(وذلك قولك: مررت بهم جميعا وعامّة وجماعة، كأنك قلت مررت بهم قياما).
قال سيبويه: (وإنما فرقنا بين هذا الباب والباب الأول لأنّ الجميع والعامة اسمان متصرفان، تقول: كيف عامتكم؟، وهؤلاء قوم جميع، فإذا كان الاسم حالا يكون فيه الأمر لم تدخله الألف واللام ولم يضف).
قال أبو سعيد:- ﵀- اعلم أنك إذا قلت: مررت بهم جميعا فله وجهان:
أحدهما: أن تريد مررت بهم وهم مجتمعون؛ كما قال الله ﷿: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (١).
والآخر أن تريد مررت بهم فجمعتهم بمروري، وإن كانوا متفرقين في مواضع، فإن أردت الوجه الأول فهو حال لا وجه له غيره.
وإن أردت الوجه الثاني جاز أن يكون في موضع مصدر بإضمار فعل آخر كأنه قال: جمعتهم جمعا في مروري.
وإن صيرناه حالا فعلى نحو قوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (٢) وقولهم:
قم قائما، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
وعامة وجماعة بمنزلة جميع، ولا يجوز أن تقول: مررت بهم الجميع والعامة والجماعة، ولا مررت بهم جميعهم وجماعتهم، كما لا يجوز ضربته القائم تريد قائما، ولا ضربتهم قائمهم تريد قائمين، وإنما جاز مررت بهم خمستهم؛ لأنه على مذهب الخليل وسيبويه يجعل خمستهم بمنزلة المصدر كقولهم طاقته وجهده، والجمّاء الغفير بمنزلة العراك وطرّا وقاطبة حين لم يكونا موصوفين بمنزلة الجمع؛ لأنّ القطب في الأصل هو:
ضمّ الشيء، تقول: قطبت الشيء أي: ضممته وجمعته، والطّرّ: مأخوذ من أطرار الطريق
_________________
(١) سورة القمر، الآية: ٤٤.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٩.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وهي: جوانبه، وصار طرّا وقاطبة في معنى جمعا، وصار نصبها كنصب مررت بهم جمعا، ورأيته مكافحة وفجاءة.
قال سيبويه: (فجعلت هذه يعني الجمّاء الغفير بمنزلة المصادر المعروفة البيّنة، يعني: العراك وما جرى مجراه، كما جعلوا عليك ورويدك كالفعل المستعمل، وكما جعلوا لبّيك، وسبحان بمنزلة سقيا وحمدا، وهذا تفسير الخليل.
ومعنى قولهم: جعلهم عليك، ورويدك كالفعل المستعمل فإنّ عليك زيدا بمنزلة خذ زيدا، ورويدك كقولك: أمهل زيدا، وكجعلهم لبيك وسبحان وإن كانا غير متصرفين بمنزلة حمدا وسقيا في النصب، وتقدير ناصب ينصبها).
وقد حكي عن المازنيّ أنه قال: يقال طررت القوم إذا مررت بهم جميعا، وإذا صح هذا لم يوجب تمكّن " طرّا " لا يكون مأخوذا من لفظ " طرّ " كما أخذ " سبّح " من لفظ " سبحان "، وهلل من قولك: لا إله إلا الله.
قال: (وزعم يونس أنّ " وحده " بمنزلة عنده وأن " خمستهم " و" الجمّاء الغفير " و" قضّهم " بمنزلة قولك: جميعا وعامّة، وكذلك طرّا وقاطبة عنده بمنزلة وحده، وجعل المضافة منه بمنزلة " كلّمته فاه إلى فيّ "، وليس مثله لأن الآخر هو الأول عند يونس، وفاه إلى فيّ ههنا غير الأول، وأما طرّا وقاطبة فأشبه ذلك لأنّه جيّد أن يكون حالا غير أن المصدر نكرة، والذي نأخذ به الأول).
قال أبو سعيد: مذهب يونس أن الجمّاء الغفير اسم؛ لأنّه موضع المصدر وأن الألف واللام في نية الطرح، وقد ردّ هذا سيبويه بأنّ " فاه إلى في " غير الأول، و" وحده " عند يونس هو الأوّل، ومعنى ذلك أن يونس يجعل " وحده " إذا قلت: " مررت به وحده " بمنزلة متوحّدا ومنفردا، ويجعل المرور به، وكذلك إذا قلت: لقيته وحده جعلت " وحده " بمعنى منفردا وجعلته الملقيّ، وتقول: " كلّمته فاه إلى فيّ " معناه معنى المشافهة، وذلك وجه آخر.
قال يونس: " مررت به وحده "، معناه على حياله في موضع الظّرف، وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدّر فيه مستقرّ ناصب للظرف، ومستقر هو الأول.
وأما مذهب سيبويه في " وحده " فالذي قال المبرّد: إنه يحتمل أن يكون الفاعل والمفعول به، أما كونه للمفعول به فهو أن تقول: مررت به وحده أي: منفردا في مكانه
[ ٢ / ٢٦٤ ]
لم يكن معه غيره.
والآخر: أن تجعل قصدك إليه دون غيره؛ فتقول: مررت به وحده أي: لم أعتمد غيره في مروري.
وكان الزجّاج يذهب إلى أنّ وحده مصدر هو للفاعل دون المفعول فإذا قلت:
مررت به وحده، كأنك قلت: أفردته إفرادا، ثم إنّ سيبويه جعل يونس في جعله طرّا وقاطبة اسمين لا مصدرين أعذر منه في الجمّاء الغفير لأنّهما نكرات وهما اسمان، غير أنه لا يقول بقوله من أجل أنه لو كانا اسمين لجاز أن يستعملا متمكنين؛ لأن هذا مثل التي تستعمل أحوالا.
(وأما كلّهم وجميعهم وأجمعون وعامّتهم وأنفسهم فلا تكون أبدا إلا صفة).
قال أبو سعيد: يعني توكيدا لما قبله وجاريا عليه.
وتقول: " هو نسيج وحده " فهو مدح، وأصله أنّ الثوب إذا كان مرتفعا لا ينسج على منواله معه غيره، فكأنه قال نسيج إفراده، ويقال: هذا للرجل إذا أفرد بالفضل.
وأما " عيير وحده " و" جحيش وحده " فهو تصغير عير وهو: الحمار وجحش وهو:
ولد الحمار، ويذمّ بهذا الرّجل، وهو الذي ينفرد فيما يخصّه بفعله ولا يخالط أحدا في رأي ولا معونة ولا يدخل في معونة أحد، ومعناه: أنه ينفرد بخدمة نفسه، وقد يقال:
جحيش نفسه وعيير نفسه على ذلك المعنى.