فمن تلك الحروف الحروف العوامل في الأفعال الناصبة- ألا ترى أنك لا تقول:
جئتك كي زيد يقول ذاك، ولا خفت أن زيد يقول ذاك، فلا يفصل بين الفعل والعامل فيه، كما لا يجوز أن يفصل بين الاسم وبين (إنّ) وأخواتها بفعل، ومما لا يقدم فيه:
الأسماء، الفعل، الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك (لم) و(لما) و(لا) التي تجزم الفعل في النهي و(اللام) التي تجزم الفعل في الأمر، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الأفعال بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر وبين الأسماء بالأفعال؛ لأن الجزم نظير الجر، ولا يجوز أن تفصل بينهما وبين الفعل بحشو، كما لا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور بحشو إلا في شعر:
ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبّه بما يعمل في الأسماء، ألا ترى أنه لا يجوز أن يفصل بين الفعل وما ينصبه بحشو، كراهة أن يشبهوه بما يعمل في الاسم، لأن الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل، ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم، وقلة ما يعمل في الفعل؛ فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيد، لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما يعمل في الأسماء.
واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك أنهم
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٢٤.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٣٥.
(٣) سورة الرعد، الآيتان: ٢٣، ٢٤.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
يشبهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أن حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة (الذي) فلما كانت تصرف هذا التصرف، وتفارق الجزم ضارعت ما يجر من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو ضارب عبد الله، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضارب، ولذلك لم يكن مثل (لم) أو (لا) في النهي واللام في الأمر لأنهن لا يفارقن الجزم، ويجوز الفرق في الكلام في (إن) إذا لم تجزم في اللفظ
نحو قوله:
عاود هراة وإن معمودها خربا (١)
فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبّه بلم؛ وإنما جاز في الفصل ولم يشبه (لم) لأن (لم) لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز في (إن) لأنها أصل الجزاء ولا تفارقه، فجاز هذا، كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وأما سائر حروف الجزاء، فهذا ضعيف فيه في الكلام لأنها ليست كإن، فلو جاز في إن، وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها (فعل).
ومما جاء في الشعر مجزوما في غير (إن) قول عدي بن زيد:
فمتى واغل ينبهم يحيوّ هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (٢)
وقال:
صعدة نابتة في حائر أينما الرّيح تميّلها تمل (٣)
ولو كان (فعل) كان أقوى إذ كان ذلك جائزا في (إن) في الكلام.
واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما يقع على فعل هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيدا رأيته يكن ذلك، لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها، فإن قلت: إن يأتني زيد يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيدا ضربته، إن تأتني فأنا خير لك حسنا، وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر، كقوله:
_________________
(١) صدر بيت لم نقف على قائله وعجزه، الكتاب ٣/ ١١٢؛ ولسان العرب مادة (طرب).
(٢) البيت في ديوانه ١٥٦، والكتاب ٣/ ١١٣.
(٣) البيت ورد منسوبا لكعب بن جعبل، في الخزانة ٣/ ٤٧؛ والكتاب ٣/ ١١٣.
[ ٣ / ٣٢١ ]
الله يشكرها (١)
ومثل الأول قول هشام المري:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن ومن لا نجره يمس منا مفزّعا (٢)
قال أبو سعيد: أكثر كلام سيبويه فيه واضح، وقوله:
وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال من العوامل، وكثرة ما يعمل في الأسماء منها. وذلك أن الأسماء تعمل فيها الأفعال والأسماء والحروف، أما الفعل فقولك عمرو ضرب زيدا، ويضرب أخاك أبوك، وأما الأسماء فقولك:
هذا ضارب زيدا، ومكرم عمرا، وهذا غلام عمرو، ودار بكر.
وأما الحروف فإن وأخواتها، وحروف الجر كقولك: إن في الدار زيدا، ومررت بعمرو، والأفعال إنما يعمل فيها حروف معلومة قليل عددها، إذا تقدم الاسم المرفوع، وولى الجازم، فأحسن ذلك أن يكون في (إن) من بين حروف الجزاء، لأنها الحرف الأصلي في المجازاة، وقد ذكرت قوتها قبل هذا الموضع، واستشهدت عليه بما يغني عن إعادته في هذا الموضع، ويكون الفعل بعد الاسم ماضيا، وذلك قول الله﷿-: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (٣) وقوله﷿-: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٤)، والذي عند أصحابنا البصريين أن الاسم الذي بعد (إن) يرتفع بإضمار فعل ما ظهر تفسيره كأنه قال: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، والفعل الذي بعد (أحد) تفسير المضمر الفعل، وموضع هذا الفعل جزم، وإن كان ماضيا يقوم في التقدير مقام الفعل الذي هو تفسيره، والدليل على ذلك أن الشاعر لما جعله مستقبلا جزمه، فمن ذلك فمتى واغل ينبهم تقديره فمتى ينبههم واغل ينبههم، وقوله:
أينما الرّيح تميّلها
فتقديره: أينما تميلها الرّيح تميلها.
_________________
(١) جزء من بيت سبق تخريجه.
(٢) البيت في ديوانه، الخزانة ٣/ ٦٤٠؛ الكتاب ٣/ ١١٤؛ المقتضب ٢/ ٧٥.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧٦.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٦.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
ومن نحن نؤمنه تقديره: نحن نؤمنه، وقد أنشد غير سيبويه فيه
وإن أنت تفعل فللفاعلي ن أنت المجيزين تلك الغمارا (١)
ومعناه فإن تفعل أنت تفعل، وأما الفراء وأصحابه فلا يقدرون فعلا قبل الاسم المرفوع، ويجعلون الاسم المرفوع والمنصوب مستحسنا في (أن) خاصة لقوتها لأنها الاسم المرفوع الحرف الأصلي في المجازاة، فالمرفوع ما ذكرناه، والمنصوب قولك، وإن أخاك ضربت ظلمت، وقد اختلف الكسائي والفراء في جواب الجزاء إذا لم يكن بالفاء هل يجوز تقديم الاسم فيه على الفعل فأجمعا أنه لا يجوز ذلك في الاسم المرفوع، واختلفا في المنصوب، وأجازه الكسائي، ولم يجزه الفراء، وذلك قولك: إن عبد الله يقم يقم أبوه لا يجوز عندهما في الجواب أبوه يقم، فإن قلت: إن عبد الله يقم يضرب أخاه- جاز عند الكسائي أخاه يضرب، ولم يجز عند الفراء، واحتج الكسائي بقول الشاعر، وهو طفيل الغنوي:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعزف لها أيامها الخير تعقب (٢)
والقصيدة مخفوضة، والخير عند الكسائي منصوب بتعقب، والفراء يقول: إن الخير منصوب؛ لأنه نعت الأيام كأنه قال: أيامها الصالحة، ولم يأت لتعقب بمفعول، ولو كان تعقب مرفوعا لم يقع خلاف في جواز تقديم المنصوب بالفعل، لأن الفاء تقدر وإذا أتى بالفاء جاز التقديم، كقولك: إن يأتني زيد فأكرم أخاه، ويجوز فأخاه أكرم، ثم تحذف الفاء، كما حذف في قوله الله يشكرها. وقد أجاز سيبويه تقديم الاسم في الجواب ورفعه بإضمار، كما أجازه في الشرط، وذلك قولك: إن تأتني زيد يقل ذاك، فزيد مرفوع بفعل مضمر قبله مجزوم، وبعده تفسيره، كأنه قال: إن تأتني يقل زيد ذاك يقل، ولا يجوز أن يرتفع زيد بالابتداء، لأنه لو ارتفع بالابتداء لكانت الفاء مقدرة قبله، وإذا قدرت الفاء قبله بطل جزم الفعل الذي بعده لأنك تقول: إن تأتني فزيد يقل ذاك، وإنما يقول فزيد يقول ذاك، وقوله في آخر الباب: ومثل الأول قول هشام المري: يعني بالأول قوله: فمتى واغل.
وأينما الريح، وسائر كلامه قد أتى عليه الشرح في هذا الباب وغيره.