(والشريك على الشريك والبدل على المبدل منه، وما أشبه ذلك: فأما النعت الذي جرى على المنعوت فقولك: مررت برجل ظريف، فقد صار النعت مجرورا مثل المنعوت). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: معنى النعت: أنه اختصاص نفس المنعوت وإخراج له من إبهام، وعموم إلى ما هو أخص منه، فالنكرات المنعوتة يخرجها النعت من نوع إلى نوع أخص
[ ٢ / ٣١٢ ]
منه، وأما المعارف فيخرجها النعت من شخص مشترك الاسم عند وقوع اللبس فيه إلى أن يزول اللبس عنه، أما النكرة فقولك:
مررت برجل ظريف، لو اقتصرت على رجل وحده لكان الرجل وحده من جملة الرجال كلهم، ونوعه الذي هو منهم الرجال على العموم، فلما نعته بظريف صار من جملة الرجال الظراف، وهو أقل من الرجال بإطلاق، وكلما زدت في النعت كان النوع أخص لو قلت: مررت برجل ظريف صيرفيّ، صار من جملة الرجال الظراف الصيارفة، وهم أقل من الرجال الظراف فقط، ولم يطلب في غير الصيارفة.
وهكذا لو قلت: مررت برجل ظريف صيرفي أعور، كان أخص مما قبله، ولم تطلب في غير العور من الصيارفة، وعلى هذا الوجه يكون خروجه من الأعم إلى الأخص.
فأما المعرفة فقد أفرده سيبويه بباب.
وأنا أذكر هناك وهذا الباب مفرد بنعت النكرات، وإنما صار النعت تابعا للمنعوت في إعرابه لأنهما كشيء واحد، فصار ما يلحق الاسم يلحق بنعته، وإنما صارا كشيء واحد من قبل أنك إذا قلت: مررت برجل ظريف فهو من الرجال الظرفاء الذين كل واحد منهم ظريف، فالرجال الظرفاء جملة لرجل ظريف، كما أن الرجال جملة لرجل وصار رجل ظريف جزءا للرجال الظرفاء، كما أن رجلا جزء للرجال، ولما كان النعت اختصاصا للمنعوت وجب أن يكون ذلك الاختصاص، بأن يجعل له حالا يعري منها بعض ما يشاركه في الاسم ويكون ذلك على وجوه منها:
أن ينعت بخلقة لا تكون لبعض من يشاركه، كالطويل والقصير، وحسن وقبيح، وأسود وأبيض.
ومنها أن ينعته بما يشهر به من فعل لازم حسن أو قبيح، كعاقل وظريف، وشريف وعالم وفقيه.
وربما كان حرفة مكسبا كبزّاز، وعطار، وتمّار، وكاتب. وربما كان نسبا إلى أب أو حي أو بلد، أو غيره نحو:
قرشي، وعربي، وعجمي، وكوفي، وبصري.
وما يخصّ به لا يوجد في بعض ما يشاركه.
وقد ينعت الاسم النكرة بمصادر وضعت موضع أسماء الفاعلين، وبأسماء مضافة لا
[ ٢ / ٣١٣ ]
اشتقاق لها، يراد بها المبالغة.
فأما الاسم المضاف:
فقولك: مررت برجل أيّما رجل، وبرجلين أيّما رجلين، وبرجال أيّما رجال، ورأيت رجلا أيّما رجل، وجاءني رجل أيّما رجل.
فأيّ: غير مشتق من معنى، وإنما يضاف إلى الاسم الأول المبالغة في مدحه بما يوجبه ذلك الاسم.
وأما المصادر التي ينعت بها، فقولك:
مررت برجل حسبك من رجل، وبرجل هدّك من رجل، وبرجل ما شئت من رجل، وبرجل شرعك من رجل، وبامرأة هدك من امرأة.
وهذا كله بمعنى واحد.
أما حسبك فهو مصدر في موضع يحسب. تقول:
أحسبني الشيء، أي كفاني.
وهمك وشرعك وهدّك، في معنى: هذا، وإن لم يستعمل منه فعل، وهي في معنى أسماء الفاعلين مضافة للحال لا للماضي، فلذلك نعتّ بها النكرة فصار قولك: مررت برجل هدّك وشرعك، بمنزلة: ضاربك.
ومثل ذلك: مررت برجل كفئك من رجل.
فهذا وما ذكرناه قبل مصادر نعت بها، ولذلك لم تثن ولم تجمع، كما تقول:
مررت برجل عدل، وبرجلين عدل، وبرجال عدل، وامرأة عدل.
وقد يستعمل بعض هذا على لفظ الفعل، فيقال:
مررت برجل هدك، وبرجلين هداك، وبرجال هدوك، وبامرأة هدتك، وبامرأتين هدتاك، وبنسوة هددنك، وكذلك:
مررت برجل كفاك من رجل، ورجلين كفياك من رجلين، وبرجال كفوك، وبامرأة كفتك، وبامرأتين كفتاك، وبنسوة كفينك.
فأما قول سيبويه: (وما كان منه يجري فيه الإعراب فصار نعتا لأوله جرى على أوله بأمر).
يعني: أن ما كان مصدرا يلحقه الإعراب إلا الأسماء مع المنعوت في إعرابه، وما
[ ٢ / ٣١٤ ]
كان فعلا ماضيا، فهو على لفظ الفعل الماضي، وأما قوله:
(مررت برجل غيرك) فغيرك نعت يفصل بين من نعتّه بغير، وبين من أضفته إليه حتى لا يكون مثله أو لا يكون مر باثنين)، وذكر الفصل.
فإنه يعني: أن القائل إذا قال: مررت برجل، جاز أن يكون المخاطب ذلك الرجل، فإذا قال غيرك، صار غيره فغيره: نعت لمن مررت، وهو مضاف إلى الكاف، فقد فصلت بين الممرور به وبين المخاطب، ومعنى قوله:
(أو يكون مرّ باثنين)، لأنه لو قال: مررت بغيرك، جاز أن يكون مرّ باثنين، فقال:
برجل غيرك لئلا يتوهم بإسقاط المنعوت، أنه مرّ باثنين أو جماعة، ثم ذكر سيبويه:
(مررت حسن الوجه)، وقد مرّ ذلك في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل.
قال: (ومما يكون نعتا للنكرة وهو مضاف إلى معرفة قول امرئ القيس:
بمنجرد قيد الأوابد لاحه طراد الهوادي كلّ شأو مغرّب) (١)
ومنه أيضا:
(مررت على ناقة عبر الهواجر)
قال أبو سعيد: معنى قيد الأوابد، أي: مقيد الوحش. والأوابد: الوحش الذي يصاد، وهذا الوحش إذا صادها لم تنج منه، فكأنه قيدها، ومعنى عبر الهواجر، أي: عابرة للهواجر يعبّرها السير إلى حيث يكون قصدها حينا.
والهواجر: جمع الهاجرة، وهي نصف النهار، والسير يصعب فيها، وأراد بذلك قوتها على السير في هذا الوقت، ثم قال سيبويه:
(ومما يكون مضافا إلى معرفة، ويكون نعتا للنكرة:
الأسماء التي أخذت من الفعل وأريد بها معنى التنوين). فإنه يريد به: أن الأسماء المأخوذة من الفعل وإن أضيفت بمعنى: سيفعل أو يفعل، فإضافتها تخفيف، وهي بمعناها نكرة غير مضافة، والنكرات ينعت بها نحو:
مررت برجل ضاربه رجل.
فهو بمعنى: يضربه في الحال، ويعني: سيضرب، وقوله: (ومثله: هذا عارض
_________________
(١) ديوانه: ٤٦.
[ ٢ / ٣١٥ ]
ممطرنا، فالرفع هاهنا كالجر، وكل مضاف إلى نكرة إذا كان واصفا لنكرة، فهو إن كان وصفا أو موصوفا أو خبرا أو مبتدأ، فهو بمنزلة النكرة المفردة، وأما بيت جرير:
كأنها لدى فرس مستقبل الريح صائم (١).
كأنه قال: لذي فرس مستقبل صائم، فإنه جعل صائما نعتا لمستقبل الريح.
قال أبو سعيد: يجوز أن يكون صائم نعت للفرس، كأنه قال: فرس صائم مستقبل الريح، وأنشد بيت المرّار:
(سلّ الهموم لكلّ معطي رأسه ناج مخالط صهبة متعيّس
مغتال أحبله مبين عنقه في منكب زين المطيّ عرندس (٢)
فالشاهد: أنه نعت معطي رأسه بما تنعت به النكرة المفردة. فأما قول ذي الرّمة:
(سرت تخبط الظلماء من جانبي قسا وحب بها من خابط الليل زائر) (٣)
فالشاهد: أنه نعت خابط الليل بزائر.
وأما قول جرير:
(يا ربّ غابطنا) (٤)
وقول أبي محجن:
(يا ربّ مثلك في النساء) (٥)
والشاهد: أن مثلك في البيتين يكونان نكرتين لدخول رب عليهما، ورب لا تدخل إلا على نكرة.
وقوله: (ومن ذلك قول العرب: لي عشرون مثلك، ومائة مثله، فأجروه مجرى
_________________
(١) ديوانه: ٥٥٤، مجالس ثعلب: ٧١.
(٢) سيبويه ١/ ٨٥، ٦٠، المحتسب لابن جني ١/ ١٨٤.
(٣) ديوانه: ٢٤١.
(٤) البيت: يا رب غابطنا لو كان يعرفكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا ديوانه: ٥٩٥ - الدرر اللوامع ٢/ ٥٦.
(٥) البيت: يا رب مثلك في النساء غريرة بيضاء قد متعتها بطلاق وهو غير موجود في ديوانه- سيبويه ١/ ٢١٢، ٣٥٠ - ابن يعيش ٢/ ١٢٦.
[ ٢ / ٣١٦ ]
عشرون درهما، ومائة درهم)، وذكر الفصل.
فإن سيبويه قد أجاز في: عشرون مثله، وهو لا يجيز عشرون أيّما رجل، والفراء لا يجيز عشرون أيّما رجل، ولا عشرون مثله، ولا عشرون غيرك.
والصحيح قول سيبويه.
وفي جواز عشرون مثله وجهان:
أحدهما: أن يكون مثل بمعنى: مماثل، ومعناه: معقول، فإذا كان كذلك لم تعرفه الإضافة لما تقدر فيه من معنى التنوين، ولهذا قال سيبويه:
(كأنه حذف منه التنوين في قولك: مثل زيد، أو قيد الأوابد)، وجائز أن يكون التنوين في قولك:
مثل زيد، وقيد الأوابد، وجائز أن يكون التنكير من أجل أن إضافته لم تحضره لكثرة وجوه المماثلة، كما أن غيرك لم تحضره الإضافة لأن من لم يكن هو إياك، فهو غيرك، فيكون منكورا.
هذا وإن لم تقدر فيه التنوين، فيصير بمنزلة:
ضارب رجل، وقد دخل عليه رب، وهي لا تعمل إلا في نكرة، كما لا تعمل عشرون إلا في نكرة، فنصبه على التمييز.
والوجه الثاني: أن سيبويه حكى أن من (قول العرب: لي عشرون مثلك)، فقوله دليل على بطلان قياس ما خالفه.
فأما: أيّما رجل، وأيّ رجل، فليس لفظه بمأخوذ من معنى معقول، وإنما يصح إلى شيء يصح معناه به، كما يضاف ذو إلى شيء يصح معناه به، تقول:
مررت برجل أي رجل، وبرجل أيّما رجل.
كما تقول:
مررت برجل ذي مال، ويتأوّل ذو بمعنى صاحب، وصاحب: معنى معقول مأخوذ من فعل ثم يتمكن، صاحب مال بإضافته إلى كناية المال، ولا يتمكن ذو.
تقول: المال زيد صاحبه، ولا تقول: المال زيد ذوه.
وكذلك تقول: مررت برجل أي رجل، كما تقول: مررت برجل كامل، ولا تقول: مررت بأي رجل، ولا عندي
عشرون أي رجل، وأنت تقول: مررت بكامل من
[ ٢ / ٣١٧ ]
الرجال، وعندي عشرون كاملا من الرجال.
وقاس (يونس): عشرون غيره على عشرون مثله، والمسموع هو: عشرون مثله، ولم يخالف أحد من البصريين في ذلك يونس، واستدل يونس والخليل على تنكر مائة درهم بقوله: مائة ألف درهم، وفصل بين صفتيها بقوله: نظرت إلى مائة درهم، وإلى مائة الدرهم الرديئة.
وقوله: (وزعم يونس والخليل أن الصفات المضافات إلى المعرفة التي صارت للنكرة يجوز فيهن كلهن أن يكنّ معرفة)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن المعرفة تشارك النكرة في موضعين، يصير لفظ المعرفة كلفظ النكرة في موضعين وأصلهما التعريف، وإنما دخلهما التنكير على تأويل أذكره.
وإنما يكون التنكير والتعريف فيهما على قصد المتكلم، وذلك في الأسماء الأعلام التي لا ألف ولا لاما فيها، وفي الأسماء المضافة التي يمكن فيها التنوين أو تقديره، تقول في الأعلام: جاءني زيد، وزيد آخر، ومررت بعثمان وعثمان آخر، وما كل إبراهيم أبا إسحاق.
وإنما صار الاسم العلم أصله التعريف لأنه الاسم الذي يقصد به المسمى شخصا لتبينه بذلك الاسم من سائر الشخوص، كالرجل سمى ابنه: زيدا أو غيره لتعرف باسمه من غيره، وهذا أصله.
ثم سمى غيره بمثل اسمه فترادف ذلك الاسم على شخوص كثيرة، وكل شخص منها سمي به لاختصاصه، ثم صار بالمشاركة عاما، فأشبه أسماء الأنواع:
كرجل وفرس ونحوه مما هو لجماعة كل واحد منهم له ذلك الاسم، فإن أورده المتكلم قاصدا إلى واحد بعينه عنده أن المخاطب يعرفه، فهو معرفة.
وإن أفرده على أنه واحد من جماعة لا يعرفه المخاطب، فهو نكرة، ولذلك جاز دخول الألف واللام عليه في الشعر تشبيها بالرجل والفرس.
قال أبو النجم:
باعد أم العمر من أسيرها حرّاس أبواب على قصورها (١)
_________________
(١) مغني اللبيب وشرح شواهده/ ٥٢ (٦٠)، الإنصاف: ٣١٧.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وقال آخر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا سديدا بأحناء الخلافة كاهله (١)
كأنه نكّر (يزيد) ثم أدخل عليه الألف واللام كإدخالها على الفرس والرجل.
وزعم الفراء وغيره من الكوفيين: أن دخول الألف واللام على اليزيد ونحوه للمدح والتعظيم، وليس في أصل العربية دخول الألف واللام للمدح والتعظيم، وإن كان يراد بذلك المدح والتعظيم فلا بد من تنكير الاسم في تقدير اللفظ ليكون دخولهما للتعريف.
فأما ما أضيف إلى معرفة، فإنه إن كانت النية فيه التنوين وأضيف طلبا للتخفيف، فهو على تنكيره وإن كانت النية غير التنوين وإضافة تحضره، فهو معرفة والأصل في إضافة الاسم إلى معرفة أن يتعرف لأن اللفظ يوجب له ذلك باختصاصه إلى ما أضيف إليه، فمن ذلك ما ذكره سيبويه من قوله:
(مررت برجل حسبك به من رجل) إلى آخر الفصل الذي نحن فيه في تفسيره، وهو صفات من مضافات إلى معارف وهن نكرات قد بيّن أمرها، وقد حكى عن يونس والخليل أن تلك الصفات المضافة يكون فيهن كلهن التعريف، وطريق تعريفهن أن لا تكون النية فيهن التنوين، ومثّل ذلك بقوله: (مررت بعبد الله ضاربك).
يجعل ضاربك بمنزلة: صاحبك، لأن صاحبك كغلامك لا يذهب به مذهب الفعل وإن كان مأخوذا من: صحب يصحب، لأنه قد صير بمنزلة المعروف بصحبتك.
وكذلك القول في: مثلك المعروف يشبهك، ولذا قالوا: مررت بعبد الله شبهك، وكان الفرق بينهما أن القائل إذا قال: مررت برجل مثلك أو شبهك، فمعناه: رجل شابهك وماثلك في ضرب من ضروب المشابهة، وهي كثيرة غير محصورة، ولذا ذهب بها مذهب التنوين كأنه قال:
مررت برجل مماثل لك، وإذا قال: شبهك أو قدم في مثلك المعروف بشبهك، فكأنه قال: الغالب عليه شبهك حتى لا يعرف به ولا يذهب به مذهب الفعل، كما لم
_________________
(١) منسوب لابن ميادة في معجم هارون ١/ ٢٨٧. الخزانة ١/ ٣٢٧، ٣/ ٢٥٢ - شرح شواهد الألفية للعيني ١/ ٢٢٨، ٥٠٩.
[ ٢ / ٣١٩ ]
يذهب بصاحب مذهب الفعل، واستثني من جملة ذلك باب: حسن الوجه لأنه لا يتعرف كتعريف مثلك أو شبهك
وضاربك، وذلك أن الوجه هو ما على الحسن، وقد نقل الفعل عنه إلى الأول، وهذا المعنى لا يزول عنه، فتقدير التنوين فيه قائم حتى حقّق الفعل للوجه تحقيق فعل الوجه لا يزول، والتقدير:
مررت برجل حسن وجهه وذكر أبو العباس:
أن غير وإن أضيف إلى معرفة لا يتعرف، لأنك إذا قلت: مررت بغيرك وكل ما ليس بالمخاطب فهو غيره، فإضافته إلى المعرفة لم توجب تغيير شيء بعينه.
قال أبو سعيد: وأقول أنا: إن ل " غير " وجها يتعرف فيه، وذلك أنها قد تستعمل في معنى المخالف كقولهم: الطالح غير الصالح، والجواد غير البخيل. أي: المخالف له، وقد يحصر أشياء متشابهة، وأشياء أخر مخالفة لها، فيقال للمشابهة: إنها واحدة، ويقال للمخالفة لها: إنها غيرها.
وقد يتكلم المتكلم بشيء ثم يعيد مثله، فيقال: هذا هو الأول، وإن أعاد ما يخالفه.
قال: هذا غير الأول، وقد يجوز عندي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (١) معرفة، يذهب مذهب المخالف الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (٢) لأنهم المؤمنون، والمغضوب عليهم:
الكافرون.
والفريقان مختلفان في الدين والصفة ومنه قول أبي طالب:
يا رب إمّا تخرجن طالبي في مقنب من تلكم المقانب
فليكن المغلوب غير الغالب فليكن المسلوب غير السالب (٣)
ثم قال سيبويه: (ومن النعت: مررت برجل إمّا قائم، وإمّا قاعد).
قال أبو سعيد: إمّا معناها: معنى الشك وتخالف أو لأن أو حرف عطف، وإمّا ليست بحرف عطف، وإنما تقدم لتؤذن بالشك والتخيير، وما جرى مجراهما، ثم يعطف عليها بالواو وبمثلها، فيقال: إمّا زيد وإمّا عمرو.
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٢) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٣) البيتان غير موجودين في ديوانه.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
قال سيبويه: (ومن النعت: مررت برجل لا قائم ولا قاعد).
قال أبو سعيد: أصل هذا: مررت برجل قائم أو قاعد، فإذا أردت نفي الصفة، قلت: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، فلم
تخل بين الصفة والموصوف، ووقع الجحة بها، وعطفت الثانية على الأول بالواو، وكان الأصل: مررت برجل غير قائم، وغير قاعد.
وأعربت غير إعراب رجل لأنها نعت، وغير اسم معرب، وجعل مكانها لا، وهي حرف لا يعرب، فجعل إعراب غير فيما بعد لا.
قال سيبويه: (ومنه مررت برجل راكع لا ساجد، لإخراج الشك، أو أراد أن يؤكد العلم فيهما).
قال أبو سعيد: لا ها هنا للعطف، كقولك:
قام زيد لا عمرو، وهو لإخراج الثاني مما دخل الأول فيه، ومعنى قوله: (لإخراج الشك)، يعني:
الشك في أنه ساجد أو تأكيد العلم بركوعه وعدم سجوده، ثم قال سيبويه: (ومنه:
مررت برجل رجل صدق). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: أمّا قوله: (وكذلك السوء ليس بمعنى سؤته).
فأراد أن يعلمك أنه ليس بفعل فعله الرجل، فيكون نعتا له، والسوء هاهنا بمعنى الفساد والرداءة، وليس من ساءني يسؤني، والصدق بمعنى الجودة والصلاح، فإذا قال:
مررت بحمار سوء، فقد قال: بحمار ذي رداءة، وإذا قال: بحمار صدق، فقد قال:
بحمار ذي جودة، ثم قال سيبويه: (ومنه مررت برجلين مسلم وكافر). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا ذكرت اسمين مثنيين، أو أسماء مجموعة منصوبة أو مخفوضة، ثم جئت بعدها بنعتها معرفا، فإنه على وجهين، أحدهما:
أن يكون عدة النعت المفرق، كعدة المنعوت.
والضرب الآخر: أن تكون عدة النعت المفرق أقل من عدة المنعوت، فإذا كانت العدة في المنعوت والنعت المفرق واحدة، وهو ما ذكره سيبويه في هذا الموضع فإن لك أن تجري النعت على لفظ المنعوت من وجهين، ولك أن ترفع النعت، وذكر في رفعه وجها، وذلك قولهم: مررت برجلين مسلم وكافر، بخفض مسلم وكافر من وجهين، أحدهما:
[ ٢ / ٣٢١ ]
أن يجعل النعت وتعريفه كجمعه، فيصير مسلم وكافر كقولك: مسلمين أو كافرين، ومن حيث جاز أن يفرق الاسم. ويجمع النعت في قولك: مررت برجل وامرأة وحمار قيام، جاز أن تجمع الاسم، ويفرق نعته، فتقول:
مررت برجل قائم وقاعد ونائم.
والوجه الثاني: أن يجريه على الأول مبدلا منه، كأنه قال: مررت بمسلم وكافر ولم تذكر رجلين. وفسّر سيبويه خفضه على البدل بقوله: (كأنه أجاب من قال: بأي ضرب مررت)، وإنما قدّر هذا، لأن البدل في التقدير كأنه هو الملفوظ المتصل بالفعل، وقد رفع مسلم وكافر على جواب من قال: ما هما؟
فكان التقدير: هما مسلم وكافر، فيكون مسلم وكافر خبرهما، وقد قدّر سيبويه في غير هذا الموضع الرفع على التبعيض، ومعناه:
أحدهما مسلم والآخر كافر، وهذا الوجه من الرفع هو الذي يستعمله النحويون في ألفاظهم كثيرا.
وأمّا إذا كان النعت المفرق أقل في اللفظ من المنعوت، فالرفع لا غير، وذلك قولك: بثلاثة نفر مسلم وكافر.
وإنما وجب الرفع في هذا لأنه لما نقص وجب تقدير التبعيض ضرورة، كأنه قال:
مررت بثلاثة نفر بعضهم مسلم، وبعضهم كافر، لأن بعض الثلاثة جائز أن يكون اثنين، ولا يجوز في هذا الوجه الذي قدره سيبويه غير الرفع، لأن ذاك مبتدأ وخبر يؤتى به على تمام العدة، وقد يعيدون الاسم توكيدا، ويقولون: مررت برجلين رجل مسلم ورجل كافر.
وتقدير الإعراب فيه واحد، وإعادة الاسم فيه توكيد.
قال سيبويه: (ومما جاء في الشعر قد جمع فيه الاسم وفرق النعت، وصار مجرورا. قول الباهلي:
بكيت وما بكا رجل كبير على ربعين مسلوب وبال (١)
كذا سمعنا العرب تنشده، والقوافي مجرورة).
قال أبو سعيد: قد اعترض في قوله: والقوافي مجرورة فقيل: بال مرفوع مجرور بلفظ
_________________
(١) في معجم هارون ١/ ٣١٥: الباهلي أو ابن ميادة مغني اللبيب ٣٥٦ (٢٦٢).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
واحد لأنه كقاض ورام في بنات الياء، فكيف احتج بخفض القوافي؟ وهذا لا يلزمه، وإنما اعتمد على ما سمعه من العرب في خفض مسلوب.
وقوى ذلك أن مبنى القافية على الجر، والشاعر المقتدر يبني القافية على موجب الإعراب رفعا أو نصبا أو جرا، ثم يجري باقي القصيدة على تقدير ذلك الإعراب، وإن لم يظهر ذلك الإعراب ولم يلفظ به حتى لو أطلقت كانت بحسب موجب الإعراب كما قال الحطيئة:
شاقتك أظعان للبلى يوم ناظرة بواكر في الآل ترفعها الحدأة فكأنها سحق مواقر (١)
جمع موقرة وهي الحاملة.
وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت أبياتها لكانت مرفوعة كلها.
وقال الكميت:
قف بالديار وقوف زائر تأنىّ إنك غير صاغر
ماذا عليك من الوقوف بهامد الطللين داثر (٢)
وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت أبياتها كلها كانت مخفوضة. وللكميت قصيدة أخرى أولها:
يا دار هل بحولك أهل ممن يرج إليه سائل يا دار كنت محلة فيك التآلف والتواصل (٣)
وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت كانت الأبيات كلها مرفوعة.
قال: (ومنه أيضا: مررت بثلاثة نفر: رجلين مسلمين، ورجل كافر، جمعت الاسم وفصلت العدة، ثم نعتّه وفسّرته، وإن شئت أجريته مجرى الأول في البدل والابتداء، قال العجاج:
خوّى على مستويات خمس كركرة وثفنات ملس (٤)
_________________
(١) ديوان الحطيئة: ١٦٥ قصيدة رقم ٤٠.
(٢) ديوانه ١/ ٢٢٣ - العيني ٨/ ٤٠١.
(٣) غير موجود في ديوانه.
(٤) ديوانه: ٣٥٨.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فهذا يكون على وجهين:
على البدل وعلى الصفة).
ومثل ما يجيء في هذا الباب على الابتداء وعلى الصفة، قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ (١).
ومن الناس من يجر، والجر على وجهين:
الصفة والبدل، ومثله قول كثير عزة:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلّت (٢)
قال سيبويه: (فأما مررت برجل صالح فليس فيه إلا الصفة).
قال أبو سعيد: إنما قال: (ليس فيه إلا الصفة) لأن الرفع والصفة الجائزان في قولك:
مررت برجل راكع وساجد على الصفة، ومسلم وكافر على خبر مبتدإ، لا يكون مثله في قولك: مررت برجل راكع وساجد، كأنه أجاب من قال: ما هو؟ وقد ذكر سيبويه قبل هذا.
قال سيبويه: (وإذا جئت بالنعت بلفظ واحد فإن الرفع الذي يوجبه النعت يبطل، ويجري النعت على الاسم، تقول: مررت بثلاثة رجال مسلمين، لا يحسن فيه إلا الجر، لأنك جعلت الكلام اسما واحدا حتى صار كأنك قلت: مررت بقائم، ومررت برجال مسلمين، وهذا قول يونس). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: فإنه يريد أن الاسم الواحد وإن كان له خبر معطوف عليه خبره، فإنه لا يجوز فيه التبعيض، كما أن صفات الواحد لا يجوز فيها التبعيض، وإنما يجوز التبعيض في الخبر إذا كان الاسم مثنى أو مجموعا كقولك: كان أخواك راكع وساجد، على معنى أحدهما راكع، والآخر ساجد، وكان أخوتك راكع وساجد على معنى بعضهم راكع، وبعضهم ساجد، وكذلك إن فرقت الأسماء وجمعت النعت لم يكن فيه تبعيض، تقول:
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣.
(٢) ديوانه: ١/ ٤٦ - الخزانة: ٢/ ٣٧٦.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
مررت برجل وامرأة وحمار قيام، وكذلك لو كانت الأسماء معرفة، وجاء حال منهم مجموع بلفظ واحد، لم يكن فيه تبعيض وكان نصبا كقولك: مررت بأخيك، وعبد الله، وزيد قياما، ولا تقل: قيام، ولو قلت: مررت بأخويك قائما وقاعدا، جاز فيه النصب والرفع على التبعيض.
قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل أسد شدة وجرأة). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قولهم: مررت برجل أسد ضعيف لأن أسد اسم نوع، ولا يوصف بالأنواع ولا بالجواهر، وإنما الوصف بالتحلية فاحتجن لذلك إلى تقدير مثل في الوصف، فقدرت مثل الأسد، لأن مثل بمعنى مماثل وهو مأخوذ من فعل.
والأسماء الجارية على الفعل هي للصفات في الأصل، فإذا قلت: مررت بزيد أسد شدة لم يقبح.
قال سيبويه محتجا لهذا: (وقد يكون خبرا ما لا يكون صفة)، وقد ذكرنا من قول سيبويه: (هذا مالك درهما، وهذا
خاتمك حديدا) على الحال، ولا يحسن: مررت بحديد خاتم وفضة درهم على الصفة.
قال أبو سعيد: والذي عندي: أن جواز أسد في الصفة والحال واحد، وذلك أنك لست تريد في الحال إذا قلت: مررت بزيد أسدا شخص الأسد الذي هو السبع، وإنما تريد شديدا.
وإذا كان أسد في الحال بمعنى شديد، كان في الصفة مثله لأن مرجعه إلى معنى شديد، وشديد صفة، فإذا قلت: هذا خاتمك حديدا وهذا مالك درهما، فإنما تريد نفس الحديد والدرهم.
قال سيبويه: (ومنه أيضا: ما مررت برجل صالح بل طالح، أبدلت الصفة الأخيرة من الصفة الأولى). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قد استعمله سيبويه في هذا الموضع وقبله بأسطر، لفظ البدل على غير ما اعتاده النحويون، لأن البدل في كلامهم هو: أن يقدر سقوط ما قبله، ويقام الثاني مقامه، ولو قدرنا هذا في هذا الموضع لما صح الكلام، لأنه قال في الأول: ما مررت برجل كريم بل لئيم، ولو أطرحنا كريما، وجعلنا مكانه لئيم، صار تقديره: ما مررت برجل لئيم، وليس هذا بمراد، فيكون معنى الكلام أنك أبدلت الإيجاب من النفي على ما
[ ٢ / ٣٢٥ ]
يصح من اللفظ والمعنى، فيصير التقدير: ما مررت برجل كريم بل مررت برجل لئيم، وكذلك: ما مررت برجل صالح ولكن مررت برجل صالح، فالأول من الكلامين غير معمول به، والثاني هو المعتمد عليه.
فأبدل كلاما معتمدا عليه من كلام مطرح، وهو معنى البدل.
وقال سيبويه: (إن بل، ولا، ولكن تشرك بين النعتين فيجريان على المنعوت كما أشركت بينهما الواو والفاء وثم وأو، وما أشبه ذلك). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن بل، ولا، ولكن حروف العطف تشرك بين الأول والثاني في الإعراب على اختلاف معانيهما، وأما (بل) فإنها إذا أتت بعد كلام موجب فالأغلب عليها تحقيق الثاني، والإضراب عن الأول، ويكون الكلام غلطا من المتكلم به سبق إليه لسانه، أو رأى ذكره، ثم رأى ذكر غيره كما يذكر الذاكر الشيء على غير وجه الإبطال له، ولكن يرى أنه مضى وتقضّى وقته والحاجة إلى ذكره، وأن ما بعده أولى بالتذكر فيقول: كان كذا وكذا بل كذا، تقول:
كان كذا ثم تقول: دع ذا أو خذ ذا الشيء الآخر.
قال زهير:
دع وعد القول في هرم خير الكهول وسيد الحضر (١)
ولم يرد زهير إبطال ما قبله من الكلام، وقال العجاج بعد أشياء ذكرها لم يرد إبطالها:
دع ذا وبهج حسبا مبهجا فخما وسير مطلقا مروجا (٢)
فأما (لا بل) فإن (لا) تأتي لتوكيد إبطال ما قبلها، وفصل سيبويه بين (بل) و(لكن) فقال في (بل): (مررت برجل صالح بل طالح)، على أنه نسى أو غلط فتدارك كلامه، ولم يجز: مررت برجل صالح ولكن طالح، على تدارك النسيان، إنما جئت بها بعد النفي، كقولك: ما مررت برجل صالح لكن طالح، وأمّا لكن فإنها إذا أتت بعد منفى جاز أن يكون ما بعدها عطفا كقولك: ما زرت زيدا ولكن عمرا، وما مررت بزيد لكن
_________________
(١) ديوانه: ٢٧.
(٢) ديوانه: ٢٩٥.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
عمرو، وما خرج زيد لكن عمرو.
وليس يكون بها عطف إلا على هذا فوجب لما بعدها ما نفي عما قبلها، كما أن لا تنفى عما بعدها ما وجب لما قبلها، فهي نقيضها.
قال أبو العباس: الفرق بين (لكن) و(بل) أن (بل) لا يتكلم بها إلا غالط إذا قلت:
رأيت زيدا بل عمرا، كأنك قلت:
ما رأيت زيدا بل ما رأيت عمرا، أضربت عن الأول واعتمدت في الجحد على الثاني. قال أبو العباس: وقد تكون بمعنى لكن في قولك:
ما رأيت زيدا بل عمرا، أي:
بل رأيت عمرا، فمعناه: لكن عمرا.
ويجوز أن تعني: بل ما رأيت عمرا إذا أردت إبطال الأول.
والجيد أن تحمله على: رأيت، لأنها أقرب إليه فيكون المعنى: بل رأيت عمرا.
ويجوز الرفع بعد هذه الحروف.
وتكون عاطفة جملة على جملة، ويكون الرفع على إضمار (مبتدأ) يكون الذي ظهر خبره.
ثم قال سيبويه: (تقول: ما مررت برجل مسلم، فكيف رجل راغب في الصدق بمنزلة:
فأين راغب؟ وزعم يونس أن الجر خطأ، لأن (أين) ونحوها يبتدأ بهن، ولا يضمر بعدهن شيء).
قال أبو سعيد: يريد: أنهن لا يجرين مجرى حروف العطف التي يعمل فيما بعدهن عامل الاسم الذي قبلهن، وهذا لا
يجوز في حروف الاستفهام لأنهن لا يعمل ما قبلهن فيما بعدهن.
لا تقول: رأيت زيدا فأين عمر أو فهل بشرا.
فإذا قلت: كيف رجل راغب في الصدقة؟ فرجل: مبتدأ، وراغب: نعته، وكيف:
خبره.
وأين راغب في الصدقة؟ فراغب: مبتدأ، وأين: خبره.
و(لكن) و(بل) لا يكونان مبتدأين فيشبّهن بحروف العطف إذ كنّ لا يبتدأ بهن.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وذكر أبو بكر مبرمان غير ذكر قوله: ولا يضمر بعدهن شيء، أن التي يضمر بعدهما ما كان فيه معنى التخصيص، كقولك: جئتك بدرهم، فتقول: هلّا دينارا.
قال سيبويه:
(ومما جرى نعتا على غير وجه الكلام: هذا جحر ضبّ خرب). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: كلام سيبويه في هذا الفصل بيّن، واحتجاجه فيه قوي، وخلافه للخليل فيه مفهوم أيضا وأصل (لكن) العطف لأنها تدخل لإيجاب نفي عما قبلها لما بعدها لتصير حال ما بعدها مخالفة لما قبلها.
وقد استعملت للعطف في الحال التي ذكرنا.
وتدخل الواو عليها في تلك الحال، فيصير العطف للواو، ويكون دخول (لكن) بمعنى: التدارك للمعنى، كقولهم: ما رأيت زيدا ولكن عمرا، وما مررت بزيد ولكن عمرو.
ورأيت بعض النحويين من البصريين قال في:
هذا جحر ضب خرب، قولا شرحته وقويته بما يحتمله. زعم هذا النحوي: أن المعنى هذا جحر ضب خرب: الجحر، والذي يقوي هذا أنّا إذا قلنا: خرب الجحر، صار من باب: حسن الوجه.
وفي خرب ضمير الجحر مرفوع لأن التقدير:
كان خرب جحره، ومثله ما قاله النحويون:
مررت برجل حسن الأبوين لا قبيحين، والتقدير:
لا قبيح الأبوين، وأصله: لا قبيح أبواه، ثم جعل في: قبيح ضميرا لأبوين، فثني لذلك وأجري على الأول فخفض واكتفي بضمير الأبوين، ولم يعد ظاهرهما لما تقدم لهما من الذكر ولا يشبهه عندي قوله:
وجيد بطن واد هموز الناب (١)
على هذه العلة لأنّا إذا خفضنا (هموز) فهو محمول على (بطن واد)، وليس هموز
_________________
(١) البيت للحطيئة في ديوانه ص ١٣٨ والخصائص ٢/ ٣٧٢، وهو فإذا إياكم وحية بطن واد هموز الناب ليس لكم بسيّ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
بمضاف إلى شيء يصححه إضافته في التقدير، فما كان تقديره إضافة (خرب الجحر) يوجب تصحيح الخفض.
ومثله: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، فعطف قاعدين على قائم، لأن معناه:
قائم أبواه لا قاعدا أبواه، ثم أضمر الأبوين فثنّي الضمير.