وذلك قولك: لولا عبد الله لكان كذا وكذا. أما لكان كذا أو كذا، فحديث معلق بحديث لولا، وأما عبد الله فإنه من حديث (لولا) وارتفع بالابتداء كما يرتفع بالابتداء بعد ألف الاستفهام كقولك: أزيد أخوك؟ إنما رفعته على ما رفعت زيد أخوك، غير أن ذلك استخبار وهذا خبر، وكأن المبني عليه في الإضمار كان في مكان كذا وكذا، وكأنه قال: لولا عبد الله كان بذلك المكان، ولولا القتال كان في زمان كذا وكذا، ولكن هذا حذف حين كثر استعمالهم إيّاه في الكلام ".
قال أبو سعيد: لولا وجوابها جملتان إحداهما جواب للأخرى، والذي ربط إحداهما بالأخرى لولا، ومثلها (إن) و(لو) يدخلان على جملتين مباينة إحداهما للأخرى، كقولنا:
قدم زيد وخرج عمرو، لا يتعلق قدوم زيد بخروج عمرو، فإذا أدخلنا لو ربطت إحدى الجملتين بالأخرى، وعلقتها بها على المعنى الذي توجبه (لو) والذي توجبه (إن) الجواب
[ ٢ / ٤٥٩ ]
يمتنع لامتناع الشرط، فإذا قلت لو قدم زيد لخرج عمرو، فخروج عمرو لم يقع من أجل أن قدوم زيد لم يقع، ودخلت لو على جملتين مبنيتين على فعل واحد وفاعل، وكذلك الباب فيه نحو: لو جئتني لأكرمتك، وما أشبه ذلك، وأما (لولا) فتدخل على جملتين؛ إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعل وفاعل، فتربط إحداهما بالأخرى، ويكون الذي يليها مبتدأ وخبرا، ويكون الجواب فعلا، واحتاجت إلى اللام كاحتياج (لو) إلى اللام في جوابها، والأصل زيد بالبصرة وخرج عمرو، وزيد أمير وذهب عمرو، فلا تتعلق إحدى الجملتين بالأخرى، فإذا أدخلت (لولا) علقت إحداهما بالأخرى، فصارت الأولى شرطا والأخرى جوابا، فقلت: لولا زيد لذهب عمرو ولولا زيد لخرج عمرو، وحذفت الخبر حين كثر استعمالهم وفهم المعنى، ومعنى لولا أن الثاني يمتنع بامتناع الأول، وربما جاء بعد (لولا) مكان الابتداء والخبر الفعل لاستوائهما في المعنى، ألا ترى أن قولك زيد قائم وقام زيد بمعنى واحد.
قال الشاعر وهو الجموح أخو بني ظافر بن سليم بن منصور:
قالت أمامة لما جئت زائرها هلا رميت ببعض الأسهم السود
لا درّ درّك إني قد رميتهم لولا حددت ولا عذري لمحدود (١)
أي لولا الحد والحرمان.
وقال الفراء والكوفيون: لولا ترفع ما بعدها إذا قلت لولا زيد لعاقبتك، زيد ترفعه لولا لانعقاد الفائدة به ومعه، واللام جواب لولا.
وحكى عن غيره أن لولا ترفع لنيابتها عن الفعل، لولا زيد لعاقبتك، أي لو لم يمنعني زيد من عقابك لعاقبتك. وقد رد الفراء هذا القول على قائله، واحتج عليهم بحجتين؛ إحداهما: أن أحدا لا يقع بعدها واحد يعريها بالجحود، والأخرى: أنه لا يعطف على الاسم بعدها، لا تقول: لولا أخوك ولا أبوك لعاقبتك، ففي امتناعهما من ذلك دليل على أن الجحد قد زايلها.
قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه، والدليل على ذلك أنه قد وقع بعد (لولا) الاسم والفعل، نحو البيت الذي أنشدناه:
_________________
(١) البيتان في ابن يعيش ١/ ٩٥، ٨/ ١٤٦، الخزانة ١/ ٧٩، المخصص ١٥/ ١٩٠.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
لولا حددت وما يليه الاسم والفعل من الحروف فما بعده رفع بالابتداء؛ كقولنا: إنّما وكأنّما وهل وألف الاستفهام، وشبه ما حذف من خبر المبتدأ بعد (لولا) بأشياء من المحذوفات كقولهم:
إما لا، وأصله ما زعم الخليل أنهم أرادوا: إن كنت لا تفعل غيره فافعل كذا وكذا إما لا.
معنى هذا الكلام أن رجلا لزمته أشياء يفعلها فامتنع منها فرضي منه صاحبه ببعضها، فقال افعل هذا إما لا، أي افعل هذا إن لا تفعل جميع ما يلزمك، وزاد (ما) على (إن) وحذف الفعل وما يتصل به، وكثر ذلك في كلامهم حتى صارت مع ما قبلها كشيء واحد؛ وكذلك أمالوا الألف من (لا) وهي لا تمال في غير هذا الكلام، ومثله حينئذ الآن، إنما تريد اسمع الآن؛ أي كان الشيء الذي ذكر حينئذ واسمع الآن، وقولهم: ما أغفلت عنك شيئا؛ أي دع الشك عنك، فحذف هذا لكثرة استعمالهم.
وقال أبو سعيد: هذا الحذف ما فسره من مضى إلى أن مات المبرّد، وفسره أبو إسحاق الزجاج بعد ذلك، فقال: معناه على كلام قد تقدّم، كأن قائلا قال: زيد ليس بغافل عني، فقال المجيب: بلى ما أغفله عنك. انظر شيئا، أي تفقد أمرك، فاحتج به على أن الحذف- يريد حذف انظر- الناصب شيئا، كأنك لما قلت: ما أغفله عنك، أردت أن تبعثه على أن يعرف صحة كلامك، فقلت له: انظر شيئا فإنك تعرف ما أقوله لك، كما تقول: انظر قليلا؛ أي تفقد، وذكر من المحذوفات: هل من طعام؟ أي: هل من طعام في مكان أو زمان؟ أي هل طعام؟
وهذا وما بعده غير محتاج إلى تفسير والله أعلم.