(وذلك قولك: هذا بسرا أطيب منه تمرا، فإن شئت جعلته: حينا قد مضى، وإن شئت جعلته: حينا مستقبلا غير أنه لا بد على دليل على المضي منه والاستقبال).
قال أبو سعيد: الباب إنما يأتي لتفضيل شيء في زمن من أزمانه على نفسه في سائر الأزمان، فيجوز أن يكون الزمان الذي فضل فيه ماضيا، وأن يكون مستقبلا غير أنه لا بد من دليل على المعنى منه، والاستقبال بحسب ما يفضل من ذلك، فإن كان زمانا ماضيا أضمرت أن، وإن كان مستقبلا أضمرت إذ، فإذا قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، وكانت الإشارة إليه في حال ما هو تمر أو رطب، فالتفضيل لما مضى والتقدير لهذا: إن كان بسرا أطيب منه إذ كان تمرا فهذا مبتدأ، وخبره أطيب منه، وبسرا وتمرا جميعا حالان من المشار إليه في زمانين، والعامل في الحال (كان)، وفي كان ضمير من المبتدإ.
وقوله: (مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون).
فأخبث الأول حال من الرجل، وأخبث الثاني نعت له في موضع خفض، إلا أنه لا ينصرف، وأخبث الثالث في موضع الحال من كان منك، والتقدير: مررت برجل إذا كان أخبث ما يكون، أو إذا كان أخبث ما يكون إذا كنت أخبث ما تكون، ولو رددت هذا
_________________
(١) البيت منسوب لأمية بن أبي عائذ، خزانة الأدب ١/ ١٤٧، ٢/ ٣٠١، ديوان الهذليين ٢/ ١٨٤.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
إلى ما يبين فيه الإعراب لقلت: مررت برجل شر ما يكون شر منك شر ما تكون، وكذلك: مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون، وهو أخبث منك إذا كنت أخبث منك إذا كنت أخبث ما تكون.
وهذا كله على التقدير الذي ذكرته لك، ونصبه على الحال، والعامل كان، وإن شئت فقلت مررت برجل خير ما يكون أي: خير أحواله، وخير منك خير، والتقدير:
خير أحواله خير من أحوالك وهذا كلام على المجاز والمستعمل أن تقول: زيد خير منك، أو حال زيد خير من أحوالك فتخبر عن الأول بما يشاكله، وإنما جاز أن تقول: خير أحواله خير منك على نحو مجاز قولهم: نهارك صائم وليلك قائم، وإنما معناه: صاحب نهارك، وصاحب ليلك، والمخاطب هو صاحب الليل والنهار، ثم قال سيبويه:
(وتقول: البرّ أرخص ما يكون قفيزان، أي البرّ: أرخص أحواله التي يكون عليها قفيزان)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: البرّ: مبتدأ، وأرخص ما يكون: مبتدأ ثان، وقفيزان: خبر المبتدأ الثاني، والجملة: خبر للبرّ، والعائد إليه محذوف، تقديره: أرخص ما يكون منه ومعناه:
أرخصه قفيزان، والحذف في هذه الأشياء مطرد، وقد مضى نحوه، فأما البيت الذي أنشده سيبويه وهو:
الحرب أوّل ما تكون فتيّة تسعى ببزّتها لكلّ جهول (١)
ففيه ثلاثة أوجه: وجه يرفع فيه: أول، وفتية.
والثاني: نصب أول ورفع فتية.
والثالث: رفع أول ونصب فتية.
فمن رفع أول وفتية وأنت تكون، فإنه جعل الحرب مبتدأ وأول مبتدأ ثان، وفتية خبر أول وكان حقه أن يكون أول فتى، لأنه خبر أول، وأول مذكر، ولكنه حمله على المعنى، وأنث لأن المعنى أول أحوالها، نحو قولك: بعض أحوالها، فأنث المضاف لتأنيث المضاف إليه، كقولهم:
_________________
(١) البيت لعمرو بن معديكرب شرح ديوان الحماسة للمرزوقي/ ٢٥٢، ٣٦٨، وشروح سقط الزند/ ١٦٧٨.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ذهبت بعض أصابعه إذا بعض السنين تعرفتنا
ومن نصب أول ورفع فتية، جعل فتية خبر الحرب، وجعل أول: ظرفا له، كأنه قال: الحرب فتية في أول ما تكون، وحذف في، وأما من رفع أول ونصب فتية على الحال، فكأنه قال: الحرب أول ما تكون إذا كانت فتية.
ويجوز فيه وجه رابع، وهو نصب أول وفتية ويجعل الحرب مبتدأ، ويجعل خبرها:
تسعى، ويجعل أول ظرفا، ينصبه ب (تسعى)، وتكون فتية خبر تكون. قال سيبويه:
(وأما عبد الله أحسن ما يكون قائما، فلا يكون فيه إلا النصب لأنه لا يجوز لك أن يجعل أحسن أحواله قائما على وجه من الوجوه).
قال أبو سعيد: كان الأخفش يجيز رفع قائم، وأجازه المبرد كان التقدير إذا قلت:
أحسن ما يكون، فقد قلت: أحسن أحواله، وأحسن أحواله هو عبد الله ويكون قائما خبرا له، وعلى مذهب سيبويه إذا قلت: أحسن ما يكون، فمعناه: أحسن أحواله، وأحواله ليست إياه، وقائم هو عبد الله، ولا يجوز أن يكون خبرا لأحسن، وهذا اختيار الزجاج، وهو عندي الصحيح ولأنا إذا قلنا: زيد أحسن أحواله قائم لم يجز لأن قائما ليس من أفعاله، فإن قيل: فقد قال: عبد الله أحسن صفاته قائم فما تنكر أن يكون مصدر الفعل، وإذا كان كذلك صار بمنزلة: أحسن أفعاله وصفاته: قائم، وقاعد، ونائم، ونحو ذلك، وقائم بعض صفاته وكان المبرد لا يجيز: عبد الله أحسن ما يكون القيام. ونصب قائما عند سيبويه على معنى: عبد الله أحسن ما يكون إذا كان قائما على ما ذكرنا في أول الباب، والعامل في إذا، وإذ فيما تقدم من قوله:
هذا بسرا أطيب منه تمرا أطيب.
وإنما جاز أن يعمل فيها أطيب وإن كان أطيب لا يتصرف ولا يعمل فيما قبله من الحال والمصدر، لأن ما يعمل في الظروف قد يكون ضعيفا متأخرا. يعمل بمعناه.
ألا ترى أنك تقول: زيد الساعة في الدار، ولا تقول: زيد قائما في الدار، وتقول:
زيد الساعة أخوك تريد به الصداقة، ولا تقول: زيد قائما أخوك، وإن أردنا به الصداقة.
وتقول: زيدا أخوك أخوّة مؤكدة، ولا تقول: زيد أخوة مؤكدة أخوك، فأطيب في قلة تمكنه وعمله، بمنزلة أخوك في قلة تمكنه وعمله في التأويل بلفظ الفعل وبالجري مجراه وحملنا قولنا: بسرا في النصب على إضمار ظرف من الزمان وكان أولى الظروف
[ ٢ / ٢٩١ ]
بذلك إذ وإذا اللذين يتضمنان ما مضى وما يستقبل من الزمان إذ كان التفضيل الواقع في ذلك يكون للماضي والمستقبل، ووصلا بكان لأنها موضوعة للعبارة عن الزمان والذي بعده من الحال منصوب بكان والذي عمل فيه أطيب هو الظرفان " إذ "، و" إذا " على ما ذكرنا من عمل ما يعمل من غير المتمكن في الظرف المتقدم وكان بمعنى وقع.
قال سيبويه: (وتقول: عبد الله أخطب ما يكون يوم الجمعة والبداوة أطيب ما يكون شهري ربيع). وذكر الباب.
قال أبو سعيد: نصب يوم الجمعة وشهري ربيع على الظرف ومن رفع يوم الجمعة وشهري ربيع، فلأن أخطب ما يكون بمنزلة المصدر، وقد يخبر عن المصادر بالظرف من الزمان، ثم يجوز في ظروف الزمان إذا كان معرفة أو ما جرى مجراه نصب الظروف ورفعه، فمن نصب قال: القتال يوم الجمعة، كما تقول: زيد خلفك، والناصب تقديره:
القتال كائن يوم الجمعة، ومن رفع فالتقدير: وقت القتال يوم الجمعة، وذلك مطرد.
وأما إذا كان ظرف الزمان نكرة مؤقتا، فإن أكثر كلام العرب الرفع كقولك: سيرنا يومان، ومقامنا شهران، قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (١)، وقال ﷿:
غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها (٢) فهذا أكثر كلام العرب، وجاز: أخطب أيامه يوم الجمعة، على سعة الكلام، وكأنه قال: أطيب الأزمنة البداوة شهرا ربيع وأخطب الأيام التي يكون عبد الله فيها خطيبا يوم الجمعة، ومثله في السعة قول الله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٣) وهما لا يمكران وإنما يمكر فيهما، وقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا * (٤)، والنهار لا يبصر وإنما يبصر فيه.
وقوله: آتيك يوم الجمعة أبطؤه فترفع أبطؤه على معنى: ذلك أبطؤه، وتضمر الخبر أي: ذلك أبطؤه، على ذلك التفسير، ويوم السبت أبطؤه، فتجعل أبطؤه خبر يوم السبت، وأعطيته درهما أو درهمين أكثر ما أعطيته وأكثر، فإنه يريد أنك إذا نصبت أكثر، فإن شئت جعلته مفعولا به بدلا من الدرهمين، وإن شئت نصبته على الحال، كأنه قال: أو
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٣٣.
(٣) سورة سبأ، الآية: ٣٣.
(٤) سورة يونس، الآية: ٦٧ - والنمل، الآية: ٨٦ - وغافر، الآية: ٦١.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
درهمين في حال كثرته، لأنه أكثر ما دونه ففيه لهذا تأويل كثير.
ولك أن تقول: أعطيته درهما أو درهمان أكثر ما أعطيته، قلت: آتيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطؤه. يكون درهمان: مبتدأ، وأكثر: خبرا، وإنما جاز أن يكون أكثر ما أعطيته: نصبا على الحال، وهو مضاف إلى (ما) لأن ما
يجوز أن يكون نكرة فلا يتعرّف أكثر بالإضافة إليها، كما قال:
ربّما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال (١)
فأدخل عليه ربّ.