(قدمته أو أخرته.
وذلك قولك: فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما. ف (عبد الله) ارتفع بالابتداء، لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به، وإنما هو موضع له، ولكنه يجري مجرى الاسم المبني على ما قبله.
ألا ترى أنك لو قلت: فيها عبد الله، حسن السكوت وكان كلاما مستقيما، كما حسن واستغنى في قوله: هذا عبد الله، وتقول: عبد الله فيها، فيصير كقولك: عبد الله أخوك، إلا أن عبد الله يرتفع مقدما كان أو مؤخرا بالابتداء، ويدلك على ذلك أنك تقول: إن فيها زيدا).
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن الاسم يرتفع بالابتداء أخرت الظرف أو قدمته.
وقال الكوفيون: إذا تقدم الظرف ارتفع الاسم بضمير له مرفوع في الظرف
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ٣١.
[ ٢ / ٤١٤ ]
المتأخر، فكان من حجة سيبويه في ذلك أنا إذا أدخلنا إنّ، نصبنا الاسم وإن كان قبله ظرف كقولنا: في الدار زيدا.
فلو كان في الدار يرفع زيدا قبل دخول إنّ لما غيرتها إنّ عن العمل. كما أنّا لو قلنا:
إن يقوم زيدا، لم يجز أن تبطل عمل (يقوم)، بل يقال: إن يقوم زيد، على معنى إنه يقوم زيد، كذلك: إن في الدار زيد، على معنى: أنه في الدار زيد.
فلّما كانت العرب تنصب ذلك مع تقديم الظروف، علمنا أن ارتفاعه بالابتداء، وهذا في القرآن وسائر الكلام أكثر من أن يحصى، قال الله تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١)، وإِنَّ لَنا لَأَجْرًا (٢)، وما أشبهه.
ومما يدل على بطلان ما قالوه، إجماعهم على جواز: في داره زيد، فإن كان زيد مرفوعا بالظرف فلا يجوز إضماره قبل الذكر، وليس النية التأخير وإنما يجوّز سيبويه وأصحابه: في داره زيد، لأن النية:
زيد في داره، فإن قلت: في الدار زيد قائم، وعندك عمرو مقيم، فلك في الظرف وجهان:
أحدهما: أن تجعله خبرا للاسم وتنصب الصفة على الحال، فتقول: في الدار زيد قائما، وعندك عمرو مقيما، ويكون العامل الناصب لعند استقر المقدّر وناب عند: عن استقر، والعامل في الحال هو الظرف النائب عن استقر.
والوجه الآخر: أن تجعل خبر الاسم الصفة وترفعها، وتجعل العامل في الظرف الصفة، كقولك: عندك عمرو مقيم، الناصب ل (عند) هو مقيم، وإنما تضمر استقر إذا كان الظرف في موضع الخبر أو الصفة أو الحال، فأمّا الخبر فقولك: زيد خلفك، وخلفك زيد، وكان زيد خلفك، وأنّ زيدا خلفك.
والصفة: مررت برجل عندك، والحال: مررت بزيد عندك.
وسيبويه يسمي الظرف إذا لم يكن خبرا ملغى لأنّه يتم الكلام بإلغائه وإسقاطه، وذلك قوله:
_________________
(١) سورة المزمل، الآية: ١٢.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١١٣.
[ ٢ / ٤١٥ ]
(وإن شئت ألغيت فيها، فقلت: فيها عبد الله قائم)، جعل قائم هو الخبر، وجعل فيها لغوا.
(قال النابغة:
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع) (١)
ف (ناقع) خبر السم، و(في) لغو.
(وقال الهذلي:
لا درّ درّي إن أطعمت نازلهم قرف الحتىّ وعندي البرّ مكنوز (٢)
كأنك قلت: البرّ مكنوز عندي، وعبد الله قائم فيها. فإذا نصبت القائم، ف (فيها) قد حالت بين المبتدإ والقائم، واستغنى به وحمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنيا عليه عمل هذا زيد قائما، وإنما يجعل فيها إذا رفعت القائم مستقرا للقيام وموضعا له).
ومن كلام سيبويه: حتى كان للفظ موضع من كلام ثم دخل شيء صيّر له موقع الأول، وصار للأول موقع غير موقعه الأول أن هذا الداخل قد حال بين الذي تغير موقعه وبين اللفظ الذي وقع الداخل منه موقع الأول، فمنه ما قد مضى ومنه هذا، وتمثيله أنك إذا قلت: عبد الله قائم، فقائم خبر عبد الله، فإن أدخلت فيها وبقّيت قائم على رفعه فإن فيها ما حالت بين شيئين وهي: مستقر للقيام، وموضع له قدمتها على عبد الله أو وسطتها بين عبد الله وبين قائم أو أخرتها إلى آخر الكلام، وإن جعلت فيها خبرا ل (عبد الله) فقد أوقعتها موقع قائم، وقد بطل أن يكون (قائم) خبرا
ل (عبد الله) لأنّ فيها قد حالت بينه وبين عبد الله أن يكون خبرا له، وصار ل (قائم) موقع آخر من الكلام فاعتبر ذلك في جميع ما يقول سيبويه فيه أنه قد حال بينه وبين كذا إن شاء الله تعالى.
ولو قال قائل: في الدار زيد قائم، لم يجز له أن يسكت على قوله: في الدار زيد، كما لو قال: عبد الله زيد ضارب، لم يجز له أن يسكت على: عبد الله زيد.
واستدل سيبويه- أيضا- على أن عبد الله لا يرتفع بالظرف إذا تقدم؛ أنّا نقول: في
_________________
(١) ديوان النابغة/ ٥١، شرح شواهد المغني/ ٣٠٥.
(٢) البيت للمتنخل الهذلي ديوان الهذليين ٢/ ١٥، البيان والتبيين ١/ ١٧.
[ ٢ / ٤١٦ ]
الدار زيد قائم، فيرتفع بغير الظرف بإجماع النحويين.
البصريون يقولون:
يرتفع بالابتداء.
والكوفيون يقولون: يرتفع ب (قائم)، وقائم ب (زيد)، فلو كان فيها يحدث الرفع فيما بعدها لأحدثتها متى تقدمت، ولم يلغ كما لا يلغى الفعل إذا تقدم الفاعل.
ثم احتج بحجة أخرى فقال: (ولو كان عبد الله يرتفع ب (فيها) لارتفع بقولك:
بك عبد الله مأخوذ)، ولا خلاف بينهم أن عبد الله لا يرتفع ب (بك)، وكأن قائلا قال لسيبويه: إن بك لا تشبه فيها، لأن عبد الله لا يتم الكلام به، وفيها عبد الله يتم الكلام به، فأجاب عن هذا بأن العامل الذي يتم به الكلام والعامل الذي لا يتم به الكلام سواء لا يتغير، ألا ترى أنّ كان عبد الله لا يكون كلاما، وضرب عبد الله كلام، وعملهما واحد.
(ومما جاء في الشعر مرفوعا، قوله:
لا سافر النّيّ مدخول ولا هبح عاري العظام عليه الودع منظوم (١)
فجميع ما يكون ظرفا تلغيه إن شئت).
أي: جميع ما يكون خبرا للاسم، وظرفا تلغيه إذا جئت بخبر سواه على ما مضى من الكلام.
قال: (ومثل قولك: فيها عبد الله قائما، هو لك خالصا، وهو لك خالص)، بمنزلة: عبد الله فيها قائم، فإذا نصبت ف (لك) خبر، وهو في التقديم بمنزلة: أهبه لك خالصا على نحو ما تقرر استقر وشبيهه، وإن قلت: خالص جعلته خبر هو، وجعلت لك من صلة خالص كأنك قلت: خلص لك.
قال: (وقد قرئ هذا الحرف على وجهين:
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٢)، بالرفع والنصب).
قال أبو سعيد: هي عند سيبويه مبتدأ وللذين آمنوا: خبر، وخالصة: منصوب على
_________________
(١) البيت لتميم بن مقبل ديوانه/ ٢٦٩.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٢.
[ ٢ / ٤١٧ ]
الحال، والعامل فيها اللام على تقدير: استقر وما أشبه ذلك كقولنا: عبد الله في الدار قائما.
فإن قال قائل: الحال مستصحبة فكيف تكون خالصة في يوم القيامة والتي هي لهم في الحياة الدنيا؟
قيل له: الحال على كل حال مستصحبة، وقد يكون الملفوظ به من الحال متأخرا بتقدير شيء مستصحب، كقوله تعالى: طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (١)، وقد علم أن الخلود إنما هو إقامتهم فيها الدائمة، وليس ذلك في حال دخولهم، وتقديره: ادخلوها مقدرين الخلود أو مستوحين الخلود، وقيل في قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٢) وليس في حال الدخول حلق ولا تقصير، وإنما هو شيء يقع بعد الدخول، وإنما يقع مثل هذا فيما علم ووثق به.
ولو قيل للإنسان: ادخل الدار، فقال: وما أصنع فيها؟ لجاز أن يقال: ادخلها آكلا فيها شاربا على معنى مقدّرا ذلك ومستوحيا.
قال: (وبعض العرب يقول: هو لك الجماء الغفير، فيرفع كما يرفع الخالص) وينصب.
فيقال: هو لك الجماء الغفير، ف (هو) مبتدأ، ولك: خبره، والجماء الغفير: حال، وقد مضى شرحها. (والنصب أكثر لأن الجماء الغفير بمنزلة المصدر، فكأنه قال: هو لك خلوصا)، وخلوصا في معنى خالصا، لأن المصدر يكون في موضع الحال، (فهذا تمثيل ولا يتكلم به، ومما جاء في الشعر قد انتصب خبره وهو مقدم قبل الظرف، قوله:
إنّ لكم أصل البلاد وفرعها فالخير فيكم ثابتا مبذولا (٣)
وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقول: أتكلم بهذا وأنت هاهنا قاعدا.
قال: ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه أمر، قول العرب: هو رجل صدق معلوما
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٢) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
(٣) سيبويه ١/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٤١٨ ]
ذاك، وهو رجل صدق معروفا ذاك، وهو رجل صدق بيّنا ذاك، كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحه، فصار حالا وقع فيه أمر لأنك إذا قلت: هو رجل صدق، فقد خبرت بأمر ثم جعلت ذلك المرفوع على هذه الحال، ولو رفعت كان جائزا على أن تجعله صفة، كأنك قلت: هو رجل معروف صلاحه.
ومثل ذلك: مررت برجل حسنة أمّه كريما أبوها). ولا يجوز أن تقول: كريم أبوها بالجر، لأنك إذا جررت فهو نعت لرجل، وليس فيه ما يعود إلى الرجل، وإذا نصبت فهو حال كرم أبيها.
(زعم الخليل: أنه أخبر عن الحسن أنه وجب لها في هذه الحال، وهو كقولك:
مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها.
والأول كقولك: هو رجل صدق معروفا صدقه، وإن شئت قلت: معروف ذاك، ومعلوم ذاك، على قولك: ذاك معروف، وذاك معلوم. سمعته من الخليل)، وقد أتى التفسير على ذلك كلّه.