" وذلك قولك: هذا قائما رجل، وفيها قائما رجل، وهو قائما رجل، ولما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم وقبح أن تقول: فيها قائم، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم. جعلت قائما حالا، وكان المبنيّ على الكلام الأوّل ما بعده. ولو حسن أن تقول: فيها قائم، لجاز فيها قائم رجل، لا على الصفة، ولكنّه كأنه لمّا قال فيها قائم، قيل له: من هو؟ وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله. وقد يجوز على ضعفه.
وحمل هذا النصب على جواز فيها رجل قائما، وصار حين أخّر وجه الكلام فرارا من القبح. قال ذو الرمّة:
وتحت العوالي والقنا مستظلة ظباء أعارتها العيون الجآذر (١)
_________________
(١) ديوانه ٢/ ١٠٢٤.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وقال آخر:
وبالجسم منّي بيّنا لو علمته شحوب وإن تستشهدي العين تشهد (١)
وقال كثير:
لعزّة موحشا طلل قديم (٢)
وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام ".
قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن يكون اسم منكور له صفة تجري عليه، ويجوز نصب صفته على الحال، والعامل
في الحال شيء متقدم لذلك المنكور، ثم تتقدم صفة ذلك المنكور عليه لضرورة عرضت لشاعر إلى تقديم تلك الصفة، فيكون لفظ الاختيار في لفظ تلك الصفة أن تحمل على الحال، مثال ذلك: هذا رجل قائم، وفى الدار رجل قائم، هذا مبتدأ، ورجل خبره، وقائم نعت رجل. وفي الدار رجل قائم، رجل مبتدأ، وفى الدار خبر مقدم، وقائم نعت رجل، ويجوز نصب قائم في المسألتين جميعا، وأمّا في هذا رجل قائما، فالعامل فيه التنبيه أو الإشارة، وأمّا في الدار رجل قائما، فالعامل فيه الظرف، والاختيار الصفة، فلما احتاج إلى تقديم مستظلة على ظباء وقد كان قبل تقديمها تقديره:
" وتحت العوالي في القنا ظباء مستظلة " على الاختيار، ومستظلة على الجواز، ثم احتاج إلى تقديمها على ظباء، فلم يصلح أن ترتفع على الصفة لشيء بعدها؛ لأن الصفة لا تكون إلا بعد الموصوف، وكانت الحال تتقدم وتتأخر، نصبت على الحال، وعامل الحال قد تقدم، وكذلك قوله:
" وبالجسم مني بيّنا لو علمته شحوب " أصله: وبالجسم منيّ شحوب بيّن على الصفة، وبينا على الحال، والعامل فيه الظرف الذي ناب عنه وبالجسم، فلما تقدم بطلت الصفة وبقي النصب على الحال، وكذلك، لعزة موحشا على الصفة، وكان يجوز موحشا طلل قديم، أصله: لعزة طلل قديم موحش على الصفة، وكان يجوز موحشا على الحال، والعامل فيه لعزة، فلمّا قدمت نصبته على الحال، ولم يكن يحسن أن تقول: فيها قائم؛
_________________
(١) البيت بلا نسبة في معجم الشواهد النحوية ٢٧٨، وشرح الأشموني ٢/ ٧٥.
(٢) هذا صدر بيت وعجزه: عفاه كل أسحم مستديم البيت في ملحق ديوانه ٥٣٦.
[ ٢ / ٤٥١ ]
لأن قائما صفة لا يحسن وضعها في موضع الأسماء، ولو حسن أن تقول فيها قائم لجعلت رجلا بدلا منه، أو يكون رفعه على الاستئناف، وكأنك قلت: هو رجل على سؤال من قال: من هو؟
قال: " وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر وأقل ما يكون في الكلام " يعني أن طلب وزن الشعر ربما يضطر الشاعر إلى التقديم، فيخرج إلى تقديم الصفة التي ذكرنا على الموصوف، وإذا قدّمت الصفة على الظرف بطل النصب. لا تقول: قائما فيها رجل، وقد ذكرنا أن العامل في الحال إذا كان ظرفا أو إشارة أو تنبيها لم يتقدم الحال عليه، لا تقول:
زيد قائما في الدار، ولا قائما زيد في الدار، ولا قائما في الدار زيد، ولا قائما هذا زيد، وإنما يتقدم الحال على العامل إذا كان العامل فيها فعلا، كقولك: راكبا مرّ زيد، وراكبا مرّ الرجل؛ لأن الظروف والإشارة لا تتصرف كتصرف الفعل، فضعف عملها في ما قبلها، وإن كانت قد أنزلت منزلة الفعل في كونها خبرا للاسم، ووقع في النسخ وهو قائما رجل، فهو عندي سهو تناسخه الناس ولم يعتقد، ونصبه إن جاز بشيء متأول بعيد، كأن قائلا قال: على أي حال زيد رجل؟ يريد من الرّجلة والشهامة، فقال المجيب: هو قائما رجل؛ أي إذا كان قائما، كما يقال: هذا يسرا أطيب منه نحرا.
قال سيبويه: " ومن ثمّ صار مررت قائما برجل لا يجوز؛ لأنّه صار قبل العامل في الاسم، وليس بفعل والعامل الباء ولو حسن هذا لحسن قائما هذا رجل "
قال أبو سعيد: إذا عمل في الاسم الذي الحال منه عامل لا يجوز تقديمه عليه، نحو حروف الجر، لم يجز تقديم الحال على عامله. لا تقول: مرّ زيد قائمة بهند؛ لأن هندا لا يجوز تقديمها على الباء، والحال تابعة للاسم، فلم يجز تقديمها عليه، وإن كان العامل فيها الفعل، ورأيت أبا الحسن بن كيسان يجيز في القياس مررت قائمة بهند.
قال سيبويه: " فإن قال قائل: أقول مررت ب (قائما) رجل، فيكون الحال بعد حرف الجر، فهذا أقبح وأخبث للفصل بين الجار والمجرور، ومن ثمّ أسقط ربّ قائما رجل. فهذا كلام قبيح ضعيف، فاعرف قبحه، فإنّ إعرابه يسير. ولو استحسنّاه لقلنا:
هو بمنزلة فيها قائما رجل، ولكنّ معرفة قبحه أمثل من إعرابه.
وأمّا بك مأخوذ زيد، فإنّه لا يكون إلّا رفعا، من قبل أنّ بك لا يكون مستقرا للرجل، وعلى ذلك أنه لا يستغنى عليه السكوت. ولو نصبت هذا لنصبت اليوم
[ ٢ / ٤٥٢ ]
منطلق زيد، واليوم قائم زيد.
وإنما ارتفع هذا لأنه بمنزلة بك مأخوذ زيد. وتأخير الخبر في الابتداء أقوى؛ لأنه عامل فيه.
ومثل ذلك: عليك نازل زيد؛ لأنك لو قلت: عليك زيد، وأنت تريد النزول، لم يكن كلاما.
وتقول: عليك أميرا زيد؛ لأنك لو قلت: عليك زيد وأنت تريد الإمرة كان حسنا. وهذا قليل في الكلام، كثير في الشعر؛ لأنه ليس بفعل. وكلّما تقدّم كان أضعف له وأبعد، فمن ثمّ لم يقولوا: قائما فيها رجل، ولم يحسن حسن: فيها قائما رجل "
قال أبو سعيد: الظروف على ضربين أحدهما: أسماء الزمان والآخر أسماء المكان، فأمّا أسماء الزمان فإنها تكون
ظروفا للمصادر وأخبارا لها كقولنا: القتال يوم الجمعة، ورحلنا يوم الخميس. ولا تكون ظروفا للجثث وأخبارا لها، لا تقول: زيد يوم الجمعة، وتسكت حتى تقوّيه بخبر لزيد كقولنا: اليوم منطلق زيد، واليوم قائم زيد، والفرق بين ظروف الزمان والمكان، أن ظروف الزمان إنّما هي أشياء تحدث وتنقضي، ولا يثبت شيء منها، وما وجد من الزمان فهو مشتمل على كل موجود، والجثث كلها موجودة.
فإذا جعلنا ظرف الزمان ظرفا لبعض الجثث، وقد علم أنه قد اشتمل على الجثث كلها، فلا فائدة فيه؛ لأنّا إذا قلنا: زيد اليوم، وقد علم أنّ اليوم قد اشتمل عليه وعلى غيره، فلا فائدة فيه، وأمّا المصادر فإنها غير موجودة، وتحدث في أوقات. فإذا جعل ظرف الزمان لشيء من المصادر، فإنّما تدلّ على حدوث ذلك المصدر في ذلك الزمان، وفيه فائدة يجوز أن لا يعلمها المخاطب.
وأمّا ظروف المكان فإنها تكون أخبارا، فأي مكان جعلته مستقرا لشيء يكون فيه، جاز أن يكون ظرفا له وخبرا. فما كان منها مخوضا أدخلت عليه (في) أو ما يقوم مقامها، كقولنا: زيد في الدار، وفي السوق، وأخوك على الجبل، وعلى السور. وما اتصل من حروف الجر بالأسماء غير الأماكن فهو صلة لفعل أو خبر اسم، ولا يجوز حذف ما هو في صلته، كقولك: زيد راغب في عمرو، وأخوك نازل عليك، وزيد يرغب فيك، وينزل عليك، وزيد يؤخذ بك، وزيد مأخوذ بك، ولا يجوز أن تقول: زيد فيك، وأنت زيد راغب، ولا زيد عليك، وأنت زيد نازل، ولا زيد بك وأنت زيد مأخوذ؛ لأن هذه
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الحروف قد يتعلق عليها أخبار كثيرة مختلفة المعاني، فإذا حذفت لم يدر أيّها يراد. ألا ترى أنك إذا قلت: زيد بك، احتمل وجوها كثيرة نحو: زيد بك يستعين، وزيد بك يتحمّل، وزيد بك مأخوذ، وما أشبه ذلك، وكذلك: زيد فيك؛ جاز أن تعني: راغب وزاهد.
وكذلك إذا قلت: زيد عليك، جاز أن يكون عليك يعتمد وعليك ينزل، وعليك يثني، ونحو ذلك فإذا قلت: زيد بك وأنت تريد (مأخوذ) أو زيد عليك وأنت تريد (نازل)، ثم حذفت مأخوذا ونازلا بطل الكلام، لأنهما خبران لا بدّ منهما، وإنما جاز أن تقول: زيد في الدار أو في السوق أو ما أشبه ذلك من الأماكن؛ لأن هذه الأشياء محالّ لزيد، وأن القصد فيها أنه قد استقرّ فيها أو حلّها، ولا يذهب الوهم في قولك: زيد في الدار أو في السوق، أنه يرغب في الدار أو يزهد فيها لما قد عرف بالعادة من أن القصد إلى حلوله فيها. فصار قولك: (في الدار) خبرا يتم الكلام به، وإذا تم الكلام بظرف وصار خبرا، جاز نصب ما بعده من الصفات على الحال؛ ولهذا جاز نصب: عليك أميرا زيد، ولا يجوز: عليك نازلا زيد. وقوله في آخر الباب: " وهذا قليل في الكلام كثير في الشعر " يريد تقديم الحال على الاسم
الذي منه الحال إذا كان العامل ظرفا ليس بكثير في الكلام، والكثير أن يكون الحال بعد الظرف والاسم جميعا، ألا ترى أنك لا تكاد تجد في كلام العرب: إنّ في الدار قائما زيدا، وإن زيدا في الدار قائما. والذي وجد في القرآن قد تقدمت فيه الأسماء على الأحوال، كقوله ﷿: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ (١) وإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فاكِهِينَ (٢) والله أعلم.