تقول: أشهد إنك لمنطلق " فأشهد " بمنزلة قوله: والله إنك لذاهب و" إن " غير عاملة فيها " أشهد ". لأن هذه اللام لا تلحق أبدا إلا في الابتداء.
ألا ترى أنك تقول: أشهد لعبد الله خير منك كأنه قال: والله لعبد الله خير منك. فصارت " إنّ " مبتدأة حين ذكرت " اللام " هاهنا ولم تكن إلا مكسورة كما أن
_________________
(١) ديوانه: ٢/ ٦٦، الموشح للمرزباني: ٢٩٧.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
" عبد الله " لا يكون هاهنا إلا مبتدأ. ولو جاز: أشهد أنك لذاهب لقلت أشهد بذلك.
فهذه اللام لا تكون إلا في الابتداء وتكون " أشهد " بمنزلة " الله " ونظير ذلك قول الله ﷿: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)، وقال ﷿: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٢)؛ لأن هذه توكيد. كأنه قال:
يحلف بالله أنه لمن الصادقين.
وقال الخليل: أشهد بأنك لذاهب غير واجب؛ لأن حرف الجر لا يعلق وقال:
أقول: (أشهد إنه لذاهب وإنه منطلق " اتبع آخره أوله. وإذا قلت: أشهد أنه ذاهب وأنه منطلق لم يجز إلا الكسر في الثاني لأن اللام لا تدخل أبدا على (أنّ) و(أن) محمولة على ما قبلها ولا تكون إلا مبتدأة باللام، ومن ذلك أيضا قد علمت أنك لخير منه " فأن " هاهنا مبتدأة. " وقد علمت " هاهنا بمنزلتها في قولك: " لقد علمت أيّهم أفضل " فعلقه في الموضعين جميعا. وهذه اللام تصرف " أن " للابتداء كما تصرف " عبد الله " للابتداء. في قولك: " لعبد الله خير ومنك " ف (عبد الله) هاهنا بمنزلة " أن " في أنه يصرف إلى الابتداء ولو قلت: قد علمت أنه لخير منك. لقلت: قد علمت لزيدا خيرا منك ورأيت لعبد الله هو الكريم فهذه " اللام " لا تكون مع " إنّ " ولا مع عبد الله. ألا وهما مبتدآن. نظير ذلك قول الله ﷿: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٣) فهو هاهنا مبتدأ. ونظير " أن " مكسورة إذا لحقتها اللام قوله ﷿: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٤)، وقال ﷿: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا
مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٥)، فإنكم هاهنا بمنزلة " أيّهم " إذا قلت: ينبئهم أيهم أفضل.
وقال الخليل مثله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ (٦)، " فما "
_________________
(١) سورة المنافقون، الآية: ١.
(٢) سورة النور، الآية: ٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٤) سورة الصافات، الآية: ١٥٨.
(٥) سورة سبأ، الآية: ٧.
(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٤٢.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
هاهنا بمنزلة: " أيهم " و" يعلم " معلقة.
قال الشاعر:
ألم تر أنّي وابن أسود ليلة لنسري إلى فارين يعلو سناهما (١)
سمعناه ممن ينشده من العرب.
وسألت الخليل عن قوله: أحقا أنه لذاهب فقال: لا يجوز (كما لا يجوز) يوم الجمعة أنه لذاهب. وزعم يونس والخليل: أنه لا تلحق هذه اللام مع كل فعل. ألا ترى أنك لا تقول: وعدتك إنك لخارج إنما يجوز هذا في العلم والظن ونحوه. كما يبتدأ بعدهن " أيهم " فإذا لم تذكر اللام قلت: قد علمت أنه منطلق. لا تبتدئه وتحمله على الفعل ولم يجئ ما يضطرك إلى الابتداء. وإنما ابتدأت حين كان غير جائز أن تحمله على الفعل (فإذا حسن أن تحمله على الفعل) لم تتخط الفعل إلى غيره. نظير ذلك قوله: " إن خيرا فخير وإن شرا فشر " حملته على الفعل حين لم يجز أن تبتدئ بعد " إن " وكما قال: " أما أنت منطلقا انطلقت معك " لما لم يجز أن تبتدئ الكلام بعد " أما ".
وهذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين. وليس كل العرب تتكلم بها.
وتقول: " لهنك لرجل صدق " فهي " إنّ " ولكنهم أبدلوا " الهاء " مكان " الألف " كقولهم:
هرقت، ولحقت هذه اللام " أن " كما لحقت " ما " حين قلت: " أن زيد لما لينطلقن " فلحقت " أن " اللام في اليمين كما لحقت " ما " واللام الأولى في لهنك " لام اليمين) واللام الثانية لام " أن " وفي " لما لينطلقن " اللام الأولى: " لإن " والثانية " لليمين " والدليل على ذلك: النون التي معها.
وقد يجوز في الشعر: " أشهد أن زيدا ذاهب " لشبهها بقوله: والله أنه ذاهب (لأن) معناه معنى اليمين كما أنه لو قال: " أشهد أنت ذاهب " ولم يذكر اللام لم يكن إلا ابتداء. وهو قبيح وضعيف: إلا باللام.
ومثل ذلك في الضعف: علمت أن زيدا ذاهب كما أنه ضعيف: قد علمت
_________________
(١) البيت في اللسان: (سنا) والعيني: ٢/ ٢٢٢، الأشموني ١/ ٢٧٥.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
عمرو خير منك. ولكنه على إرادة اللام. كما قال ﷿: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (١)، على اليمين. وكأن في هذا حسنا حين طال الكلام.
وسألته عن " كأن " فزعم أنها " أن " لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع " أن " بمنزلة كلمة واحدة وهي نحو: كأي رجلا ونحو له كذا درهما.
وأما قول العرب في الجواب " أنه " فهو بمنزلة " أجل " وإذا وصلت قلت: " إنّ يا فتى " وهي التي بمنزلة أجل. قال الشاعر:
بكر العواذل في الصبو ح يلمننى والومهنه (٢)
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنّه
قال أبو سعيد: أصل " أشهد " أن يتعدى بالباء " أن " تقع على مصدر كأنك قلت:
أشهد على زيد بالفسق " وأشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد بأن زيدا. وأشهد بأنه لا إله إلا الله. فيجوز مع إدخال الباء وطرحها ولا يجوز طرح الباء مع المصدر. لا تقل: " أشهد على زيد الفسق ". ثم أجروا " أشهد " مجرى " أعلم " لأن الشهادة بالشيء عن علم به تقدم.
غير أنهم لم يتجاوزوا في إقامته مقام " أعلم " وقوعها على " أن " فقال: أشهد أن زيدا منطلق. كما قالوا: أعلم أن زيدا لمنطلق.
وقد يقال " شهدته " وليس في معنى: حضرته. وليس في معنى " علمته ". ويقال:
علمت زيدا أخاك على أن " أخاك " مفعول ثان ولا يقال على ذلك: شهدت زيدا أخاك.
واعلم أن اللام في قولك: (أشهد أن زيدا لمنطلق) و" أعلم أن زيدا لمنطلق حقا " وموضعها أن يكون قبل " أن " وذلك أن اللام تمنع ما قبلها من العمل فيما بعدها. فلو كان موضعها بعد " أن " لوجب فتح " أن " ولبطل عمل " أن " فيما بعد " أن " فكأن يلزم من ذلك أن يقال: علمت أن في الدار لزيد ففتح " أن " لوقوع عليه. ولا مانع من فتحها كما
فتح إذا قلت: علمت أن زيدا منطلق. ويبطل نصب زيد بأن اللام إذا منعت من عمل اللام
_________________
(١) سورة الشمس، الآية: ٩.
(٢) البيتان لعبد الله بن قيس الرقيات وهما في ديوانه: ٦٦، وابن يعيش: ٣/ ١٣٠، أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٢٢.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
فيما بعدها في قولك: علمت لزيد منطلق، فعمل " أن " فيما بعدها منع لأن " أن " أضعف عملا من الفعل. فوجب أن تكون " اللام " موضعها قبل " أن " لتمنع " أن " من عمل " علمت " فيها. ونقلها إياها من الكسر إلى الفتح. كما تمنع من عمل " علمت " في الابتداء والخبر إذا قلت قد علمت لزيد منطلق. وإذا تأخرت " اللام " وهي في نيته التقديم لم يبطل عمل " أن " فوجب أن يقال: علمت أن زيدا لمنطلق. وعلمت أن في الدار زيد.
فسبيل إن في كسرها بدخول اللام عليها كسبيل الاسم في رفعه بالابتداء بدخول اللام عليه. لأن كسر " إن " يوجبه الابتداء بها. كما أن رفع الاسم يوجبه الابتداء به والذي أصارهما إلى ذلك: اللام، ولا يجوز، أشهد أنك لذاهب، لأن اللام إذا قدرناها قبل " أن " بمنزلة المبتدأ بها في اللفظ و" أن " لا يبتدأ بها.
ومما يبطل ذلك: أن أشهد أصلها أن تتعدى بالتاء فلو جاز أن تقول: أشهد أنك قائم لجاز: أشهد بأنك لقائم فيكون تقديره: أشهد بكذا. لأن اللام مقدرة قبل " أن " والباء داخله عليها. و" أن " وما بعدها من المبتدأ والخبر بمنزلة: كذا فكأنه قال: أشهد بكذا وهذا باطل. لأن الباء لا يبطل عملها الخفي. واللام تمنع من عمل ما قبلها فيما بعدها.
فتصير الباء عاملة ممنوعة العمل وهذا تناقض.
ولهذا قال الخليل: " أشهد بأنك ذاهب " غير جائز لأن الحروف لا تعلق. معناه: لا تبطل عملها. وإذا لم يبطل عملها وقدرناها وكسرنا " أن " فقد أبطلنا عملها. وهذا غير جائز.
والفرق بين الباء وبين هذه الأفعال التي بطل عملها وتعلق عما بعدها. أن " الباء " ليس لها حال يبطل عملها. وهذه الأفعال. يبطل عملها في: الاستفهام كقولك: علمت زيد في الدار أم عمرو؟ وفي التأخير والتوسط: كقولك: زيد قائم علمت وزيد علمت قائم. ودخول اللام مثل الاستفهام وفيما ذكر سيبويه من شواهد: لك من القرآن مقنع.
والبيت:
ألم تر أنّي وابن أسود ليلة
بكسر " أني " من أجل اللام في " لنسرى " ولو لم تكن اللام لقيل: ألم تر أني وابن أسود ترى بفتح: أني. وقوله عز
وجل: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ
[ ٣ / ٣٧٧ ]
شَيْءٍ (١) ما يدعون فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون استفهاما والعامل فيها " يدعون " كأنه قال: أيهم يدعون؟
وينصب " أيهم " ب " يدعون " ويجوز أن يكون منصوبا ب " يعلم ".
ويكون بمعنى " الذي " و" يدعون " صلتها. كأنه قال: الذين يدعون من دونه من شيء. ولا يجوز: " أحقا أنه لذاهب " ولا: يوم الجمعة أنه لذاهب. لأن: " حقا " " ويوم الجمعة " في مذهب الظرف، ولا يجوز نصبها بما بعد " أن " لأنه لا يعمل فيما قبل " أن " وإنما تنصبها كما تنصب: " خلفك زيد ". ولا يجوز: خلفك أن زيدا ذاهب. وإنما يقال: " خلفك أن زيدا ذاهب " كما يقال: خلفك ذهاب زيد. فإذا لم يجز: خلفك أن زيدا قائم فقولك: " خلفك أن زيدا لقائم " أبعد في الجواز لمنع اللام اتصال ما قبلها بما بعدها. ولا يجوز: أحقا أنه لذاهب بفتح " أن " مع اللام لأن اللام ما بعدها جملة مستأنفة.
ولا يجوز: وعدتك أنك لخارج. لأن مفعولي " وعدت " أحدهما غير الآخر. ولا تلغى كإلغاء " حسبت " وأخواتها. لأنك إذا قلت: زيدا حسبت منطلقا. جاز أن تلغى " حسبت " فتقول: حسبت منطلق. ولو لم يذكر: " حسبت " لجاز أن تقول: زيد منطلق.
والمفعول الثاني من باب: حسبت وأخواتها خبر عن المفعول الأول يجوز أن تقع في موضعه الأفعال والظروف والجمل. كقولك: حسبت زيدا أنه قائم وحسبت أبوه لخارج، وحسبت لزيد خير منك، ولا يجوز شيء من هذا في: وعدت. لأن أصل " وعدت " أن يتعدى لمفعولين أحدهما غير الآخر وليس بخير. وأصل المفعول الثاني منه أن يكون بالباء استخفافا فتقول: وعدت زيدا دينارا وثوبا. ووعدته الخروج والمعونة ولا يجوز: وعدته لزيد قائم. ولا: وعدت أيهم في الدار. كما جاز في " حسبت " ولا وعدت لزيد قائم " ولا: وعدتك أنك لقائم ". و" لا: وعدتك أنت قائم " كما يجوز: حسبتك لا أبوك قائم وحسبتك أنك قائم وحسبتك أنت قائم.
وإنما يجوز في موضع المفعول الثاني من " وعدت " " أن " المفتوحة بالباء وغيرها كقولك وعدتك أنك تعان ووعدتك أن الغلام لك. كما قال الله ﷿: وَإِذْ
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٢.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ (١) فإنها بدل من إحدى الطائفتين. كأنه قال:
وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم وإن أدخلت الباء قلت: وعدتك بأنك تعان وبأن الغلام لك.
وإنما جاز دخول الباء وخروجها كما جاز تعلقت بزيد وتعلقت زيدا. ومعنى قوله: " قد علمت أنه منطلق " لا تبتدئه وتحمله على الفعل " يريد أنك تحمل أنه منطلق " فتفتحه وتعمل فيه " علمت " ولا تبتدئه فتكسر لأنه ليس في الكلام ما يضطرك إلى ابتدائها وكسرها وهو اللام إذا كانت بعدها.
ونظير ذلك قولهم: " إن خيرا فخير وإن شرا فشر ". نصبت " خيرا " و" شرا " بإضمار فعل تقديره: إن كان خيرا وإن كان شرا. وإنما اضمرت الفعل وحملته عليه إذ لم يجز أن تبتدئ الكلام بعد " إن " كما ابتدأت في الأول حين قلت لم يجز أن يحمل الكلام على الفعل إذا قلت: علمت إنّ زيدا لقائم " وعلمت لزيد قائم ".
وكذلك: علمت أيّهم في الدّار وكذلك حملت ما بعد " أما " على الفعل إذا لم يجز الابتداء بعدها. لأنها في تأويل " إن كنت منطلقا " وهي المخففة التي الفعل الماضي والمستقبل بعدها معها كالمصدر وقد ذكر " إما " في موضعها.
قال أبو سعيد: في " لهنك " ثلاثة أقوال:
أحدها: قول سيبويه: أن أصلها " أن " أبدلوا همزتها هاء كما أبدلوا " الهاء " من هرقت مكان " ألف " أرقت ولحقت اللام التي قبل الهاء لليمين. كما لحقت " ما " حين قلت: " أن زيدا لمّا لينطلقّن " فلحقت " أن " اللام في اليمين كما لحقت بعد " ما " فاللام الأولى في " لهنك " لام اليمين. واللام الثانية " لام إن ". وفي: لمّا لينطلقن " اللام " الأولى " لأن " والثانية لليمين. والدليل على ذلك: النون التي معها. وذكر سيبويه أن هذه الكلمة يقولها بعض العرب. وشبه دخول اللام على " أن " لليمين. وإن كان بعدها " أن " وهي للتوكيد بدخول لام اليمين في آخرها وإن كان قبلها " لمّ " وهي للتوكيد.
وقد يجتمع الحرفان في معنى واحد فيؤكد أحدهما الآخر كقولهم: ما إنّ زيد قائم وهما حرفا جحد.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٧.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
والثاني: قول الفراء: هذه من كلمتين كانتا يجتمعان كانوا يقولون: والله أنك لعاقل فخلطتا فصار فيهما اللام والهاء من " الله " والنون من " أن " المشددة وحذفوا ألف " أن " كما حذفوا الواو من أول " والله ". وأنشد في " لهنك " قول الشاعر:
لهنك من عينيه لوسيمة على هنوات كاذب من يقولها (١)
وقال:
لهن خباء لا قعيدة تحته سوى لمسترخى الحبال خفوق (٢)
تطيف به شدّ النّهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق
يقول: ليس لي أقل يعينني عليه فليس يكون شده محكما وخفوق: مضطرب. شد النهار: ارتفاعه والأنقاء جمع نقى وهو كل عظم فيه مخ والنقى أيضا هو " المخ " و" سحوق " طويلة.
الثالث: حكاه المفضل بن سلمة (٣) لغير الفراء معناه: أنك لمحبس.
قال: وهذا أسهل في اللفظ وأبعد في المعنى. والذي قاله الفراء أصح في المعنى لأن قول القائل: (والله أنك لقائم) أصح من: " لله أنك لقائم " واللام في الجواب دليل على القسم وقولهم: تعجب. والتعجب لا يدخل معه " إنّ " وذلك أن التعجب وضع لما هو قائم ولما قد مضى كقولك: ما أحسن زيدا. فيما هو قائم وما أجمل ما فعل فيما قد مضى.
قال: وإن للاستقبال لا غير وضعت ثم كثرت حتى صارت للواجب على معنى الواجب.
قال أبو سعيد: هذا حكاية كلام المفضل بن سلمة.
_________________
(١) البيت في خزانة الأدب: ٤/ ٣٣٦، الهمع: ١/ ١٤١.
(٢) البيت في اللسان: (سحق).
(٣) هو أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم، كان لغويّا فاضلا كوفي المذهب، أخذ عن أبي عبد الله بن الأعرابي وله كتب كثيرة منها (معاني القرآن. البارع في علم اللغة، وكتاب الاشتقاق، كتاب المقصور والممدود). توفي ٢٩٠ هـ تقريبا. معجم الأدباء: ١٩/ ١٦٣، بغية الوعاة ٢٩٦، وفيات الأعيان: ١/ ٤٦٠.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وقوله: " وقد يجوز في الشعر: أشهد أن زيدا ذاهب بقوله: والله أنه ذاهب "؛ لأن معناه معنى اليمين.
قال أبو سعيد: قد يستعمل بمعنى اليمين يقال: أشهد لأخرجن، و" أشهد بالله لأخرجن ". وقد ذكره أهل العراق في كتاب " الأيمان " وقالوا: " إذا قال أشهد وأشهد بالله وأحلف وأحلف بالله أو أقسم وأقسم بالله. فهو كله سواء في صحة اليمين فإذا أتى بشيء من ذلك فعليه كفارة إذا حنث فيه.
والغالب في الكلام أن " أشهد " يذهب بها مذهب الباء إذا وقعت ولم يكن في خبرها " اللام " كقولهم في الأذان:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
وإذا ذهبوا بها مذهب اليمين أتوا لها بجواب فإذا كسروا أتوا باللام كقوله ﷿: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (١) وأتوا " باللام " في الجواب كقولك:
أشهد لأخرجن.
وقد رد أبو العباس المبرد على سيبويه إجازته في الشعر: أشهد إنّ زيدا ذاهب.
فقال: ليس للضرورة في " أن " و" إن " عمل. لأن وزنهما واحد. والقافية بهما سواء فهما في الشعر سواء.
قال أبو سعيد: وجه الضرورة أن تريد اليمين. ولا تجعل في خبرها اللام ولا تتلقاها باللام ولا يفتحها وهو يريد اليمين. لأن فتحها إنما يكون إذا أراد بها معنى الباء كنحو ما ذكرنا: أشهد أن محمدا رسول الله. وقد أجاز سيبويه كسر " إنّ " بعد " علمت " من غير لام في قولك: علمت أن زيدا ذاهب. على: تأويل اللام وحذفها وشبه حذفها بحذف اللام من قوله ﷿: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٢)، وتقديره: لقد أفلح لأنه جواب وَالشَّمْسِ وَضُحاها (٣) واستضعف حذف اللام في: " أن زيدا ذاهب " وليس حذفها بضعيف في قوله: " قد أفلح من زكاها ". لأن ما قبلها من طول الكلام عوض. وهو
_________________
(١) سورة المنافقون، الآية: ١.
(٢) سورة الشمس، الآية: ٩.
(٣) سورة الشمس، الآية: ١.
[ ٣ / ٣٨١ ]
ضعيف في: " إنك " لأنه ليس قبله ما يكون عوضا.
وقد أجازه أبو العباس على كلامين. كأنه قال: " وقد علمت " ثم ابتدأ فقال " أن زيدا ذاهب " وهذا ضعيف.