(وذلك لأنها ظروف توقع فيها الأشياء وتكون فيها فانتصبت لأنه موقوع فيها، ويكون فيها، وعمل فيها ما قبلها.
كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله).
قال أبو سعيد: ولا أعلم خلافا بين البصريين، أنك إذا قلت: زيد خلفك وكذلك سائر ما يجعل الظروف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، وقال الكوفيون: إذا قلت: زيد خلفك، فلم ينتصب " خلفك " بإضمار فعل، ولا بتقديره وإنما ينتصب بالخلاف الأول، ولأنّا نقول: زيد أخوك، فيكون الأخ هو زيد، وكل واحد منهما يرفع الآخر، وإذا قلت: زيد خلفك، كان خلفك مخالفا، لزيد لأنه ليس هو فنصبناه بالخلاف، وهذا فاسد من وجوه:
أحدها: أنه لو كان الخلاف يوجب النصب لوجب أن ينتصب الأول لأنه مخالف للثاني كما خالفه الثاني، وعلى أنهم يزعمون أن الأول رفع بعائد يعود إليه من خلفك، وذلك العائد في موضع رفع، فإذا ارتفع العائد فلا بد من رافع، فإذا كان في خلفك ما يرفع العائد وجب أن يكون ذلك الرافع هو الذي نصب خلفك، ومذهب البصريين: أنا إذا قلنا: زيد استقر خلفك أن في استقر ضميرا مرفوعا باستقر هو فاعله، وخلفك منصوب به.
_________________
(١) البيت ينسب إلى: أمية بن أبي الصلت خزانة الأدب ٢/ ٥٤١، ٤/ ١٩٤، ديوان أمية: ٥٠ مغني اللبيب: ٢٩٧.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وفي كلام سيبويه: ما ظاهره ملبس لأنه جعل ما قبل الظروف هو العامل، فيجيء على هذا إذا قلت: هو خلفك أن يكون الناصب لخلفك هو أم زيد إذا قلت: زيدا خلفك.
ومراد سيبويه على ما ينتظم من مذهبه أن الذي ظهر دلّ على المحذوف، فناب عنه إذ كان المحذوف لا يسمع ولا يظهر فجعل ما ناب منه عاملا لبيانه، وإنما مثله بقوله: أنت الرجل علما، وعشرون درهما لأن الرجل إنما ينصب علما إذ كان بتقدير كامل ونحوه مما هو بمعنى الفعل، وكذلك عشرون درهما يقدر نصبه على مذهب ضاربين زيدا ونحوه من التقدير، وكذلك زيد خلفك بمعنى استقر فكان اشتراكها في نصب ما بعدها لاشتراك جميعها في
تقدير ناصب لما بعدها من طريق المعنى والتشبيه.
قال سيبويه: (ومن ذلك: هو ناحية من الدار). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إن المكان ينقسم قسمين، أحدهما: يكون ظرفا، والآخر لا يكون ظرفا.
ومعنى الظرف أن يكون الفعل لا يتعدى إلى المفعول به ويتعدى إليه بتقدير في فهذا لا يسوغ في كل مكان، ألا تراك تقول: قمت قدّامك وجلست مكانا عاليا، ولا تقول: قعدت السوق، ولا قمت السطح، حتى تقول: في السطح، وفي السوق من حيث يكون المكان ظرفا اطرد فيه حذف في.
فما يكون ظرفا من هذه الأماكن، فإن كان هذا الاسم يقع على مكان ولا يختص مكانا دون مكان، وما لا يكون ظرفا فإنه يختص مكانا دون مكان، فيما لا يختص خلف وقدّام ويسرة ويمنة، وميل وفرسخ.
وما كان من أسماء الأماكن مطلقا ومشتقا من فعل لا يخلو من مكان، فالمطلق هو المكان لأنه واقع على الأمكنة كلها، والمشتق هو المذهب والمتطرق والمجلس، وما كان منسوبا إلى وجهة معروفة نحو الشرقي والشمالي، والجنوبي، ويجري مجرى المكان في عموم الموضع لأنك تقول: قمت موضعا أو ذهبت موضعا، فلا يختص موضعا دون موضع، ويجري أيضا في باب العموم مصادر أفعال جعلت بمنزلة أسماء الأماكن المأخوذة من الفعل كقولك: هو قصدك، ومشيت قصدك فيجري مجرى المذهب والمنزل والمجلس، وكذلك حلّة الغور بمنزلة المذهب، ألا تراك تقول: قمت محل فلان، وحللت محل فلان، وغير هذا مما سيمرّ بك أو يمر بك نظيره.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وأما ما لا يكون ظرفا إلا أن يجيء منه شيء شاذ، فما كان من الأماكن مخصوصا لا يقع اسمه على مكان، وذلك نحو الدار والمسجد والسوق والسطح والحمام والبيت ونحو ذلك لو قلت: زيد البيت، أو أنت الحمام لم يجز، ولو قلت: أنت يمنة أو قدّام زيد، أو أنت مكانا طيبا كان جائزا مستمرا.
واعلم أن الظروف تنقسم قسمين:
أحدهما متمكن، والآخر غير متمكن.
فالتمكن هو الذي يستعمل ظرفا وغير ظرف.
ومعنى غير ظرف: أنه تدخل عليه العوامل الخافضة والرافعة كسائر الأسماء، وذلك نحو الموضع والمكان، وإذا استعملت المكان ظرفا قلت: زيد مكانا طيبا وزيد مكانك، وإذا استعملت غير ظرف قلت: هذا مكانك، وأقمت مكانك، ونظرت إلى مكانك.
وأما الظرف غير المتمكن فهو الذي لا يدخله الرفع ولا حروف الجر، إلا من في بعضها، وذلك نحو: عند وقبل
وبعد، فتقول: زيد عندك وزيد قبلك وعمر بعدك.
ولا يجوز أن تقول: طاب عندك، ولا قيم عندك، ولا قمت في عندك ولا قبلك، ولا سير بعدك.
والظروف المتمكنة بعضها أمكن من بعض لأن فيها ما لا يحسن أن تجعله متمكنا ويرفع إلا في ضرورة شعر أو مستنكرة من الكلام ونقل ذلك فيه قبل الرفع في خلف وقدّام ووراء وأمام وفوق وتحت، فإن هذه الجهات المحيطة بالأشياء كثر استعمالهم لها ظروفا وهي مبهمة، فربما استعملوها أسماء وترى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قول سيبويه بعد أن ذكر المبتدأ الذي بعده الظروف خبرا له:
(فهذا كله انتصب على ما هو فيه وفي غيره، وصار بمنزلة النون التي تعمل فيما بعدها نحو: العشرين، ونحو قولك: خير منك عملا، فصار هو خلفك وزيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو موضع له، والذي هو في موضع خبره)، قال المفسر فإن بعض هذه العبارة إيهام لمذهب الكوفيين، وفي بعضها ما يوهم أن المبتدأ هو الذي ينصب الظرف، وحقيقة نصبه ما قدمناه من تقدير استقر ونحوه فأما إيهام مذهب الكوفيين فقوله إنا ننصب الظرف بالخلاف للأول، وقوله: على ما فيه.
فما للظرف وهو المبتدأ والهاء المتصلة ب (في) عائدة إلى ما وهي للظرف، وهو
[ ٢ / ٢٩٥ ]
الثاني عبارة عن الظرف والهاء في غيره عبارة عن المبتدإ.
فأما قوله: (وصار بمنزلة النون)، يعني صار المبتدأ بمنزلة النون، وهو عشرون، وخير منك في عملها فيما بعدها، لأن عشرين تنصب درهما إذا جاء بعدها، وخير منك ينصب عملا.
فظاهر هذا أن المبتدأ نصب الظرف الذي بعده، ثم حقق هذا بقوله: فصار هو خلفك، وزيد خلفك بمنزلة ذلك، يعني بمنزلة العشرين، وخير منك في نصبهما ما بعدهما.
وقوله: (والعامل في خلف الذي هو موضع له) ف (هو) الذي يرجع إلى خلف، والهاء في (له) ترجع إلى الذي، فكأنه قال: والعامل في خلف الاسم الذي الخلف موضع له، وذلك الاسم هو المبتدأ الذي هو في موضع خبره، وظاهر هذا كله: أن المبتدأ ينصب الظرف، فكما يرفع الخبر إذا كان هو هو نحو قولك:
زيد أخوك، والأخ قد عمل فيه الأول فارتفع به، يعني أخوك قد عمل فيه زيد، فارتفع، وقوله: (وبه استغنى الكلام وهو ينفصل منه)، أي: ليس بنعت له، فهذا ما يقتضيه اللفظ ظاهرا، ويجوز أن يكون سيبويه جعل المبتدأ لمّا كان الفعل لا يظهر وكان ذكره نائبا عن ذكر الفعل، أقامه مقام الفعل في العمل لمّا ناب عن ذكره وأغنى عنه فنسب
العمل إليه. ويجوز أن يكون نسب العمل في الظرف إلى المبتدإ لأن فاعل استقر هو المبتدأ، فالمضمر هو المظهر وملابسته للفعل المضمر جاز أن يعبّر عنه أنه العامل فيه.
ومما يقوي أن الناصب للظرف الفعل المقدر الذي فيه ضمير المبتدإ، لأن الاسم لا يرتبط باسم هو غيره إلا بضمير يعود إليه، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد عمرو قائم، حتى تقول: إليه ونحو هذا، فلما كان الظرف غيره احتاج إلى شيء تربطه به، فكان الفعل المقدر الذي ينصب الظرف، وفيه ضمير الاسم.
وأما الكوفيون فإنهم يجعلون في الظرف عائدا، والظرف اسم لا يحتمل الضمير إلا بتقدير الفعل، أو تأويله.
قال سيبويه: (ومن ذلك قول العرب: هو موضعه وهو مكانه)، والموضع والمكان ظرفان متمكنان، وكذلك (هذا مكان هذا، وهذا رجل مكانك).
قال أبو سعيد: هذا يكون على معنيين كلاهما ظرف، أحدهما: أن يراد المكان
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الذي يكون فيه، والآخر: أن يراد البدل منه في صنعة أو ولاية.
فتقول: زيد مكان عمرو، بمعنى أنه في الموضع الذي فيه عمرو، والآخر أن تريد:
أنه بدل عمرو في عمله أو ولايته، ويجوز أن يدخل عليه حرف الجر، فيقول: هذا في مكانك، ومعي رجل مكان فلان، أي: معي رجل يكون بدلا منه يعني غناءه، (ومثله هو صددك وسقبك)، فمعنى: صددك، قصدك، ومعنى سقبك: قربك. ثم قال سيبويه:
(واعلم أن هذه الأشياء كلها قد تكون أسماء غير ظروف بمنزلة: زيد وعمرو وسمعنا من العرب من يقول: دارك ذات اليمين)، وذكر الفصل.
فإنه يريد: أن الظروف نحو: خلف وأمام، وذات اليمين، وإن كانت ظروفا، فإنها قد تكون أسماء، وقد تتفاضل في التمكن، وسأذكر في آخر الباب جملة من ذلك، فأما قول الشاعر:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه مولى المخافة خلفها وأمامها (١)
فإن في غدت ضمير الوحشية، وهي بقرة جرى ذكرها وكلا الفرجين موضعه رفع بالابتداء، وكلا وما بعده إلى آخر البيت: جملة في موضع الحال، والأصل أن تقول: فغدت تحسب أن كلا الفرجين مولى المخافة، فقدم كلا قبل أنّ، وأضمر في أن، فالهاء تعود إلى كلا، ومولى المخالفة هو خبر أن، ومعناه: صاحب المخافة وخلفها وأمامها بدل من كلا.
ومعنى البيت:
أن هذه الوحشة غدت تحسب أن كلا طريقيها في العدو وفيها ما يريبها وتخاف منه، والطريقان هما: خلف وأمام، ثم قال سيبويه:
(ومن ذلك أيضا هو سواك، وهذا رجل سواك، فهذا بمنزلة مكانك إذا جعلته بدلا، ولا يكون اسما إلا في شعر فإن بعض العرب لما اضطر في الشعر جعله بمنزلة غير، قال الشاعر وهو رجل من الأنصار:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلبوا منّا ولا من سوائنا (٢)
وقال الأعشى:
_________________
(١) البيت للبيد: ديوانه: ٣١١، ابن يعيش ٢/ ٤٤، ١٢٩.
(٢) البيت ل (المرار بن سلامة العجلي) خزانة الأدب ٢/ ٦٠ شرح الأشموني ٢/ ١٥٨.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
تجانف عن جلّ اليمامة ناقتي وما عدلت عن قبلها لسوائكا) (١)
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: (ومثل ذلك أنت كعبد الله، كأنه يقول أنت في حال كعبد الله، فأجري مجرى بعبد الله، إلا أن ناسا إذا اضطرّوا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، قال الراجز:
فصيّروا مثل كعصف مأكول (٢).
وقال:
وصاليات ككما يؤثفين) (٣)
وذكر الفصل.
مثّل سيبويه، سواء غير متمكن لما استعمله الشاعر متمكنا في ضرورة الشعر بالكاف التي هي حرف قد وضعها الشاعر في موضع مثل اسما لأنها للتشبيه، كما أن مثلا للتشبيه قد دخل عليها ما يدخل على مثل من العوامل، وأضاف مثل إلى الكاف في:
كعصف، لأنه قدر مثل عصف، وأدخل عليها الكاف، وقوله: ككما يؤثفين الكاف الأولى حرف، والثانية اسم بمعنى مثل، فصارت الكاف في الضرورة في حكم مثل، كما صار سوى في حكم غير في التمكن، ثم بيّن سيبويه أن سوى والكاف جميعا بمنزلة الظروف، لأنك تقول: مررت بمن سواك، ونزلت على من سواك، ومررت بالذي كزيد، فصار كقولك: بمن عندك، وبالذي عندك، وهو غير متمكن، ولو قلت: بمن فاضل أو بالذي صالح، كان قبيحا، لأن
فاضلا وصالحا، اسمان متمكنان فلا يحسن حتى تقول:
بمن هو فاضل، وبالذي هو صالح، ولا يحسن أيضا أن تقول: مررت بمن مثل زيد، وبمن غير زيد، ولا بالذي مثل زيد: ولا بالذي غير زيد، لأنها أسماء متمكنة غير ظرف فلا بد من ذكر العائد الذي يعود إلى الذي، ومن.
وقد أجاز الكوفيون: زيد مثل عمرو، ويجعلون مثل ظرفا، كما تقول: زيد دون
_________________
(١) ديوانه: ٩٥ / خزانة الأدب ٢/ ٥٩.
(٢) الخزانة ٤/ ٢٧٠ وينسب إلى رؤبة.
(٣) الخزانة ١/ ٣٦٧، ٢/ ٣٥٣، ٤/ ٥٧٣، شرح شواهد المغني: ١٧٢ وهو ينسب لخطام المجاشعي.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
عمرو وفوق عمرو.
قال: (وتقول: كيف أنت إذا أقبل قبلك، ونحي نحوك، كأنه قال: أنت إذا أريدت ناحيتك)، فإنه جعل قبلا ونحوا وناحية أسماء، وأقامها مقام الفاعل، وكذلك قوله: (كيف أنت إذا أقبل النقب الرّكاب)، لأن الركاب: اسم للإبل، وقد أقامه مقام الفاعل في أقبل، ونصب النقب وهو طريق في الجبل، فشبه قبلك ونحوك وناحيتك بالركاب في إقامته مقام الفاعل، فإن كانت هذه الأسماء تكون ظرفا في حال، والركاب لا تكون ظرفا.
وقوله: (وزعم الخليل أن النصب جيد إذا جعله ظرفا، وهو بمنزلة قول العرب: هو قريب منك، وقريبا منك، أي: مكانا قريبا منك، وحدثنا يونس: أن العرب تقول: هل قريبا منك أحد، كقولك: هل قربك أحد؟) فإن سأل سائل كيف حسن رفع هذه الظروف، ولم يحسن رفع خلف وقدام ونحوها إلّا في شعر؟
قيل له: لأن هذه الجهات المحيطة قد كثر استعمالها ظرفا، فقويت في الظرفية أكثر من قوة غيرها من أسماء الجهات، فكذلك بعد الرفع منها، وقوله:
(وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد وذكر سيبويه " دون " في معنيين، أحدهما: أن تكون ظرفا ولا يجوز فيه غير النصب، وإنما يستعمل في معنى المكان تشبيها، فيقال: زيد دون عمرو في العلم والشرف ونحوه، كأن هذه المناقب منازل يعلو بعضها بعضا، كالأماكن التي بعضها أعلى من بعض، ثم جعل بعض الناس في موضع من الشرف أو من العلم، وجعل غيره أسفل من موضعه.
وقد أنشد في كتاب سيبويه بيتان ليسا من الكتاب في رفع دون، أحدهما:
أراها يحسن الآل مرة فتبدو وأخرى يكتسي الآل دونها (١)
أنشده ناقصا.
والآخر:
وعيرا تحمي دونها ما وراءها ولا يحيطها الدهر إلا المخاطر (٢)
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ١٧٨٦.
(٢) البيت ينسب لموسى بن جابر، الدرر اللوامع ١/ ١٨٢، همع الهوامع ١/ ٢١٣.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وليس البيتان بمعروفين وأمّا الموضع الآخر ل (دون) فأن تكون بمعنى: حقير أو مسترذل، فقال: هذا دونك، أي: هذا حقيرك ومسترذل. كما تقول: ثوب دون، إذا كان رديئا، وجائز أن يكون دون الذي في المرتبة والمنزلة المستعمل ظرفا محمولا على هذا الرفع، لأنك إذا جعلته في مكان أسفل من مكانه على التمثيل صار بمنزلة أسفل وتحت، وهما يجوز رفعهما على التنكير على أن أسفل اسم متمكن إذا كان نقيض أعلى، تقول: هذا أسفل الحائط وهذا أعلاه، كما تقول: هذا رأسه وهذا آخره.
قال سيبويه: (وليس كل موضع يحسن أن يكون ظرفا). وذكر الفصل.
فإنه يريد أنهم لا يقولون: هو جوف الدار وخارجها كما تقول: هو خلفك لأن خلف للأماكن التي تلي الأسماء من أقطارها إلى غير نهاية، لأن خلفك وقدامك وأقطارك كلها لا غاية لها، وجوف الدار وخارجها بمنزلة البطن والظهر، لأنه جزء من الدار وجزء من حدودها، وكما لا تكون الدار ظرفا، فكذلك أجزاؤها، فإن لم ترد هذا وأردت الجهة كان ظرفا، فقلت: زيد ناحية الدار، أي جهة الدار وقصد الدار، وكذلك هو ناحية من الدار، لأن هذا ليس بجزء من الدار، بل هو جهة غير الدار.
ثم بيّن سيبويه أن ما كان من المجرور، فهو خارج عن الظرف كما يخرج المرفوع عن الظرف أنك تقول: زيد وسط الدار بتسكين السين، فيكون ظرفا، ثم تقول: هو في وسط بتحريك السين، فيصير اسما كقولك: ضربت وسطه، وقطعت وسطه، فهذا بيّن من فصلهم بينهما في بنية اللفظ، وقوله: (واعلم أن الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في الأسماء نحو: القبل والقصد والناحية)، وذكر الفصل.
قال المفسر: فإنه يعني أن القبل والقصد والناحية استعملت في الأسماء أكثر من استعمال الخلف والأمام والتحت، فلذلك كثر الرفع وقوي وتمكن في الخلف استعماله ظرفا، وقل في الاسم، وقد جاء من ذلك ما تقدم ذكره في
الكلام والشعر، فالكلام قولك:
خلفك أوسع من قدّامك وأمامك أضيق ونحوه، وأنشدوا لحسان:
نصرنا فما تلقى لنا من كتيبة يد الدهر إلا جبرئيل أمامها (١)
ومما يقوي النحو والقبل في الاسمية إذا قلت: نحي نحوك، وأقبل قبلك أنها لا تتسع
_________________
(١) البيت منسوب لكعب بن مالك في معجم هارون ديوانه: ٢٧١، الخزانة ١/ ١٩٩.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
كاتساع خلف وقدام لأنها لم تقع على موضع يتسع، وإنما وقعت على موضع يقرب، وعرفت بما أضيفت إليه، وقد ذكر أصحابنا في الظروف بدل ولم يذكروا مثل، وذكره الكوفيون وأجازوا: زيد مثلك نحو زيد دونك أي: في المنزلة، وكذا هو مثلك في المنزلة واحتج لهم بقوله:
إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر (١)
على أن مثلهم ظرف، كقولك: فوقهم ودونهم.
قال سيبويه: (وهذه حروف تجري مجرى خلفك، ولكنا عزلناها لتفسير معانيها، لأنها غرائب فمن ذلك حرفان ذكرناهما في الباب الأول لم نفسر معناهما، وهما صددك ومعناه: القصد، وسقبك ومعناه: القرب، ومنه قول العرب: هو وزن الجبل، أي ناحية منه، وهم زنة الجبل أي: حذاءه. ومن ذلك قول العرب: قرابتك أي: قربك، يعني المكان، وهم قرابتك في العلم أي: قريبا منك في العلم، فصار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاءه وإزاءه وحواليه بنو فلان، وقومك أقطار البلاد).
قال أبو سعيد: هذه التي ذكرناها من الظروف جهات أجريت مجرى خلف وقدام، واستعملوا حول على التوحيد وعلى التثنية والجمع، فقالوا: حوله وحوليه وأحواله وحواله وحواليه، وهي جانبيه وجنباته، وهم قطريه وأقطاره، وذلك كله يصح، ومنه البيت الذي أنشده لأبي حيّة:
إذا ما تغشاه على الرحل ينثني مساليه عنه من وراء ومقدم (٢)
ومسالاه عطفاه، فصار بمنزلة: جنبي فطيمة، ويقال: زيد جنب الدار وجانب الدار، أي: ما قرب منها.
قال أبو سعيد: وأنا أذكر جملة من الظروف في بعضها خلاف بين الكوفيين والبصريين وفي بعضها وفاق لينكشف مذهب الظروف عند النحويين اتفق الكوفيون والبصريون أن خلفك وقدام عمرو ونحو هذا من أسماء الأماكن العامة هي ظروف، واختلفوا فيها إذا أفردت، فرأى البصريون أنها ظروف ومنع من ذلك الكوفيون،
فقالوا:
_________________
(١) البيت للفرزدق: ديوانه: ٢٢٣، خزانة الأدب: ٢/ ١٣٠.
(٢) البيت لأبي حية النمري: سيبويه ١/ ٢٠٥، معجم هارون ١/ ٣٥٩.
[ ٢ / ٣٠١ ]
إذا أفردت صارت اسما، فأجاز البصريون: زيد خلفا وقداما على الظرف، وقال الكوفيون: زيد خلف بمعنى متأخر وقدام بمعنى متقدم، وماذا قلت: قام زيد خلفا، وذهب قداما فنصبه عند البصريين على الظرف كما ينتصب لو قلت: ذهب قدامك وقام خلفك، وعند الكوفيين أن تقديره تقدير الاسم الذي هو حال، كأنه قال: قام متأخرا، وذهب متقدما، فإذا قلت: قام مكانا طيبا، فالبصريون يجعلون مكانا ظرفا، والكوفيون يقولون:
إنه ناب عن قولك: فرحا ومغتبطا، وزعم الكوفيون أن الظرف، ويسمونه المحل، يحتاج إلى الإضافة لأنه يكون خبرا عن الاسم كما يكون الفعل خبرا عن الاسم لو قلت: ذهب زيد، فلما كان الفعل يحتاج إلى فاعل ويتصل به أشياء يطلبها الفعل من المصدر والمكان والزمان والمفعول ألزموا المحل الإضافة ليسد المضاف إليه مسد ما يطلبه الفعل ويدل عليه، وقال البصريون: إنما الإضافة لتعيين الجهة والتعريف، والأصل هو التنكير وإنما التعريف داخل عليه، وأجمع البصريون والكوفيون: أن الوقت يرفع وينصب إذا كان خبرا لمرفوع ابتدأ في حال تعريف الوقت وتنكيره، فالتعريف نحو قولك: القتال يوم الجمعة واليوم، وإن شئت قلت: اليوم يوم الجمعة، وأمّا التنكير فقولك: رحيلنا غدا وغد، كما قال النابغة:
زعم البوارح أن رحلتنا غدا وبذاك خبّرنا الغراب الأسود (١)
ويروى غد، فإذا رفعت الخبر صار التقدير في الأول أن يكون الوقت مضافا إليه ومحذوفا منه، كأنك قلت: وقت القتال اليوم، وإذا نصبت فبإضمار فعل، كأنك قلت:
القتال يقع اليوم أو وقع، وعلى هذا: زيارتنا عشيّ وعشيا ورواح ورواحا، فإذا كان الفعل مستغرقا للوقت كله، فإن البصريين يجيزون نصبه على الظرف، كما يجيزونه في غير المستغرق لجميع الوقت ويدخلون عليه في.
والكوفيون لا يجيزون فيه النصب ويجعلونه خبرا هو الأول، ولا يدخلون في.
فقول البصريين: صيامك يوم الخميس، ويوم نصب ورفع، والصوم يستوعب اليوم، وجوز في قوله: (صمت في يوم الخميس)، ومذهب الكوفيين رفع اليوم، ولا يجيزون نصبه، ولا يدخلون في لأنها عندهم توجب التبعيض، والصوم يستوعب اليوم، والصحيح
_________________
(١) ديوانه: ٢٧، الخصائص لابن جني ١/ ٢٤٠.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قول البصريين لأن في لا يمتنع دخولها على زمان الفعل وإن قلّ، ألا ترى أنك تقول: قد سار في بعض النهار، ولم يسر فيه كله فالجزاء الذي وقع فيه السير واستوعبه قد دخلت عليه في، وتقول: تكلمت في القوم أجمعين فتدخل في على القوم وقد استوعبهم الكلام، فكذلك لم تدخل في على اليوم، وإن استوعبه الكلام، وقد منع الكوفيون أن يقال: زيد خلفك أشد المنع، واحتالوا لما جاء في الشعر ما فيه تعسف حين قال بعضهم في قوله:
إلا جبرئيل أمامها (١)
إنّ ذلك إنما جاز، لأن جبريل لعظم خلقه يملك الأمام كله، وهذا خطأ، لأن الأمام لا نهاية له، فلا يجوز أن يملأه شيء، وهكذا سائر الجهات، وأجازوا ذلك في أخبار الأماكن، فقالوا: داري خلفك، ومنزلي أمامك، وعلى هذا [التأويل] حمل ثعلب قول لبيد:
خلفها وأمامها (٢)