(وذلك قولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال النابغة الذبيانّي:
مقذوفة بدخيس النّحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد (٣)
وقال آخر:
لها بعد إسناد الكليم وهدئه ورنّة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثور ينفض رأسه يذبّ بروقيه الكلاب الضّواريا) (٤)
يصف طعنة لها خرير مما يجري من دمها؛ فقال: لها بعد إسناد الكليم، وهدئه هدو فيه أو هو المطعون، وإسناده أن يسند، وهدؤه وهديه: هدوءه وبكاء من يبكي عليه هدير
_________________
(١) كتاب سيبويه ١: ٢٨٨، وهو من الخمسين التي لا يعرف قائلهم.
(٢) الإنصاف ١: ٢٨٢ (بلا نسبة)؛ اللسان (بأبأ).
(٣) البيت للنابغة الذبيايى: ديوانه ١٦؛ شواهد القرطبي ١: ٦٥٩؛ تهذيب إصلاح المنطق: ٥١٠.
(٤) البيت للنابغة الجعدي: ديوانه ١٧، ١٨؛ شرح أبيات سيبويه ١: ١٠٥.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
مثل هدير الثور وهو خواره إذا قاتل الكلاب، وانتصاب هذا على ما أذكره، ثم أسوق كلام سيبويه.
قال أبو سعيد: يجوز أن يكون انتصابه بفعل يدلّ عليه له صوت؛ لأن له صوت يدلّ على أنّه يصوّت وينوب عنه؛ فكأنه قال: مررت برجل فإذا هو يصوت صوت حمار، ويكون " صوت حمار " على هذا التقدير منصوبا بالمصدر إن شئت، وإن شئت على أنه حال، وفي كلا الأمرين في صوت حمار معنى التشبيه، فإن كان على المصدر فتقديره:
مررت به فإذا هو يصوّت تصويتا مثل صوت الحمار، ويحذف كما قد ذكر حذف ذلك في غير موضع.
وإن كان حالا فتقديره: فإذا هو يصوّت مشبها صوت حمار ومخرجا مثل صوت حمار، أو ممثّلا صوت حمار.
ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل، ويكون ذلك الفعل على وجهين:
يجوز أن يكون من لفظ الصّوت.
ويجوز أن يكون من غير لفظه.
فإن كان من لفظه فتقديره: فإذا له صوت يصوّت صوت حمار، فيكون نصب " صوت حمار " على هذا التقدير بالمصدر إن شئت، وإن شئت بالحال جميعا.
وإن كان الفعل الذي تقدّره من غير لفظه نصبت صوت حمار على الحال لا على المصدر، فيكون تقديره: مررت به
فإذا له صوت يخرجه مشبها صوت حمار ويمثّله مشبّها صوت حمار أو ما جرى هذا المجرى.
قال سيبويه: (وإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه).
يعني أنك لم ترد أن تجعله نعتا ولا بدلا منه فترفع، وستقف عليه وعلى رفعه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال: (ولكنك لما قلت: له صوت علم أنّه قد كان ثمّ عمل فصار قولك: له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوّت؛ فحملت الثاني على المعنى، وهذا يشبّه في
[ ٢ / ٢٤٣ ]
النّصب لا في المعنى، يقول الله ﷿: جاعل اللّيل (١) سكنا والشّمس والقمر حسبانا) (٢) يعني أن جاعل اللّيل سكنا في معنى: جعل الليل سكنا، فعطف الشمس والقمر على معنى جعل.
قال: (وإذا أردت الحال فكأنّه توهّم بعد قوله: له صوت يصوّته صوت حمار، أو يبديه أو يخرجه صوت حمار، ولكنّه حذف هذا لأنّه صار له صوت بدلا منه، فإذا قال: مررت به فإذا هو يصوّت صوت حمار فعلى الفعل غير الحال وعلى الحال، وقد مضى ذكر الوجهين، وإذا قال: يصوّت صوت حمار فعلى إضمارك فعلا بعد الفعل المظهر).
وقد كشفت هذا وبيّنته.
قال: (ومثل هذا: مررت به فإذا له دقّ " دقّك بالمنحاز حبّ الفلفل ")
والمنحاز: الهاون، يريد أنّك كما قلت: له صوت صوت حمار انتصب على أنّه مثال أو حال يخرج عليه الفعل، وأنّك إذا أظهرت الفعل الذي لا يكون المصدر بدلا منه احتجت إلى فعل آخر فتضمره؛ فمن ذلك قول الشاعر:
إذا رأتني سقطت أبصارها دأب بكار شايحت بكارها (٣)
قال أبو سعيد: اعلم أن مذهب سيبويه أنه إذا جاء بالمصدر بفعل ليس من حروفه كان بإضمار فعل من لفظ ذلك المصدر، فمن أجل هذا استدلّ على إضمار فعل بعد قوله: له صوت بهذا الشعر لأن قوله: دأب بكار منصوب وليس قبله فعل من لفظه فأضمر دأبت دأب بكار، وتدأب دأب بكار، والذي قبله: سقطت أبصارها، كأنّه قال: أداموا النظر إليّ، والدأب: الدوام، فكان في " سقطت أبصارها " بالنظر إليه ما دلّ على أنّها دأبت فأدامت ويكون " دأب بكار " على الحال وعلى المصدر.
_________________
(١) وهي قراءة لغير عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، والأعمش (الميسر في القراءات الأربعة عشر) ص ١٤٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٩٦.
(٣) البيت لغيلان بن حريث: شرح أبيات سيبويه للنحاس: (إذا رأوني) ١٨١؛ المقتضب ٣: ٢٠٤.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وكان أبو العباس يردّ هذا من قول سيبويه ويقول: إنّه يجوز أن يجيء المصدر من فعل ليس من حروفه إذا كان في معناه.
وقد ذكر المازني في قولهم: تبسّمت وميض البرق " قولين للنحويين في نصب وميض البرق:
أحدهما: مثل قول سيبويه؛ أنهم يضمرون فعلا، كأنهم قالوا: أومضت " وميض البرق ".
والثاني: أنّ " تبسّمت " قد ناب عن أو مضت وميض البرق؛ فكأنه قال: تبسمت تبسّما مثل وميض البرق.
قال أبو سعيد: والذي عندي أنّه يجوز أن ينتصب المصدر بالفعل الذي هو من غير لفظه كقولنا: قعد زيد جلوسا حسنا، وقعد زيد جلوس عمرو، تريد قعودا مثل جلوس عمرو، وفى ذلك دليلان:
أحدهما: ما لا يختلف فيه أهل اللغة أنه قد يجيء المصدر من لفظ الفعل المتروك وليس بمبنيّ من بنية الفعل، فلا يكون بينه وبين الذي هو من بنيته فرق كقول الله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (١) ومصدر تبتّل من بنية بتل، إنما تبتيل مصدر تبتّل تبتيلا، ومثل هذا في الكلام: تحاور القوم احتوارا، واحتوروا تحاورا، ولا فرق بينهما، ويقال:
افتقر فقرا، ولا يستعمل من فقر فعل غير افتقر وإن كان ينبغي أن يكون فقر مصدر فقر فاستغني عنه بافتقر، وقال الشاعر:
وقد تطوّيت انطواء الحضب (٢)
يريد: تطوّي الحضب لأنّ المعنى في تطوّى وانطوى واحد؛ فأغنى بنية مصدر أحدهما عن الآخر إذ لا فرق بين المصدرين، كما لا فرق بين الفعلين.
والدليل الآخر: أنا إذا قلنا قعد زيد جلوس عمرو، فالتقدير: قعد زيد جلوسا مثل جلوس عمرو ثم حذف المنعوت والمضاف.
وقولنا: مثل جلوس عمرو معنى صحيح معقول صحّته فإذا حذف مثل وصل الفعل
_________________
(١) سورة المزمل، الآية: ٨.
(٢) البيت لرؤبة بن العجاج: ديوانه: ١٦، شرح المفصل ١: ١١٢؛ تاج العروس (طوى).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
إلى المصدر الذي هو الجلوس فصار منصوبا بقعد وعلى هذا قوله: سقطت أبصارها دأب بكار، أي: سقطت
سقوطا مثل دأب بكار، قولهم: تبسّمت وميض البرق تبسّما مثل وميض البرق، ثم وقع الحذف الذي أدّى إلى انتصاب وميض.
قال سيبويه: (فمما لا يكون حالا ويكون على الفعل المضمر قول رؤبة:
لوّحها من بعد بدن وسنق تضميرك السّابق يطوى للسّبق (١)
أراد أنّك نصبت تضميرك بإضمار ضمّرها تضميرك السّابق، وقد دلّ على ذلك لوّحها، لأنّ معنى لوّحها: غيّرها، وضمرها في معناه، ونصبه على أنّه مصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا عنده على الحال؛ لأنّه مضاف إلى الكاف متعرّف به، ولا تكون الحال معرفة، وكذا الباب في كل مصدر مضاف إلى معرفة ألا يكون حالا، فلو كان مكانه تضمير فرس سابق أو تضمير رجل فرسا سابقا جاز أن يكون حالا، وأنشد سيبويه في نحو هذا المعنى قول العجّاج:
ناج طواه الأين ممّا وجفا طيّ الليالي زلفا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا (٢)
فسماوة عند سيبويه مصدر ولا فعل من لفظه فصار بمنزلة لوّحها تضميرك، وسقطت دأب بكار.
وكان المازني يردّ هذا ويقول: إن طيّ الليالي منصوب بطواه، كأنّه قال: طواه طيا مثل طيّ الليالي، ويجعل سماوة الهلال مفعول طيّ، كأنّه قال: كما طوى الليالي سماوة الهلال، وسماوة الشيء: شخصه، والليالي تطوي القمر وتضمّره حتّى يصير هلالا ويصير بمنزلة قول جرير:
وطوى القياد مع الطّراد بطونها طيّ التّجار بحضر موت برودا (٣)
فجعل " سماوة " مثل: " برودا "، واحقوقف على هذا التفسير للهلال، ومعناه:
_________________
(١) البيت لرؤبة بن العجاج: ديوانه ١٠٤؛ خزانة الأدب ١: ٨٧.
(٢) البيت للعجاج: ديوانه: ٨٤؛ شرح أبيات سيبويه ١: ٢٠٩.
(٣) البيت لجرير: ديوانه: ١٣١، ط: بيروت (شرح مهدي ناصر).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
تقوّس.
وأما ما يوجبه كلام سيبويه فتكون سماوة منصوبة بإضمار فعل؛ كأنه قال: سما سماوة الهلال إذا أضمر من لفظه،
وإن أضمر من غير لفظه، فكأنه قال: صيّره سماوة الهلال.
وكان أبو إسحاق الزجّاج يردّ على المازنيّ ما ذكرنا من قوله إنه لو كان سماوة يعمل فيه طيّ الليالي لكان حقّ الكلام أن يقول: سماوة القمر، لأنّ الليالي تنقص القمر حتى يصير هلالا، ولا يقال: إنّ الليالي تنقص الهلال.
وللمحتجّ عن أبي عثمان أن يقول: قد ينسب الفعل إلى الاسم في منتهاه وإن كان الفعل قد وقع قبل ذلك.
من ذلك قول القائل: نسجت الثوب، والثوب لا ينسج إنّما ينسج الغزل فإذا انتهى صار ثوبا، وعلى ذلك يتأوّل قول العجاج:
والشوق شاج للعيون الجذّل (١)
وإنما جذلت العيون واسترخت أجفانها من البكاء الذي أوجبه الشوق، ومثله لرؤبة:
والسبّ تخريق الأديم الألحن (٢)
وإنما صار أديما ألحن بالنسب فسماه بما يوجبه الفعل بعد تقضّيه، ومثله قول جرير في تأويل بعضهم:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشّع (٣)
وكان حقه أن يقول: والجبال الشواهق، لأن الجبال الخشّع التي قد تضاءلت وتطأطأت فسمّاها بالاسم الذي توجبه المصيبة.
واحقوقف يجوز أن يكون للجمل الناجي الذي طواه الأين، ويجوز أن يكون
_________________
(١) ديوان العجاج ٤٥، وروايته: ما بال جاري دمعك المهلل والشوق شاج للعيون الجذل
(٢) البيت لرؤبة بن العجاج: ديوانه: ١٦٠؛ تاج العروس (لحن).
(٣) البيت لجرير: ديوانه: ٩١٣؛ خزانة الأدب ٤: ٢١٨؛ الخصائص ٢: ٤٢٠.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
للهلال.
قال سيبويه: (وقد يجوز أن تضمر فعلا آخر كما أضمرت بعد " له صوت " يدلّك على ذلك أنّك إذا أظهرت فعلا لا يجوز أن يكون المصدر مفعولا عليه صار بمنزلة له صوت، وذلك قوله وهو لأبي كبير:
ما إن يمسّ الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طيّ المحمل) (١)
يريد أنّ طيّ المحمل قد نصب وليس قبله فعل من لفظه ولا معناه، لأنّ ما إن يمسّ الأرض إذا ركّبت " ما " مع " إن
يمسّ " لم يكن فعلا ولكن معناه معنى طوي فقادت الضرورة إلى أن يضمر فعل ليس من اللفظ.
وجعل سيبويه هذا دليلا على ما ذكره من إضمار فعل غير المذكور، وقد يدخل في: (صوت حمار)، ": إنّما أنت شرب الإبل "، و" إنما أنت سيرا سيرا "؛ لأنّه لا بدّ له من إضمار فعل فيكون المصدر محمولا على ذلك.
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه لمثل هذا تقوية لإضمار فعل فيما خالف مصدره لفظ الفعل المذكور، وإن قدّرنا المصدر منصوبا على أنّه مصدر فكأنه جواب لمن قال: أيّ فعل فعل إذا كان على الحال فكأنه جواب لمن قال على أيّ حال وقع، وإذا كان معرفة لم يكن حالا، وقد تقدم الكلام في هذا، وقد يجوز الرفع في ذلك بقوله: له صوت صوت حمار، وله خوار خوار ثور، إذا جعلته صفة للأوّل ولم ترد فعلا ولا إضماره.
وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة للنكرة كما لم يكن حالا، لا تقول: له صوت صوت الحمار، وخوار خوار الثور إذا أردت الصفة، وإنما يجوز ذلك في البدل.
قال سيبويه: (وزعم الخليل أنّه يجوز أن تقول: له صوت صوت الحمار على الصفة؛ لأنّه تشبيه فمن ثم جاز وحسن أن تصف به النكرة).
وتفسير مذهب الخليل أنّ معناه: له صوت مثل صوت الحمار، ومثل وإن كان مضافا إلى معرفة فهو نكرة فلذلك جاز عنده الصفة.
(وزعم الخليل أنّه يجوز أن يقول الرجل: هذا رجل أخو زيد على الصفة إذا
_________________
(١) ينسب لأبي كبير الهذلي (عامر بن الحليس): ديوان الهذليين ق ٢: ٩٣؛ الإنصاف ١: ٢٣٠؛ الخصائص ٢: ٣١١.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أردت مثل أخي زيد).
واستضعفه سيبويه فقال: (ولو جاز هذا لقلت: هذا قصير الطويل تريد مثل الطويل).
ولجاز أن تقول: جاءني زيد أخاك، تريد مثل أخيك، ومثل البزاز، وهذا يقبح جدّا، كما قبح أن يكون حالا إلا في شعر أو ضرورة.
قال: (وهو في الصفة أقبح لأنّك تنقض ما تكلّمت به).
يريد أنّ الصفة والموصوف كشيء واحد، فلا يجوز أن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة، والحال مع الذي منه الحال ليسا كشيء واحد فصار في الصفة أقبح.