(وذلك قولك ما أنت إلا سيرا، وإنّما أنت سيرا سيرا، وما أنت إلا الضّرب الضّرب، وما أنت إلا قتلا قتلا، فكأنه قال في هذا كلّه ما أنت إلا تفعل فعلا).
قال أبو سعيد: إنما يقال هذا ونحوه لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله، واستغنى عن إظهار الفعل بدلالة المصدر عليه، وكذلك في الإخبار عن الغائب إذا قلت: زيد سيرا سيرا، وليتك سيرا سيرا، إذا أخبرت عنه بمثل ذلك المعنى، وكذلك إذا قلت: أنت الدهر
[ ٢ / ٢٢٥ ]
سيرا، وكان عبد الله الدّهر سيرا سيرا، وأنت مذ اليوم سيرا سيرا، وذلك كله إذا أخبرت بشيء متّصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وإن رفعت قلت: إنّما أنت سير، على معنى: إنما أنت صاحب سير؛ وحذفت الصّاحب وأقمت السّير مقامه.
فإن قلت: ما أنت إلا شرب الإبل، وما أنت إلا ضرب النّاس، جاز في ضرب الناس التنوين؛ فتقول: ما أنت إلا ضربا الناس، ولا تقول: ما أنت إلا شربا الإبل، لأن شرب الإبل ليس من فعلك، ولم ترد: ما أنت إلا شرب الإبل وإنما هو تشبيه، والفعل الذي يشبّه به محذوف، تقديره: ما أنت إلا تشرب شربا مثل شرب الإبل، والمثل في موضوع النعت لشربا فحذفت الشرب وأقمت المثل مقامه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١). وهذا الحذف وإن كثر فهو مطرد في القياس في كلام
العرب مفهوم.
وإذا قلت: ما أنت إلا ضربا النّاس فنوّنته؛ فالمعنى: ما أنت إلا تضرب الناس؛ لأنّ فعلك واقع بهم، ونظير ذلك من المصادر المنصوبة: قوله ﷿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (٢). على معنى: إما تمنّون منّا وإما تفادون فداء.
وقال جرير:
ألم تعلم مسرّحي القوافي فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا (٣)
تقديره: فلا أعيى بهن عيّا ولا أجتلبهنّ، أي: لا أسرق من غيري، كأنّ قائلا قال:
هو عيّا بهن، واجتلابا لهن على معنى: يعيى بهن عيا، ويجتلبهنّ اجتلابا، فنفى على ذلك التقدير بإدخال لا.
(ومثله قولك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعابا وطردا).
والمسرّح بمنزلة مشترى، والفاء في قوله، فإتعابا وطردا بمنزلة الفاء في قوله:
" فلا عيّا بهن ولا اجتلابا ".
وإنما أراد أني إذا سرحت القوافي اتّصل بتسريحي لها إلا عيّا ولا أجتلب؛ فلذلك أدخل الفاء.
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٢) سورة محمد، الآية: ٤.
(٣) البيت لجرير: ديوانه: ٥٦؛ الخصائص ١: ٣٦٨، ٣: ٢٩٧.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وكذلك يتّصل الإتعاب بالمسير، فلذلك أدخل الفاء.
قال سيبويه: (وإن شئت رفعت هذا كلّه فجعلت الآخر هو الأوّل، فجاز على سعة الكلام. كقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت فإنّما هي إقبال وإدبار (١)
على معنى: فإنما هي صاحب إقبال وإدبار؛ فجعل إقبال وإدبار في موضع مقبلة ومدبرة على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم).
قال أبو سعيد: فجعل النّهار صائما، والنحويّون يقدّرون مثل هذا على تقديرين:
أحدهما: أن يقدّروا مضافا إلى المصدر وهو الاسم الأوّل، ويحذفون كما يحذفون في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٢). كأنه قال: صاحب إقبال وصاحب إدبار، وصاحب نهارك صائم، وصاحب ليلك قائم فيحذفون المضاف.
والوجه الثاني: أن يكون المصدر في موضع اسم الفاعل من غير إضافة فيكون إقبال في موضع مقبلة، والنهار
صائم مجازا كما قال ﷿ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا (٣).
وكما قال:
" أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة " (٤)
وكما قال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٥).
ومثله قولهم: رجل عدل، وماء غور، ودرهم ضرب، على معنى: رجل عادل، ودرهم مضروب، وماء غائر.
وكان الزجّاج يأبى إلا الوجه الأول.
ومما يقوّي الوجه الثاني أن نقول: رجل ضخم وعبل، وليسا بمصدرين لضخم وعبل، وقد جعلا في موضع اسم الفاعل، ومصدرهما: عبل عبالة، وضخم ضخما.
_________________
(١) البيت للخنساء: ديوانها: ٧٢؛ الخصائص ٢: ٢٠٥؛ شواهد القرطبي ٢: ٩٨.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٣) سورة يونس، الآية: ٦٧.
(٤) هذا صدر بيت منسوب للجرنفش بن زيد الطائي في شرح أبيات سيبويه ١: ٢٣٧. وعجزه: والليل في قعر منحوت من الساج
(٥) سورة النبأ، الآية: ٣٣.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ومما يشبه هذا قول متمّم:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا (١)
أي: فدهر تأبين هالك، وجعل الدّهر هو التأبين مجازا.
(ومما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب قولهم: أقياما يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يعدون فلا يريد أن يخبر أنّه يجلس ولا أنّه قد جلس، وانقضى جلوسه، ولكنّه يخبر أنّه في تلك الحال في حال جلوس).
وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده ممّا ينكر عليه من أجل شيء آخر، كأنّه إذا قال: أقياما والناس قعود فقد أنكر عليه القيام من أجل قعود النّاس، وأنكر الجلوس من أجل فرارهم توبيخا له على ذلك.
ومثله: أصبى وأنت شيخ، ومثله: " أطربا وأنت قنّسريّ ".
وهو: المسنّ في هذا الموضع، إنكارا للطرب مع هذه الحال، (ومثله: قول بعض العرب وهو يعزى إلى عامر بن
الطفيل:
" أغدّة كغدّة البعير وموتا في بيت سلولية " (٢)
واجتماعهما يزيد في المكروه فهو يجري مجرى التوبيخ، وإن لم يكن توبيخا وإنما قاله عامر، لمّا أصابته الغدّة، وهي داء إذا أصاب البعير لم يلبّثه حتّى يموت، وكان قد أتى النبي ﷺ هو وأربد بن ربيعة العامريّ أخو لبيد ليغتالاه، فأطلعه الله ﷿ عليهما؛ فقال: " اللهمّ أكفني عامرا وأربد " فأصابت أربد صاعقة، وأصابت عامرا الغدّة، ومثله:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ألؤما لا أبا لك واغترابا (٣)
الشاهد في قوله: ألؤما لا أبا لك، وبّخه على ما يأتيه من اللؤم مع غربته على نحو ما تقدّم، كأنّه قال: أتلؤم لؤما وتغرب اغترابا (إن لم تستفهم وأخبرت جاز كقولك:
سيرا سيرا، عنيت نفسك أو غيرك؛ كأنك رأيت رجلا في حال سير أو كنت في حال سير، أو ذكر رجل بسير أو ذكرت أنت بسير، وجرى كلام يحسن بناء هذا عليه كما
_________________
(١) خزانة الأدب ٢: ٢٧.
(٢) يضرب كمثل لاجتماع نوعين من الشر، اللسان (غدد).
(٣) البيت لجرير: ديوانه ٥٦، الأغاني ٨: ٢١؛ خزانة الأدب ٢: ١٨٣.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
حسن في الاستفهام. لأنّك إنما تقول: أطربا وأسيرا، إذا رأيت ذلك من الحال أو ظننته في، وعلى هذا يجري هذا الباب إذا كان خبرا أو استفهاما، وإذا رأيت رجلا في حال سير أو ظننته فيه فأثبتّ ذلك له.
وكذلك أنت في الاستفهام إذا قلت: أأنت سيرا. ومعنى هذا الباب أنّه فعل متّصل في حال ذكرك إيّاه استفهمت أو أخبرت، وأنّك في حال ذكرك شيئا من هذا الباب تعمل وفي تثبيته لك أو لغيرك.
ومثل ما تنصبه في هذا الباب وأنت تعني نفسك قول الشّاعر:
سماع الله والعلماء أنّي أعوذ بحقو خالك يا ابن عمرو) (١)
كأنه قال: أسمع الله هذا، كما تقول: أشهد الله بهذا على نفسي، وسماع الله بمنزلة إسماع الله كأنه قال: أسمع الله إسماعا، كما تقول: ما أنت إلا ضربا النّاس إذا نوّنت، وإن لم تنوّن قلت: إلا ضرب الناس، ولو نوّن في سماع الله لقال: سماعا الله والعلماء، بمعنى: إسماعا الله، كما تقول أعطيته عطاء على معنى: أعطيته إعطاء.