(وذلك قولك: حنانيك؛ كأنه قال: تحنّنا بعد تحنّن، ولكنّهم حذفوا الفعل؛ لأنه صار بدلا منه. ولا يكون هذا مثنّى إلا في حال إضافة، كما لم يكن سبحان الله، ومعاذ الله إلا مضافا؛ فحنانيك لا يتصرّف كما لم يتصرف سبحان وما أشبهه، قال الشاعر، وهو طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض (١)
وزعم الخليل أنّ معنى التثنية أنّه أراد تحنّنا بعد تحنّن؛ كأنّه قال: كلما كنت في رحمة وخير منك فلا ينقطعنّ ذلك وليكن موصولا بآخر من رحمتك.
ومثل ذلك: قولك: لبيك وسعديك، وسمعنا من العرب من يقول:
سبحان الله وحنانيه، كأنّه قال: سبحان الله واسترحاما كما قال: سبحان الله
_________________
(١) البيت لطرفة بن العبد: ديوانه ٤، شرح المفصل ١: ١١٨، المقتضب ٣: ٢٢٤.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وريحانه، يريد: واسترزاقه.
وأمّا لبيك وسعديك فانتصب كانتصاب سبحان الله، وهو أيضا بمنزلة قولك:
أمرت سمعا وطاعة، إلا أنّ لبيّك لا يتصرّف كما أنّ سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله لا يتصرف).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ التثنية في هذا الباب الغرض فيها التكثير، وأنّه شيء يعود مرة بعد أخرى ولا يراد بها اثنان
فقط من المعنى الذي يذكر.
فالدليل على التكثير بلفظ التثنية أنك تقول: ادخلوا الأوّل فالأول؛ فإنما غرضك أن يدخل كلّ وجئت بالأوّل فالأوّل حتّى تعلم أنه شيء بعد شيء.
وتقول: جاءني رجلا رجلا على هذا المعنى ولا تحتاج إلى تكريره أكثر من مرّة واحدة فتعلم به أنه شيء لا يقتصر به على الأول، وأنّ ذلك المعنى يعود بعد الأوّل ويكثر فتكتفي بذلك اللّفظ، وهذا المثنى كله غير متصرّف، ومعنى قولنا غير متصرّف أن لا يكون إلا مصدرا منصوبا أو اسما في موضع الحال كما يكون المصدر في موضع الحال، وإنّما لم يتمكّن إذا ثنّيت لأنه دخله بالتثنية لفظا معنى التكثير لا معنى التثنية، ودخل هذا اللفظ لهذا المعنى في موضع المصدر فقط، قال: فلم يتصرّفوا فيه، وبعضه يوحّد فيتصرّف كما قال الله تعالى في توحيده وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا (١) وقال الشاعر:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف (٢)
فرفع لمّا أفرد لأنّه لم يدخله معنى غير الذي يوجبه اللّفظ وهو أصل الاسم الموضوع.
ولبيك وسعديك تثنية ولا يفرد واحد منهما لما ذكرته لك من معنى التكثير، ولبيك مأخوذ من قولنا ألبّ بالمكان إذا أقام به، وألبّ على كذا وكذا إذا أقام عليه ولم يفارقه.
قال سيبويه: (حدّثنا أبو الخطّاب أنّه يقال للرجل المداوم على الشيء لا يقلع عنه ولا يفارقه قد ألبّ على كذا وكذا).
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ١٣.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وسعديك مأخوذ من المساعدة والمتابعة، فإذا قال الإنسان لبّيك وسعديك فكأنه قال: دواما على طاعتك وإقامة عليها مرّة بعد مرة وكذلك سعديك، أي: مساعدة لك بعد مساعدة، ومتابعة بعد متابعة، وإنما يعبّر عن هذه الأشياء باللفظ الذي يقرب معناه منه فيمثّل به ويطلب له الاشتقاق وما يقدّر فيه من الفعل لو أتى به آت لم يحسن ولم يك واقعا ذلك الموقع كما وقع سقيا مكان سقاك الله، ورعيا مكان رعاك الله؛ فهذا الذي أحوج سيبويه وغيره إلى تطلّب التّقديرات المقرّبة للمعنى وليوقف على وجه النصب؛ فقال سيبويه مرّة: (كأنه إذا قال الرجل للرّجل: يا فلان، فقال: لبيك وسعديك، فقد قال: قربا منك ومتابعة لك، فهذا تمثيل، وإن كان لا يستعمل في الكلام كما كان براءة الله تمثيل سبحان الله وإن لم يستعمل ذلك استعمال سبحان الله).
وقال مرّة: (وكذلك إذا قال: لبّيك وسعديك يعني بذلك الله تعالى، فكأنه قال:
لا أنأى عنك يا ربّ في شيء تأمرني به، فإذا فعل ذلك فقد تقرّب إلى الله ﷿ بهواه).
يعني بإرادته وقصده.
(وأما قوله وسعديك فكأنّه يقول: أنا متابع أمرك وأولياءك غير مخالف، فإذا فعل ذلك فقد تابع وطاوع، وإنّما حملنا على تفسير معنى لبيك وسعديك لنوضح به وجه نصبهما لأنّهما ليسا بمنزلة سقيا وحمدا وما أشبه ذلك.
ألا ترى أنّك تقول للسائل في تفسير سقيا وحمدا إنما هو سقاك الله سقيا وأحمد الله حمدا، فحمدا بدل من أحمد، وسقيا بدل من سقاه الله، ولا تستطيع أن تقول: ألبّك لبّا، ولا أسعدك سعدا.
ولا تقول: سعد بدل من أسعد، ولا لبّ من ألبّ، فلمّا لم يكن ذلك التمييز له شيء من غير لفظه معناه كبراءة حين ذكرتها لتبيّن معنى سبحان الله، والتمست للبّيك وسعديك غير اللّفظ الذي اشتقّا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحمد والسقي في فعليهما، ولا يتصرفان تصرّفهما، ومعناهما: القرب والمتابعة فمثّلت بهما النصب في سعديك ولبيك كما مثّلت النصب في سبحان الله ببراءة الله).
وممّا يقوّي إفراد حنان أنّ الفعل في حنان قد يستعمل فيقال: تحنّن أي: ارحم، قال الشاعر:
[ ٢ / ٢٣٨ ]
تحنّن عليّ هداك المليك فإنّ لكلّ مقام مقالا (١)
فهذا مما تلحقه بباب (الحمد لله) وجواز التّصرّف فيه والرفع.
ومما يجري مصدرا مثنّى: حذاريك كأنه قال: حذرا بعد حذر ولا يستعمل حذرا مفردا، ولا يرفع حذاريك؛ لأنّه صيغت هذه البنية لتوضع غير متمكّنة كحنانيك ولبيك وسعديك فلم تستعمل إلا مصدرا منصوبا، ومن ذلك دواليك، وقال عبد بني الحسحاس:
إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله دواليك حتّى ليس للبرد لابس (٢)
وهذا من فعل العرب في الجاهلية إذا أراد رجل أن يعقد مودّة مع امرأة شق كلّ واحد منهما ثوب الآخر ليؤكد المودّة.
ودواليك: مأخوذ من المداولة من شقّ كلّ واحد منهما ثوب الآخر وهو في موضع الحال، كأنّه قال متداولين متعاقبين للفعل الذي فعلاه.
ومن التثنية: هذاذيك، مأخوذ من هذّه يهذّه هذّا، ومعناه: السّرعة في القراءة، وفي الضرب، قال الراجز:
ضربا هذاذيك وطعنا وخضا (٣)
كأنه يقول: هذّا عد هذّ من كلّ وجه، ومثل ذلك قولهم: حواليك بمعنى: حولك، يقال: حولك وحوالك، وقد يقال: حواليك وحوليك إنما يريدون الإحاطة من كل وجه.
ويقسّمون الجهات التي تحيط به إلى جهتين كما يقال: أحاطوا به من جانبيه، ولا يراد أنّ جانبا من جوانبه قد خلا، وأنشد سيبويه قول الراجز:
أهدموا بيتك لا أبا لكا وزعموا أنّك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا (٤)
فوحّد حوالك:
_________________
(١) البيت للحطيئة: ديوانه: ٧٢؛ المقتضب ٣: ٢٢٤؛ تلخيص الشواهد ٢٠٦.
(٢) ديوانه: ١٦، الخصائص ٣: ٤٧؛ شرح المفصل ١: ١١٩.
(٣) الراجز: العجاج: ديوانه: ٢٦؛ خزانة الأدب ٢: ١٠٦.
(٤) المعاني الكبير: ٦٥٠؛ الحيوان ٦: ١٢٨ (وقد نسبه إلى أبي زياد الكلابي الأعرابي).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وزعم الجرميّ (١) عن أبي عبيدة أنّ هذا قول العرب، يعني هذه الأبيات تحكيها العرب عن الضّبّ أنه قال للحسل وهو ولده حيث كانت الأشياء تتكلم، وهذا من قول الحشو منهم أو على وجه التمثيل أو ضرب المثل، كما يحكى عن الفرس وغيرهم أشياء عن ألسنة الطير والسباع والوحش، وقد أحاط علم الحاكي أن ذلك على وجه الأمثال والتحرّز من مثل ذلك المعنى على نحو ما أراده المتمثّل.
وأنشد غير سيبويه في تثنية حوال قول كعب بن زهير:
يسعى الوشاة حواليها وقولهم إنّك يا ابن أبي سلمى لمقتول (٢)
وفي تثنية حول قول آخر:
يا إبلي ما ذامه فتأبيه ماء رواء ونصيّ حوليه (٣)
وقال امرؤ القيس في جمع حول:
فقالت سباك الله إنّك فاضحي ألست ترى السّمّار والناس أحوالي (٤)
وزعم يونس أنّ لبيك اسم واحد غير مثنى، وأنّ الياء التي فيه كالياء التي في عليك ولديك، وكان الخليل وسيبويه
يخالفانه.
وأنشد سيبويه:
دعوت لما نابني مسورا فلبّى فلبّى يدي مسور (٥)
فجعل لبّى يدي بالياء في لبّى كالياء في يدي مسور وهى تثنية يد والياء في قولك رأيت ثوبي زيد وهذا روايته، وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ فلو كان بمنزلة قولك:
عليك ولديك ثم أضيف إلى ظاهر لكان بالألف. ألا ترى أنّك تقول: على زيد مال، ولدى زيد خير، فلا يكون إلا بالألف في اللفظ.
_________________
(١) هو صالح أبو عمر بن إسحاق الجرمي إمام في النحو ناظر الفراء ببغداد أخذ عن الأخفش والأصمعي توفي ٢٢٥ هـ الفهرست ٥٦، معجم الأدباء ١٢: ٥.
(٢) البيت لكعب بن زهير: ديوانه ٢١.
(٣) الراجز: الزفيان السعدى: ديوانه ١٠٠؛ الخصائص ١: ٣٣٣، نوادر أبي زيد: ٩٧.
(٤) البيت لامرئ القيس: ديوانه: ٣١.
(٥) ينسب لرجل من بنى أسد: شرح ابن عقيل ٣: ٥٣؛ خزانة الأدب ٢: ٩٣، شرح أبيات سيبويه ١: ٢٥١.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وكأن يونس قدّر أنه لو أضيف إلى اسم ظاهر لكان يقال: لبّى زيد كما تقول لدى زيد، وما حكاه سيبويه عن العرب أولى.
قال: وبعض العرب يقول: لبّ لبّ، وفي نسخة أبي بكر مبرمان تقول: لبّ مرّة واحدة فيجره يعني فيكسره، يجريه مجرى أمس وغاق يعني أنّه تثنية، ويجعله صوتا معرفة مثل غاق وما أشبه ذلك؛ كأنّه يحكي أصوات الملبّين.
وقد ذكرت أنّ سيبويه فصل بين الناصب لهذه الأشياء التي ذكرها مما لا يتمكّن ولا يستعمل فيها الفعل وليست بمصادر معروفة وبين سقيا ورعيا وما جرى مجراه ومثلت ذلك.
ومما يجري مجراه قوله: أفّة وتفّة، إذا سئلت عنهما مثّلتهما بقولك أنتنا لقرب معناها منه وليس من (أفّة وتفّة) فعل، وإنما تردّه إلى انتنا لأنه مصدر معروف.
وكذلك تمثيلك بهرا بنتنا، ودفرا بنتنا، لأنّه لا يستعمل من " دفرا " فعل، فجئت بمصدر فعل مستعمل وهو قولك: نتن نتنا، هذا قول سيبويه في بهرا ولم يزد على أن مثّله ب " نتنا ".
ويقال في الكلام: بهرني الشيء إذا غلبني، كما تقول: بهر القمر الكواكب أي:
غطّاها وأذهب ضوءها، وأنشدوا:
حتّى بهرت فما تخفى على أحد إلا على أحد لا يعرف القمر (١)
يقال: بهرا في معنى عجبا، وفسّر بيت عمر بن أبي ربيعة على ذلك، وهو:
ثم قالوا تحبّها قلت بهرا عدد القطر والحصى والتّراب (٢)
ويقال: بهر فلان فلانا إذا دعا عليه بسوء، ولم أر أحدا فسّر ذلك المدعوّ به إلا سيبويه في قوله: نتنا، وقال ابن ميّادة:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرا لها بعدها بهرا (٣)
فإن قال قائل: ذكرتم أنّ: سبحان، وأفّة، وتفّة، ولبّيك، ليس لها أفعال مستعملة
_________________
(١) البيت لذي الرمة: ديوانه: ٣٢.
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة: ديوانه: ٢٠، ٦٠، الخصائص ٢: ٢٨٣، شرح المفصل ١: ١٢١؛ مغني اللبيب ١: ٧٧.
(٣) ينسب إلى: ابن ميادة: الأغاني ٢: ٢٧؛ الإنصاف ١: ٢٤١؛ تهذيب إصلاح المنطق: ٣٢٧.
[ ٢ / ٢٤١ ]
تنصبها، والعرب تقول: سبّح، ولبّى، وأفّف.
قيل له: أمّا قولهم: سبّح، ولبّى، وأفّف، معناه: قال: سبحان الله، ولبّيك، وأفّة فبنيت هذه الأفعال من هذه الألفاظ بعد استعمالها، كما يقال: دعدع الرجل بغنمه إذا قال لها: داع داع، وهو تصويت بها كما قال:
فانعق ودعدعا بالبهائم (١)
كقوله: بأبأ الرجل بفلان، إذا قال له: بأبي أنت، قال الراجز:
وأن تبأبآن وأن تفدّين (٢)
وقولهم: هلّل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: بسم الله، وقد علمنا أنّ لا إله إلا الله ليس بفعل ولا بمصدر لفعل، وإن كنا نأخذ منه فعلا، وكذلك سائر ما ذكرناه فاعرفه إن شاء الله.