تقول: (جئتك أنك تريد المعروف) إنما أردت: جئتك لأنك تريد المعروف
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ١٨.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١٧.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ١٤.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ١٢.
(٥) سورة الحج، الآية: ٦٠.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
ولكنك حذفت " اللام " هاهنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:
أغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن ذنب اللئيم تكرّما (١)
أي: لادخاره.
وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٢) فقال: إنما هو على حذف اللام كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. وقال نظيرها: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (٣) لأنه إنما هو: لذلك فليعبدوا فإن حذفت اللام من " أنّ " فهو نصب كما أنك لو حذفت اللام من " لايلاف " كان نصبا هذا قول الخليل: ولو قرءوها " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيدا وقد قرئ.
ولو قلت: جئتك إنّك تريد المعروف. مبتدأ كان جيدا. وقال ﷿: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ (٤) وقال ﷿: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥) إنما أراد: بأني مغلوب وبأني لكم نذير مبين ولكنه حذف الباء. وقال ﷿: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (٦) بمنزلة: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (٧) والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون. ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا. وأما المفسرون فقالوا: على " أوحى إلى " كما كان: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ (٨) على " أوحى إلي).
ولو قرئت (وإن المساجد لله). كان جيدا واعلم أن هذا البيت ينشد على
_________________
(١) البيت لحاتم الطائي وهو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي كنيته أبو عدي، يضرب المثل بجوده توفي ٤٦ هـ. البيت في ديوانه ٨١، برواية (وأصفح عن شتم) انظر الخزانة: ١/ ٤٩١، الكتاب: ١/ ١٨٤، العيني: ٣/ ٧٥.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥٢.
(٣) سورة قريش، الآية: ١.
(٤) سورة القمر، الآية: ١٠.
(٥) سورة هود، الآية: ٢٥.
(٦) سورة الجن، الآية: ١٨.
(٧) سورة المؤمنون، الآية: ٥٢.
(٨) سورة الجن، الآية: ١٩.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وجهين: على إرادة اللام وعلى الابتداء. فقال الفرزدق:
منعت تميما منك أني أنا ابنها وشاعرها المعروف عند المواسم (١)
وسمعت من العرب من يقول: " إنيّ "
وتقول: (لبيك إن الحمد والنعمة لك " وإن شئت قلت: (أّنّ) ولو قال إنسان إنّ " أنّ " في موضع جر في هذه الأشياء ولكنه حذف لما كثر في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا " رب " في قولهم:
وبلد تحسبه مكسوحا (٢)
لكان قولا قويا. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك. والأول: قول الخليل. ويقوى ذلك قولهم: " وأن المساجد لله " لأنهم لا يقدمون " أن " ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها، إلا أنه يحتج الخليل بأن المعنى معنى اللام فإذا كان الفعل أو غيره موصولا باللام جاز تقديمه وتأخيره؛ لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى. فاحتملوا هذا المعنى كما قالوا: " حسبك ينم الناس " إذ كان فيه معنى الأمر وسترى مثله.
قال أبو سعيد: إذا تقدمت " أن " مفتوحة ووليها حرف جر مقدم فقول الخليل: إنها في موضع نصب بالفعل الذي كان يعمل في حروف الجر. فإذا قلت " جئتك أنك تريد المعروف ".
" فأنك " في موضع نصب بجئتك. لما حذفت اللام وصل الفعل إلى ما بعدها وكانت اللام في موضع نصب. وكذلك سائر ما ذكرناه.
وكان الكسائي يقول أنها في موضع جر وقد قوى سيبويه كونها في موضع جر من غير أن يبطل قول الخليل أو يرده.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يراه منصوبا ويذهب مذهب الخليل فيه.
قال أبو سعيد: والزجاج يجوّز الأمرين جميعا في (أن): النصب والجر. والأقوى عندي: أن موضعه جر لأن حروف الجر تحذف من " أن " و" أنّ " مخففة ومشددة. لأنهما وما بعدهما بمنزلة اسم واحد وقد طال فحسن الحذف كما يحسن حذف الضمير العائد
_________________
(١) ديوانه ٨٥٧ برواية (راجلها) والبيت من بحر الطويل.
(٢) لم نقف على قائله انظر الأعلم: ١/ ٤٦٥، وهو في وصف فلاة.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
إلى " الذي " في قولك: الذي ضربت زيد بمعنى: الذي ضربته ولا يحسن " الضارب أنا زيد " تريد: الضارب، وكذلك حسن أن يقال: " أنا راغب أن أصاحبك " و" أنا على ثقة أنك مقيم " والمعنى: " أنا راغب في أن أصاحبك " و" على ثقة من أنك مقيم " فحسن حذف حرفي الجر منهما. ولو رددتهما إلى لفظ المصدر لم يجز أن تحذف حرف الجر. لا يجوز: أنا راغب مصاحبتك إلا أن تأتي " بفي " كما لا يجوز: (أنا متكلم زيدا) بمعنى:
متكلم في زيد. وكذلك لو قلت: " أنا على ثقة مقامك " لم يجز حتى تقول: (على ثقة من مقامك). فإذا كان طرح حرف الجر للاستطالة في اللفظ فكأنه موجود في الحكم. ألا ترى أنك تقول: مررت بالذي ضرب زيد. بمعنى: الذي ضربه زيد. وتعطف الأخ على الهاء المحذوفة العائد إلى الذي " وكأنها موجودة فكذلك اللام " وسائر حروف الجر إذا حذفت كأنها موجودة.
ومن الدليل على ذلك: أنك تقدمها مفتوحة إذا كانت اللام مقدرة قبلها. فإن كانت اللام هي العاملة فهي مجرورة. وإن كان العامل فيها الفعل الذي بعدها صارت بمنزلة قولنا: عرفت أن زيدا قائم. ولا يجوّز أحد: " أنّ زيدا قائم عرفت " لتأخر العامل.
فإن قيل المعنى معنى اللام وإن حذفت؟ فإن الجواب أن اللام لما حذفت في اللفظ ونقل العمل في " أن " إلى الذي بعدها لم يّكن للّام تأثير في لفظ " أنّ " وقد وقعت مبتدأة في اللفظ فوجب أن تكسر.
ويقوى هذا أنك تقول: إنّ زيدا قائم علمت، والمعنى: علمت أن زيدا قائم ولم يجز.
من أجل ذلك فتح: " إن " في الابتداء. وفي آخر الباب ضمائر ذكرت ما يعود إليها قوله: (إلا أنه) الهاء للخليل وموصلا إليه (الهاء) وكذلك " الهاء " في تقديمه وتأخيره وقوله:
ليس هو الذي عمل فيه يعني: ليس الفعل الذي عمل في " أن " وباقي الباب من كلامه مفهوم وقد مضى من الشرح ما يدل على ما لم يشرح.