وذلك قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيدا لقيت أم بشرا؟ فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما. لأنك إذا قلت، أيهما عندك؟ وأيهما لقيت؟ فأنت مدع أن المسئول قد لقي أحدهما أو أن عنده أحدهما إلا أن علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهما هو؟
والدليل على أن قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمنزلة قولك: أيّهما عندك؟
أنك لو قلت: أزيد عندك أم بشر؟ فقال المسئول: لا. كان محيلا كما أنه إذا قال:
أيهما عندك؟ فقال: لا. فقد أحال.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتقديم الاسم أحسن لأنك لا تسأل عن اللقاء إنما تسأل عن أحد الاسمين لا تدري
أيهما هو، فبدأت بالاسم لأنك تقصد أن يبين لك أي الاسمين في هذه الحال، وجعلت الاسم الآخر بديلا للأول وصار الذي لا تسأل عنه بينهما.
ولو قلت: " ألقيت زيدا أم عمرا " كان جائزا حسنا.
ولو قلت: أعندك زيد أم عمرو؟ كان كذلك وإنما تقديم الاسم هاهنا أحسن.
ولم يحسن للآخر إلا أن يكون مؤخرا لأنه قصد الاثنين. فبدأ بأحدهما. لأن حاجته أحدهما. فبدأ به مع القصة التي لا يسأل عنها. لأنه إنما يسأل عن أحدهما من أجلها، وإنما يفرغ مما يقصد بقصته ثم يعد له بالثاني.
ومن هذا الباب قوله: ما أبالي أزيدا لقيت أم عمرا؟ وسواء على أزيدا كلمت أم عمرا؟ كما تقول: ما أبالي أيهما لقيت؟
وإنما جاز حرف الاستفهام هنا. لأنك سويت الأمرين كما استويا حين قلت:
أزيد عندك أم عمرو؟ فجرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولهم: " اللهم اغفر لنا أيتها العصاية " وإنما لزمت " أم " هاهنا. لأنك تريد معنى " أيهما " ألا ترى أنك تقول: " ما أبالي أيّ ذاك كان ". " وسواء على أيّ ذاك كان ". فالمعنى واحد و" أي " هاهنا تحسن. وتجوز كما جازت في المسألة.
ومثل ذلك: ما أدري أزيد ثم أم عمرو؟ و" ليت شعري أزيد ثم أم عمرو؟
فأوقعت " أم " هاهنا كما أوقعته في الذي قبله؛ لأن هذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك فيهما كما جرى الأول.
ألا ترى أنك تقول: ليت شعري أيهما ثم فيجوز " أي " ويحسن كما جاز في قولهم: أيّهما ثمّ؟
وتقول: أضربت زيدا أم قتلته؟ فالبدء هاهنا بالفعل أحسن. لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان. ولم تسأل عن موضع أحدهما فالبدء بالفعل هاهنا أحسن كما كان البدء بالاسم فيما ذكرنا أحسن كأنك قلت: أي ذاك كان بزيد؟
وتقول: ما أدري أقام أم قعد؟ إذا أردت: ما أدري أيّهما كان؟
[ ٣ / ٤١٠ ]
وتقول: ما أدري أقام أو قعد؟ إذا أردت أنه لم يكن بينهما شيء، كأنه قال: لا أدعي أنه كان في تلك الحال قيام ولا قعود أي لم أعدد قيامه قياما يستبين لي قعوده بعد قيامه. وهو كقول القائل: تكلم ولم يتكلم.
قال أبو سعيد: اعلم أن " أم " فيها معنى حرف الاستفهام وحرف العطف وهو يشبه من حروف العطف " أو ".
فأما موقعها في الاستفهام فعلى وجهين:
أحدهما: أنها تعادل ثانية ألف الاستفهام أولا. ويكونان بمعنى " أيهما ". وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وأزيدا لقيت أم بشرا؟ ومعناه: أيّهما عندك؟
وأيهما لقيت؟
وإنما يعادل السائل بها الألف ويجعل الكلام بمنزلة " أيّهما " و" أيهم " إذا كان قد عرف وقوع شيء من شيئين أو من أشياء فكلا يعرفه بعينه فيسأل من يقدّر أن علم ذلك عنده ليعرفه إياه معينا.
كان القائل إذا قال: أزيد عندك أم عمرو قد علم أن عند المخاطب أحد هذين ولا يدري من هو منهما فيستدعى إعلام المخاطب إياه عينا فيلتمس علم ذلك منهما، وكذلك كل ما استفهم عنه بالألف.
و" أم " بمعنى " أي " والمستفهم قد عرف وقوع أحد الأمرين منهما وهو يلتمس تعيينه كقولك: أقام زيد أم قعد؟
وقد يعبّر عن هذا السؤال. بأن فيه تسوية ومعادلة.
فأما التسوية: فهي أن الاسمين المسئول عن تعيين أحدهما يستويان في علم السائل ما عنده في أحدهما مثل ما عنده في الآخر.
وأما المعادلة: فهي بين الاسمين جعلت الاسم الثاني بديلا للأول بوقوع " الألف " على الأول و" أم " على الثاني ومذهب السائل فيهما.
فإذا سأل السائل عن هذا، فالجواب أن يسمى واحد من الاثنين أو الجماعة ويعين.
وإنما نسأل السائل عن هذا والمسئول عنه يعرف الذي يسأل عنه.
وقد اتسعت العرب في ذلك. فاستعملوه في غير الاستفهام في مواضع مختلفة.
من ذلك قول القائل: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو. وليس هذا باستفهام
[ ٣ / ٤١١ ]
والمتكلم فيه بمنزلة المسئول والمخاطب يصير بمنزلة السائل لأن الذي يقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو قد عرفه بعينه والمخاطب إذا قال له القائل: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو يعتقد في قول المتكلم أن أحدهما في الدار لا يعرفه بعينه. فهو بمنزلة السائل في الأول.
ومنه: ما أدري أزيد في الدار أم عمرو؟ وهذه حال السائل. فإذا سأل وهذه حاله قال: أزيد في الدار أم عمرو؟
ومنه قول القائل: ليت شعري أزيّد في الدار أم عمرو؟ تمنى أن يعلم ما يسأل عنه السائل إذا قال: أزيد في الدار أم عمرو؟
ومنه: ما أبالي أزيد جاءك أم عمرو سويت بين الأمرين جميعا في منزلتهما عندك وهوانهما عليك.
ومنه: سواء عليّ أقمت أم قعدت ومعناه. قيامك وقعودك على مستويين.
وإنما جاز الاستفهام " بأم " في هذه الأشياء وأن تكون استفهاما لما فيها من التسوية والمعادلة فشبهت من الاستفهام بما فيها من التسوية والمعادلة.
لاجتماعهما في التسوية والمعادلة لا في الاستفهام. كما جرى على حرف النداء قولك:
" اللهم اغفر لنا أيتها العصابة " ولست تناديه وإنما تختصه فتجريه على حرف النداء لأن النداء فيه اختصاص فيشبه به للاختصاص لأنه منادى.
وقد مضى الكلام فيه قبل.
والاختيار في هذا الباب أن يكون الشيء الذي يسأل عنه هو الذي يلي " الألف " و" أم " وما " لا " يسأل عنه متوسط كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟
والسؤال عن زيد وعمرو؛ لأن السائل يلتمس واحدا منهما له. ولا سؤال عن " عندك " لأنه قد عرّفه أنّ أحدهما عنده.
فأحسن الألفاظ ما يتعادل به الاسمان اللذان هما مستويان في السؤال، فيجعل أحدهما " بالألف " والآخر يلي " أم " وإذا لم يجعل كذلك وقيل: أعندك زيد أم عمرو؟ صار الذي يلي الألف عنده ليس بعديل " عمرو " الذي ولي " أم ".
وكذلك الاختيار: أزيدا لقيت أم بشرا؟ ولو قلت: ألقيت زيدا أم بشرا؟ صار الفعل
[ ٣ / ٤١٢ ]
يلي الألف والاسم يلي " أم "، وهو وإن كان جائزا حسنا لاستواء معنى ألقيت زيد؟
و" أزيدا لقيت "؟ فليس كحسن: أزيدا لقيت أم بشرا؟ لأنه مع صحة المعنى أعدل لفظا.
ومما يختاره العرب.
وإذا كانت المعادلة بين فعلين فالاختيار أن يلي أحد الفعلين الألف والآخر " أم ".
لأن المسألة عن الفعلين. ويكون الذي ليست المسألة عنه بينهما وذلك قولك: أضربت زيدا أم قتلته؟ لأن سؤالك عن فعلين مبهمين ليبين لك أحدهما ولم تسأل عن " زيد " الذي هو موضع الفعل لأن المسائل قد علم أن أحدهما واقع بزيد ولم يفرق بينهما فالبدء بالفعل هنا أحسن. كأنك قلت: أي ذاك كان بزيد؟
وقد يعادل بالفعل والفاعل. والمبتدأ والخبر لاستواء المعنى في ذلك.
كقوله ﷿ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) والمعنى:
سواء عليكم أدعوتموهم أم صمتم.
وإن شئت: سواء عليكم أنتم داعون لهم أم أنتم صامتون عنهم. وسواء عليكم أنهم مدعوون أم متروكون.
ومعناه: سواء عليكم دعاؤكم لهم وصمتكم عنهم.
قول سيبويه: " قام أو قعد " إذا أردت أنه لم يكن بينهما شيء، كأنه يقول: لا أدعي أنه كان منه في تلك الحال قيام ولا قعود: أي: لم أعدد قيامه قياما ولم يستبن قعوده قعودا صار بمنزلة: ما لا قيام يعرف له ولا قعود، فكأنه قال: ما أدري أكان أحد هذين؟
وإذا أيقن بكون أحد الأمرين منه وشكّ فيه عينا. قال: ما أدري أقام أم قعد؟ وهذا قد علم أن أحد الأمرين كأن منه ولا يعرفه بعينه.
وما تركته من شرح الباب فلا غناء ما شرحته عنه. وبقيت من شرح " أم " بعد ذكري جملة وجوهها ما أشرحه في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى.