قال سيبويه: تقول: هذه هود كما ترى إذا أردت أن تحذف سورة من قولك:
هذه سورة هود فيصير هذا كقولك: هذه تميم.
قال أبو سعيد: اعلم أن أسماء السور تأتي على ضربين.
أحدهما: أن تحذف السورة، وتقدر إضافتها إلى الاسم المبقى فيحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه.
والآخر: أن يكون اللفظ المبقى هو اسم السورة، ولا تقدر إضافة، فإذا كانت الإضافة مقدرة فالاسم المبقى يجري في الصرف ومنعه على ما يستحقه في نفسه.
وإذا جعل اسما للسورة فهو بمنزلة امرأة سميت بذلك الاسم فأما (يونس)
_________________
(١) البيت في المخصص ١٧/ ٤٤.
(٢) البيت في الكتاب ٣/ ٢٥٥،.
[ ٤ / ٢٤ ]
و(يوسف) و(إبراهيم) فسواء جعلتها اسما للسورة أو قدرت الإضافة فإنه لا ينصرف؛ لأن هذه الأسماء في أنفسها لا تنصرف.
وأما (هود) و(نوح) فإن قدرت فيهما الإضافة فهما منصرفان كقولك:
هذه هود، وقرأت هودا، ونظرت في هود؛ لأنك تريد هذه سورة هود وقرأت سورة هود، والدليل على صحة هذا التقدير من الإضافة أنك تقول هذه الرحمن، وقرأت الرحمن، ولا يجوز أن يكون هذا الاسم اسما للسورة، لأنه لا يسمى به غير الله ﷿.
وإنما معناه هذه سورة الرحمن، وإذا جعلتهما اسمين للسورة فهما لا ينصرفان على مذهب سيبويه ومن وافقه ممن يقول إن المرأة إذا سميت بزيد لم تصرف.
ومنهم من يقول: إنها كهند تصرف ولا تصرف.
فهو يجيز في (نوح) و(هود) إذا كانا اسمين للسورتين أن يصرف ولا يصرف، وممن قال به أيضا أبو العباس المبرد وكان الزجاج يقول: إنها لا تصرف وكان من مذهبه أن هندا لا يجوز صرفها ولا صرف شيء من المؤنث سمي باسم على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كان ذلك الاسم مذكرا أو مؤنثا ولا يصرف دعدا ولا جملا ولا تعما.
وأما (حم) فغير مصروف، جعلتها اسما للسورة، أو قدرت الإضافة لأنها معرفة، أجريت مجرى الأسماء الأعجمية، نحو (هابيل) و(قابيل) وليس له نظير في أسماء العرب؛ لأنه " فاعيل " وليس في أبنيتهم.
قال الكميت:
وعدنا لكم في آل حم آية تأوّلها منا تقيّ ومعرب (١)
وقال:
أو كتبا بيّنّ من حاميا قد علمت أبناء إبراهيما (٢)
_________________
(١) المقتضب: ١/ ٢٣٨ و٣/ ٣٥٦، واللسان: (عرب).
(٢) المقتضب: ١/ ٢٣٨.
[ ٤ / ٢٥ ]
وقال الآخر:
يذكرني حا ميم والرمح شاجر فهلا تلا حا ميم قبل التّقدّم (١)
وكذلك (طا سين) و(يا سين) إذا جعلت اسما جرت مجرى (حم) فإن أردت الحكاية جعلته وقفا على حاله؛ لأنها حروف مقطعة مبنية.
ويحكى أن بعضهم قرأ (ياسين) والقرآن، " وقاف "، والقرآن، فجعل ياسين اسما غير منصرف، وقدر: اذكر ياسين، وجعل " قاف "، اسما للسورة ولم يصرف، وكذلك إذا فتح " صاد ".
ويجوز أن يكون " ياسين " " وقاف " " وصاد " أسماء غير متمكنة بنيت على الفتح كما قالوا: (أين) " وكيف ".
قال: " وأما (طسم) فإن جعلته أسماء، لم يكن بد من أن تحرك النون، وتصير الميم كأنك وصلتها إلى طس، فجعلتها اسما بمنزلة (دراب جرد)، و(بعلبك) وإن حكيت تركت السواكن على حالها "
يريد أنك تجعل (طس) اسما، وتجعل (ميم) اسما آخر، فيصير بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، ك (حضر موت)، فتقول هذه طا سين ميم، وقرأت طا سين ميم، ونظرت في طا سين ميم.
وإن شئت تركتها سواكن.
قال: " فأما (كهيعص) و(المر) فلا يكن إلا حكاية، فإن جعلتها بمنزلة (طا سين) لم يجز؛ لأنهم لم يجعلوا (طا سين) ك (حضر موت)، ولكنهم جعلوها بمنزلة (هابيل) و(قابيل) و(هاروت).
وإن قلت: أجعلها بمنزلة " طا سين ميم " لم يجز؛ لأنك وصلت (ميما) إلى (طسين) ولا يجوز أن تصل خمسة أحرف فتجعلهن اسما واحدا.
وإن قلت: أجعل (الكاف) و(الهاء) اسما، ثم أجعل (الياء)، و(العين) اسما، فإذا صارا اسمين ضممت أحدهما إلى الآخر، فجعلتهما كاسم واحد لم يجز ذلك؛ لأنه لم يجيء مثل: (حضر موت) في كلام العرب موصولا بمثله، وهذا أبعد؛ لأنك تريد أن
_________________
(١) البيت في المقتضب ١/ ٢٣٨، والخصائص ٢/ ٢٨١، واللسان (حمم).
[ ٤ / ٢٦ ]
تصله بالصاد. فإن قلت: أجعله على حاله وأجعله بمنزلة (إسماعيل) لم يجز؛ لأن (إسماعيل) قد جاء عدة حروفه على عدة حروف أكثر العربية نحو: (إشهياب) و(كهيعص) ليس على عدة حروفه شيء، ولا يجوز فيه شيء إلا الحكاية.
قال أبو سعيد: طوّل سيبويه هذا الفصل؛ لأنه أورد وجوها من الشبه على ما ذهب إليه في حكاية (كهيعص) و(المر)، وذلك أن أصل ما بني عليه الكلام أن الاسمين إذا جعلا اسما واحدا فكل واحد منهما موجود مثله في الأسماء المفردة، ثم يضم أحدهما إلى الآخر.
فمن أجل ذلك أجاز في (طسم) أن يكونا اسمين جعلا اسما واحدا مثل (هابيل)، وأضافه إلى (ميم)، وهو اسم يوجد مثله في المفردات، ولا يمكن مثل ذلك في (كهيعص) و(المر)
وإذا جعل الاسمان اسما واحدا لم يجز أن يضم إليهما شيء آخر، فيصير الجميع اسما واحدا؛ لأنه لم يوجد مثل (حضر موت) في كلام العرب موصولا بغيره، فقال سيبويه: لم يجعلوا (طس) ك (حضر موت) فيضموا إليها (ميم)، لئلا يقول قائل: إن الاسمين جعلا اسما واحدا ثم ضم إليهما شيء آخر، وكأن قائلا قال: اجعلوا الكاف والهاء اسما، ثم اجعلوا الياء والعين اسما، ثم ضموها إلى الأول، فيصير الجميع كاسم واحد، ثم صلوه بالصاد، فقال: لم أر مثل (حضر موت) يضم إليه مثله في كلامهم، وهذا أبعد؛ لأنه يضم إليهما الصاد بعد ذلك، ثم احتج على من جعله بمنزلة (إسماعيل) فقال: لأن ل (إسماعيل) نظيرا في أسماء العرب المفردة في عدة الحروف وهو (إشهيات) و(كهيعص) ليس كذلك.
وذكر أبو العباس المبرد أن يونس كان يجيز (كهيعص) مفتوح كله، وتفريقه:
(كاف) (ها) (يا) (عين) (صاد)، والصاد مضمومة، ويجعل (صاد) مضموما إلى (كاف) كما يضم الاسم، ويجعل الباقي حشوا لا يعتد به.
وإذا جعلت " نون " اسما للسورة فهي عند سيبويه تجري مجرى (هند) لأن " نون " مؤنث فهي مؤنث، سميت بمؤنث.
واستدل سيبويه على أن (حم) ليس من كلام العرب إن العرب لا تدري ما حم.
قال سيبويه: " وإن قلت إن حروفه لا تشبه لفظ حروف الأعجمي فإنه قد يجيء هكذا وهو أعجمي، قالوا: (قابوس)، ونحوه من الأسماء؛ لأن " حا " من كلامهم و" ميم "
[ ٤ / ٢٧ ]
من كلامهم، يعني من كلام العجم، كما أنها من كلام العرب، وكذلك القاف، والألف، والياء، والواو، والسين ولغات الأمم تشترك في أكثر الحروف فاعرف ذلك إن شاء الله.
وإن أردت أن تجعل (اقتربت) اسما قطعت الألف ووقفت عليها بالباء، فقلت: هذه إقتربه، فإذا وصلت جعلتها تاء ولم تصرف فقلت: هذه إقتربة يا فتى.
وكذلك (تبّت) تقول: هذه تبه في الوقف، فإذا وصلت قلت: هذه تبة يا هذا.
ويجوز أن تحكيها فتقول: هذه (اقتربت) وهذه (تبت) بالتاء في الوقف كما تقول:
هذه " إنّ " إذا أردت الحكاية.