(والأسماء المبهمة: هذا، وهذان، وهذه، وهاتان، وهؤلاء، وذلك، وذانك، وتلك، وتانك، وتيك، وأولئك، وهو، وهي، وهما، وهن، وما أشبه ذلك من هذه الأسماء، وما ينتصب لأنه خبر للمعروف المبني على الأسماء غير المبهمة.
فأمّا المبني على الأسماء المبهمة، فقولك: هذا عبد الله منطلقا، وهؤلاء قومك منطلقين، وهذا عبد الله ذاهبا، وهذا عبد الله معروفا.
ف (هذا): اسم مبتدأ ليبنى عليه ما بعده، وهو: عبد الله، ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يبنى عليه أو يبنى هو على ما قبله، فالمبتدأ مسند، والمبني عليه مسند إليه، فقد عمل هذا فيما بعده مما يعمل الجارّ والفعل فيما بعده، والمعنى أنك تريد أن تنبهه له منطلقا، لا تريد أن تعرّفه عبد الله، لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا، ف
(منطلق): حال صار فيها عبد الله، وحال بين منطلق وهذا، كما حال بين راكب والفعل حين قلت: جاء عبد الله راكبا، صار جاء ل (عبد الله) وصار الراكب حالا، فكذلك هذا، وذاك بمنزلة هذا، إلا أنك إذا قلت: هذا فأنت تنبّه لشيء بحضرتك، وإذا قلت: ذاك فأنت تنبّه لشيء متراخ، وهؤلاء بمنزلة هذا، وأولئك بمنزلة ذاك، وتلك بمنزلة ذاك، وكذلك هذه الأسماء المبهمة التي توصف بالأسماء التي فيها الألف واللام).
قال أبو سعيد: ترجم الباب بما ضمنه من الأسماء المبهمة، وفصّلها، ومثّلها، ووصل بها ما ليس مبهم من الأسماء المضمرة وهو، وهي، وهما، وهم، وهن، وإنما خلطها بالمبهمة لقرب الشبه بينهما، ولأنه بني عليها مسائل في الباب، وعلى أنّ أبا العباس المبرد قال:
علامات الإضمار كلها مبهمة، والمبهم على ضربين:
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فمنه ما يقع مضمرا، ومنه ما يقع غير مضمر.
وإنما صارت كلها مبهمة من قبل أنّ هو وأخواتها، وهذا وأخواتها تقع على كل شيء ولا تفصل شيئا من شيء من الموات والحيوان وغيره.
وأمّا النصب في: هذا عبد الله منطلقا، وما ذكره معه فعلى الحال، والعامل فيه أحذ شيئين:
إمّا التنبيه وإمّا الإشارة.
فأمّا التنبيه فهو ب (هاء)، وأمّا الإشارة فهي ب (ذا)، فإذا أعملت التنبيه فالتقدير:
انظر إليه منطلقا، وأمّا إذا أعلمت الإشارة فالتقدير: أشير إليه منطلقا، والمقصد أنك أردت أن تنبه المخاطب ل (عبد الله) في حال انطلاقه، ولا بد من ذكر منطلقا، لأن الفائدة به تنعقد، ولم ترد أن تعرّفه إياه وأنت تقدر أنه يجهله، كما تقول: هذا عبد الله، إذا أردت هذا المعنى.
فإن قال قائل: إذا استغنى الابتداء بخبره في قولك: هذا، فما الذي يضطر إلى ذكر ما ليس بابتداء ولا خبر، وإنما هو حال والحال مستغنى عنها؟
قيل له: قد يتصل بالاسم والخبر ما ليس باسم ولا خبر، ولا يتم الكلام إلا به كقوله ﷿: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (١)، لو حذفنا (له) وليس هو باسم ولا خبر، لبطل الكلام، ولو قلنا: ما في الدنيا رجل يبغضك، لكان يبغضك في موضع الصفة لرجل، ورجل مبتدأ، وفي الدنيا خبره، وإنما الاعتماد على نفي البغض، وإنما ذكرت رجلا ليعتمد يبغضك عليه في تصحيح اللفظ، لأنه لو قال: ما في الدنيا يبغضك، لم يجز، ولو قال: ما في الدنيا مبغض لك، لقبح حيث حذفت الموصوف في موضع يحتاج فيه إلى اسم، والأصل في ذلك: عبد الله منطلق، عبد الله: مبتدأ، ومنطلق:
خبره، ثم اتفق لك قرب عبد الله منك وأردت أن تنبه المخاطب عليه، فأدخلت هذا للتقريب والتنبيه، وهو اسم فلا بد له من موقع في الكلام ولإصلاح اللفظ، وهو أول الكلام، فرفع هذا بالابتداء وجعل عبد الله خبره، فاكتفي به ونصب منطلقا على الحال على ما شرحناه.
ولا يستغنى عن منطلق لأنه خبر في المعنى، كما لا يستغنى عن الرجل في قولك: يا
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ٤.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
أيها الرجل، وإن كان صفة لأيّها، لأن الرجل هو المقصود بالنداء في الأصل.
والكوفيون يسمون هذا (التقريب) وفيه وفي أمثاله كلام يطول.
والإشارة بذاك إلى الشيء المتراخي كالإشارة بهذا إلى ما قرب.
وأما قوله: (المبتدأ مسند والمبني عليه مسند إليه)، فقد ذكرنا فيه في أول الكتاب وجوها، هذا واحد منها.
قال: (وأمّا هو فعلامة مضمر وهو مبتدأ، وحال ما بعده كحاله بعد هذا، وذلك قولك: هو زيد معروفا، فصار المعروف حالا، وذلك أنك ذكرت للمخاطب إنسانا كان يجهله أو ظننت أنه يجهله، وكأنك قلت: انتبه أو الزمه معروفا، فصار حالا، كما كان المنطلق حالا حين قلت: هذا زيد منطلقا، والمعنى أنك أردت أن توضح أن المذكور زيد حين قلت: معروفا، ولا يجوز أن تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف، لأنه يعرّف ويؤكّد، فلو ذكر هاهنا الانطلاق كان غير جائز، لأن الانطلاق لا يوضح أنه زيد ولا يؤكده.
ومعنى قوله: معروفا لا شكّ فيه وليس ذا في منطلق.
وكذلك: هو الحقّ بيّنا ومعلوما، لأنّ ذا مما يوضح ويؤكّد به الحق، وكذلك:
هي، وهما، وهم، وهنّ، وأنا، وأنت، وأنت.
قال ابن دارة:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي وهل بدارة يا للنّاس من عار) (١)
قال أبو سعيد: اعلم أن النصب في: هذا زيد منطلقا، على غير وجه النصب في قولنا: هو زيد معروفا.
ويبين ذلك لك أنك لا تقول: هو زيد منطلقا، فعلمت أن النصب فيهما مختلف.
أمّا النصب في: هذا عبد الله منطلقا، فقد ذكرناه.
أمّا نصب: هو زيد معروفا، فعلى جهة التوكيد لما ذكرته، وخبّرت به، وذلك أنك إذا قلت: هو زيد، فقد خبّرت بخبر
يجوز أن يكون حقا، ويجوز أن يكون باطلا، وظاهر الإخبار يوجب أن المخبر يحقق ما خبّر به، فإذا قال: هو زيد معروفا، فكأنه قال: لا
_________________
(١) الخزانة ١/ ٥٥٣، سيبويه ١/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
شكّ فيه، وكأنه قال: أحقّ ذلك، والعامل فيه أحقّ وما أشبهه، وليس في هو ولا في زيد معنى فعل يعمل في (معروفا)، ولكن الجملة دلّت على أحقّ وأعرف أو نحو ذلك.
ومن أجل ذلك لم يجز أن تقول: هو زيد منطلقا، لأنه لو صحّ له انطلاقه لم يكن فيه دلالة على صدقه فيما قاله، كما أوجب قوله: معروفا له نسبي، أنه أنبّه.
وكل ما أوردت من الحال مما فيه توكيد للإخبار جاز، (كقولك: هو عبد الله، وأنا عبد الله فاخرا أو موعدا، أي أعرفني كما كنت تعرفني، وبما كان يبلغك عني، ثم تفسر الحال التي تعلمه عليها أو تبلغه، فيقول: أنا عبد الله كريما جوادا، وهو عبد الله شجاعا بطلا)، وهذه الصفات وما جانسها مما يكون مدحا في الإنسان يعرف بها، جوز أن تأتي مؤكدة للخبر، لأنها أشياء يعرف بها فذكرها مؤكد لذاته.
فأمّا منطلقا وقاعدا وما أشبه ذلك مما لا يعتد به الإنسان في مدح ولاذم، فلا يكون تحقيقا للإخبار.
ومن ذلك قولك: (إني عبد الله، إذا صغرت نفسك لربك، ثم تفسر حال العبد فتقول: أكلا كما يأكل العبد)، فأكلك كما يأكل العبد قد حقق أنك عبد الله، فعلى هذا المعنى ونحوه يصح ذلك ويفسد.
قال: (وإذا ذكرت شيئا من هذه الأشياء التي هي علامة للمضمر، فإنه محال أن يظهر بعدها الأسماء وإذا كنت تخبر عن عمل أو صفة غير عمل ولا تريد أن تعرّفه بأنّه زيد أو عمرو)، يعني: أنك إذا أردت أن تخبر عن الضمير بعمل أو صفة غير عمل، قلت: أنا منطلق، وهو ذاهب، وأنا معروف، وهو شجاع، وأنا كريم، وما أشبه ذلك، ولم يجز أن تقول: أنا زيد كريم، ولا هو عمرو شجاع، فتجعل زيدا بيانا ل (أنا)، وعمرا بيانا ل (هو)، لأنهما مستغنيان عن إنسان، وإنما تقول: أنا زيد، وهو عمرو، إذا كنت تعرّف من يجهل أنّك زيد وأنه عمرو، ثم تأتي بعده الحال التي هي حقيق له على نحو ما ذكرناه.
قال سيبويه: (ولو أن رجلا من إخوانك ومعرفتك أراد أن يخبرك عن نفسه، أو عن غيره بأمر فقال: أنا عبد الله منطلقا، وهو زيد منطلقا، كان محالا لأنه إنما يريد أن يخبرك بالانطلاق، ولم تقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأنّ هو وأنا علامتان للمضمر وإنما يضمر إذا علم أنّك قد عرفت من يعني) وقد بيّنا هذا.
ثم قال: (إلا أن رجلا لو كان خلف حائط أو في موضع تجهله فيه فقلت: من
[ ٢ / ٤٠٨ ]
أنت؟ فقال: أنا زيد منطلقا في حاجتك، كان حسنا).
وإنما استحسنه سيبويه في هذا الموضع لأنه كان عهده منطلقا في حاجته من قبل أن يقول له: من أنت؟، فصار ما عهده به بمنزلة شيء ثبت له في نفسه كشجاع وبطل وكريم، فنصبه كنصب: أنا عبد الله كريما، وهو عبد الله شجاعا بطلا.
قال: (وأمّا ما ينتصب لأنه خبر لمبنيّ على اسم غير مبهم، فقولك: أخوك عبد الله معروفا، هذا يجوز فيه جميع ما جاز في الاسم الذي بعد هو وأخواتها، ويحال فيه ما يحال في الأسماء المضمرة).
قال أبو سعيد: أخوك عبد الله معروفا، جائز كما يجوز: أنا عبد الله معروفا، وأخوك عبد الله منطلقا، لا يجوز، أنا عبد الله منطلقا، لأن أخوك إذا كان للنسب فليس هو فيه معنى فعل ينتقل فيكون أخاه في حال دون حال، فلو قلت: أخوك عبد الله منطلقا، فكأنه أخوه في حال انطلاقه دون غيرها وقد علم أن (أخوة) النسب لا تنتقل، ولو قلت:
أخوك عبد الله منطلقا، وأنت تريد به المؤاخاة والمصادقة قد جاز لأنها تنتقل، وإنما جاز:
أخوك عبد الله معروفا وما جرى مجراه مما يحقق به الإخبار، كما جاز لأنها تنتقل، وإنما جاز: أخوك عبد الله معروفا وما جرى مجراه مما يحقق به الإخبار، كما جاز: أنا عبد الله معروفا، لأنه توكيد للخبر والعامل فيه أحقّ ذلك وما أشبهه.
وتوكيد الجملة ب (أحقّ) ونظائره كتوكيدها باليمين إذا قلت: أخوك عبد الله وأنا عبد الله والله، وإنما هي جملة يؤكّد بها جملة.
وكان أبو إسحاق الزجاج يقول في قوله: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي، يجعل الخبر نائبا عن مسمى ويجعل فيه ذكرا من الأول، ويجعل العامل في (معروفا) هو خبر الاسم الموضع موضع الاسم.
والقول عندي هو الأول، والله أعلم.