(وتنصب فيه الخبر لأنه حال لمعروف مبنيّ على مبتدإ. فأما الرفع فقولك: هذا الرجل منطلق).
هذا: مبتدأ، والرجل: صفته وليس على معهود، ومنطلق: خبره.
وهذا مع الاسم بمنزلة اسم واحد (كأنك قلت:
هذا منطلق.
قال النابغة:
توهمت آيات لها فعرفتها لستّة أعوام وذا العام سابع) (٢)
_________________
(١) المقتضب ٤/ ٩، سيبويه ١/ ٢٥٩.
(٢) ديوان النابغة/ ٥٠.
[ ٢ / ٤١٢ ]
كأنه قال: وذا سابع.
وأمّا النصب فقولك: هذا الرجل منطلقا.
جعلت الرجل مبنيا على هذا، وجعلت الخبر حالا له قد صار فيها فصار كقولك: هذا عبد الله منطلقا، والرجل هاهنا معهود، وإنما يريد في هذا الموضع أن تذكر المخاطب برجل قد عرفه قبل ذلك، وهو في الرفع لا يريد أن يذكّره بأحد، إنما أشار فقال: هذا منطلق)، وقد ذكرنا في صفات المبهمة أنها توصف بما فيه الألف واللام على غير عهد.
قال: (فكأنّ ما ينتصب من أخبار المعرفة ينتصب على أنه حال مفعول فيها، لأن المبتدأ يعمل فيما يكون بعده ويكون فيه معنى التنبيه والتعريف، ويحول بين الخبر وبين الاسم المبتدإ كما يحول الفاعل بين الفعل والخبر).
يريد أن الحال في قولك: هذا الرجل منطلقا، وهذا عبد الله منطلقا، مفعول فيها لأن المعنى: انتبه له في هذه الحال.
وقوله: (لأن المبتدأ يعمل فيما بعده)، معناه: يرفع ما بعده من الخبر وقد ذكرنا فيه قولين:
أحدهما: أنه يرفع الخبر.
والآخر: أن الابتداء يرفع المبتدأ.
والمبتدأ والابتداء يرفعان الخبر، والظاهر من كلامه في هذا الموضع أن المبتدأ هو العامل، وقد يجوز أن يريد بالمبتدإ إذا كان إشارة عمل فيما بعده، نحو: هذا وما جرى مجراه، وقد ذكرنا عمل هذا فيما بعده، وعمل المبتدإ فيما بعده كعمل الفعل فيما بعده من حيث كانا عاملين، وإنما أراد أن يريك حالين في منطلق من المبتدإ ومن الفعل، تقول:
هذا منطلق، فيرتفع منطلق بأنه خبر هذا ويعمل فيه هذا، ثم يدخل الرجل أو عبد الله بعد هذا خبرا لهذا فيحول بين منطلق وبين هذا، أن يكون منطلق خبرا له، فيصير حالا كما تقول في الفعل: ذهب منطلق، فيرتفع منطلق، وبين منطلق أن يرتفع بالفعل، ثم تقول:
ذهب زيد منطلقا، فيحول زيد بين ذهب وبين منطلقا أن يرتفع به ليصير حالا قد ثبت فيها وصار فيها كما أن الظرف موضع قد صيّر فيه بالنية، وإن لم تذكر فعلا وذلك أنك إذا قلت: فيها زيد، فكأنك قلت: استقر فيها زيد، وإن لم تذكر فعلا وهنا أفصح سيبويه
[ ٢ / ٤١٣ ]
بنصب الظرف ب (استقر) ثم شبّه نصب الظروف بنصب عشرين بما بعده من اسم النوع المميّز.
وإنما نصب عشرون اسم النوع لأنه ليس من صفته، فيكون بمنزلة: هذه عشرون جياد، ورأيت عشرين جيادا، ومررت بعشرين جياد، ولا هو عطف عليه، فيكون بمنزلة: هذه عشرون ورجل، ورأيت عشرين ورجلا، ومررت بعشرين ورجل، فشبّه عشرون رجلا بضارب زيدا قال: (وأمّا: هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا (١)، فإن الحق لا يكون صفة ل (هو) من قبل أن هو لا يوصف لأنه مضمر ولا يوصف المضمر بالمظهر أبدا، فمن ثمّ لم يكن في هو الرفع)، يعني: لم
يكن في هو الحق مصدق، على أن يجعل هو مبتدأ، والحق نعت له، ومصدقا خبرا، كما تقول: هذا الرجل منطلق، بأن تجعل الرجل نعت هذا، ومنطلق خبره، فلمّا لم يجز أن يوصف هو فيجعل الحق صفة، وجب رفع الحق بخبر هو، ونصب مصدقا على الحال. والله أعلم.