" وذلك ما كان من المقادير نحو قولك: ما في السماء موضع راحة سحابا، ولي مثله عبدا، وما في الناس مثله فارسا، وعليها مثلها زيدا، وذلك إذا أردت أن تقول: لي مثله من العبيد، ولي ملؤه من العسل، وما في السماء موضع كفّ من السحاب، فحذف ذلك تخفيفا كما حذفه في (عشرين) حين قال: عشرون درهما، وصارت الأسماء
المضاف إليها المجرورة بمنزلة التنوين، ولم يكن ما بعدها من صفتها ولا محمولا على ما حملت عليه فانتصب ب (ملء) كفّ ومثله، كما انتصب الدرهم بالعشرين؛ لأن (مثل) بمنزلة عشرين، والمجرور بمنزلة التنوين؛ لأنه قد منع الإضافة كما منع التنوين.
وزعم الخليل أن المجرور بدل من التنوين.
ومع ذلك أنك إذا قلت: لي مثله، فقد أبهمت، كما أنك إذا قلت لي عشرون فقد أبهمت الأنواع، فإذا قلت درهما، فقد اختصصت نوعا منه، وبه يعرف من أي نوع ذلك العدد، وكذلك مثل هو مبهم يقع على أنواع:
على الشجاعة والفروسية والعبيد، فإذا قال: عبدا فقد بيّن من أي أنواع المثل، والعبد ضرب من الضروب التي تكون على مقدار المثل، فاستخرج على المقدار نوعا، والنوع هو المثل، ولكنه ليس من اسمه، والدرهم ليس بالعشرين ولا من اسمه، ولكنه ينصب كما تنصب (العشرون) وتحذف من النوع كما يحذف من نوع العشرين، والمعنى مختلف، مثل ذلك: عليه شعر كلبين دينا، الشعر: مقدار، وكذلك:
لي ملء الدار خيرا منك عبدا، ولي ملء الدار أمثالك؛ لأن خيرا منك نكرة، وأمثالك نكرة، وإن شئت قلت: لي ملء الدار رجلا وأنت تريد جميعا، فيجوز ذلك كمنزلة في كم وعشرين، وإن شئت قلت: رجالا كما جاز في (كم) حين دخل فيها معنى رب؛ لأن المقدار معناه مخالف لمعنى كم في الاستفهام، فجاز في تفسيره بالواحد.
والجميع، كما جاز في (كم) إذ دخلها معنى (ربّ) كما تقول: ثلاثة أثوابا، أي تجعله بمنزلة التنوين ومثل ذلك: لا كزيد فارسا، إذا كان الفارس هو الذي سميت، كأنك قلت: لا فارس كزيد فارسا، قال كعب بن جعيل:
[ ٢ / ٤٩٧ ]
لنا مرفد سبعون ألف مدجّج فهل في معد فوق ذلك مرفدا (١)
ومثل ذلك: تالله رجلا، كأنه أضمر تالله ما رأيت كاليوم رجلا، وما رأيت مثله رجلا ".
قال أبو سعيد: المقادير في المكيل والموزون والعدد والمساحة وغير ذلك يجري مجرى واحد.
وقوله: ما في السماء موضع كفّ: مقدار من المساحة، كما أن (عشرين) مقدار من العدد، و(سحابا) هو النوع الذي يفسره، كما أن درهما نوع يفسر العشرين.
ولي مثله: أي لي مقداره، أي: ما يقادره ويماثله في عدد. و(عبدا) هو النوع.
وكذا: ما في الناس مثله فارسا، وعليها مثلها زيدا، وإنما يريد: ثمرة عليها مثل: ولي ملؤه عسلا.
ومذهب البصريين فيه كمذهب نصب (العشرين) لما بعده، وقد ذكرنا ذلك قبل هذا الموضع.
وقد جعل سيبويه بعض هذه المنصوبات من الأنواع هو الأول، بعضه غير الأول.
فأما ما كان منه هو الأول: فهو ما كان الأول منه مثله وشبهه وملؤه، وتعتبر ذلك بأنك لو جعلت المنصوب في موضع الأول وجعلت الأول تابعا له لم يتغير معناه مرفوعا ومنصوبا.
ألا ترى أنك تقول: لي ملؤه عسلا، و(عسل) منصوب، ولو قلت: لي عسل ملؤه لأدى ذلك المعنى ولم يكن بينهما فضل.
وكذلك: لي مثله عبدا. لو قلت: لي عبد مثله لأدى ذلك المعنى.
وهذا معنى قوله: فاستخرج على المقدار نوعا، والنوع هو المثل، ولكنه ليس من اسمه، يعني ليس بنعت له، وإن كان هو هو.
وعلى هذا المذهب قوله: فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا؟
لأن المرفد مثل: المردّ للجيش، فقال كعب: لنا مرفد هذا عددهم على التكثير، فهل في معدّ فوق ذلك؟ أي: هل في معد عدد فوق ذلك مرفدا؟
فهو كقولك: لي مثله عبدا، فمرفد هو العدد المقدّر.
وفضل سيبويه بين: لي مثله عبدا، وبين: عشرين درهما؛ لأن الدرهم ليس
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٢/ ١١٤، والكتاب ١/ ٢٩٩.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
بالعشرين. كما كان مثله هو العبد، ولأنك لا تجعل الدرهم مكان العشرين، فتقول: لي درهم (عشرون) وإن كان (العشرون) و(لي مثله) يشتركان في نصب ما بعدهما.
ولو قلت: لي ملء الدار رجلا، لم يكن (رجلا) هو الأول؛ لأن ملء الدار لجماعة ورجلا هو واحد، ولكن ملء الدار العشرين.
وقوله: وإن شئت قلت: رجالا؛ لأنه خبر يجري مجرى (كم) التي في معنى (رب) في جواز الجمع، ويصير: لي ملء الدار رجالا من باب: لي ملؤه عسلا؛ لأن الثاني هو الأول، ولا كزيد فارسا من باب لي مثله عبدا؛ لأن معناه: لا مثل زيد. وقولهم تالله رجلا تقديره: تالله ما رأيت رجلا كرجل أراه اليوم، وقد فسرته وذكرت ترتيب الحذف فيه في غير هذا الموضع بما يغني عن إعادته.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
شرح كتاب سيبويه
تأليف
أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة ٣٦٨ هـ
تحقيق
أحمد حسن مهدلي
علي سيد علي
[المجلد الثالث]
دار الكتب العلمية
[ ٣ / ٩٩٨ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم