمي النحويون هذا وما جرى مجراه: الاعتراض، وجوزوا ذلك لأن فيه اختصاصا للأول وشبهه الخليل ب (إنّا تميما) للاختصاص فيه، وهو مع ذلك ضعيف.
ولو قال: إنه المسكين أحمق على الاختصاص والإيضاح، كان جائزا على معنى:
أعني المسكين.
(وإذا قلت: بي المسكين، كان الأمر، أو بك المسكين مررت، فلا يحسن فيه البدل لأنك إذا عنيت المخاطب أو نفسك فلا يجوز أن تكون لا تدري من تعني، لأنك لست تحدّث عن غائب، ولكنك تنصبه على قولك:
بنا تميما، وإن شئت رفعته على ما رفعت عليه ما قبله، فهذا المعنى يجري على هذين الوجهين والمعنى واحد، كما اختلف اللفظان في أشياء كثيرة والمعنى واحد).
قال أبو سعيد: لم يجز البدل في المتكلم والمخاطب، لأنّ الأسماء الظاهرة لا تقع مواقع أسمائها، لا تقول: قمت زيد،
ولا ذهبت عمرو، على البدل، لأنك لا تقول: قام زيد، وذهب عمرو، وأنت تريد المتكلم والمخاطب، ولذلك لا تقول: بالمسكين كان الأمر، وأنت تريد المخاطب أو المتكلم.
قال: (وأمّا يونس فزعم أنه ليس ترفع شيئا من الترحم على إضمار شيء يرفع، ولكنه إن قال: ضربته، لم يقل أبدا إلا المسكين، يحمله على الفعل، وإن قال:
ضرباني، قال: المسكينان، يحمله أيضا على الفعل، وكذلك: مررت به المسكين، يحمل الرفع على الرفع، والجر على الجر، والنصب على النصب).
وزعم أن الرفع الذي ذكرناه خطأ وهو قول الخليل وابن أبي إسحق.
وإنما رأى يونس ذلك خطأ لأنه يحتاج إلى إضمار وحذف، فإذا كان إيضاحه وبيانه يستغني عن إضمار وحذف، كان حمله على ما حضر من الكلام أولى.
وقد ذكرنا ما نصبه يونس مما فيه الألف واللام على الحال. والخليل وابن أبي إسحق ذهبا إلى أن الرفع في باب التعظيم وباب الشتم قد جاء وهو كثير، وحملا
[ ٢ / ٤٠٤ ]
هذا عليه.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: أختار قول الخليل وابن أبي إسحق، وأجيز قول يونس في الموضع الذي نحتاج فيه إلى الإيضاح نحو إضمار الغائب، والله أعلم.