وذلك قولك: أعمرو عندك أم زيد.
فهذا ليس بمنزلة: أيهما عندك؟
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٣.
[ ٣ / ٤١٣ ]
ألا ترى أنك لو قلت: أيهما عندك؟ لم يستقم إلا على التكرير (والتوكيد) وبذلك على أن الآخر منقطع من الأول:
قول الرجل: إنها لإبل ثم يقول: (أم شاه يا قوم) فكما جاءت " أم " هاهنا بعد الخبر منقطعة فكذلك تجيء بعد الاستفهام.
وذلك أنه حين قال: أعمرو عندك؟ فقد ظن أنه عنده أدركه مثل ذلك الظن في " زيد " بعد أن استغنى كلامه.
ومثل ذلك: " أنها لإبل أم شاه " إنما أدركه الشك حين مضى كلامه على اليقين وبمنزلة " أم " هاهنا قوله ﷿: الم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ (١).
فجاء هذا على كلام العرب (ليعرفوا ضلالتهم).
ومثل ذلك: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ (٢).
كأن فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء.
فقوله: " أم أنا خير " بمنزلة قوله: أم أنتم بصراء لأنهم لو قالوا: أنت خير منه كان بمنزلة قولهم: " نحن بصراء
عنده ".
ومثل ذلك قوله ﷿: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (٣).
فقد علم النبي ﷺ والمسلمون أن الله ﷿ لم يتخذ ولدا. ولكنه جاء على حرف الاستفهام ليبصروا ضلالتهم.
ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: " السعادة أحب إليك أم الشقاء " وقد علم أن السعادة أحب إليه وأن المسئول سيقول: السعادة. ولكنه أراد أن يبصر صاحبه ومن ذلك: أعندك زيد أم لا؟ كأنه حين قال: أعندك زيد؟ كان يظن أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا؟
_________________
(١) سورة السجدة، الآيات: ١: ٣.
(٢) سورة الزخرف، الآيتان: ٥١، ٥٢.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ١٦.
[ ٣ / ٤١٤ ]
وزعم (الخليل) أن قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا (١)
كقوله: إنها لإبل أم شاه.
ومثل ذلك قول الشاعر وهو كثير عزة:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي لكل نجيب من خزاعة أزهرا (٢)
ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام ويحذف الألف قال الأسود بن يعفر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر (٣)
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدّري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان (٤)
قال أبو سعيد: والوجه الثاني من وجهي الاستفهام بأم: أن تكون " أن " منقطعة مما قبلها. ومنزلتها منزلة الألف إذا اتصلت بكلام قبلها. إلا أن " الألف " تكون ابتداء و" أم " لا تكون ابتداء لأنها للعطف.
في الوجه الأول: تعطف اسما على اسم أو فعلا على فعل وهما من جملة واحدة.
والوجه الثاني: تعطف جملة على جملة.
لأن الثاني ينقطع من الأول فلا يكون ما بعدها إلا كلاما تاما أو مقدرا جاء لتمامهما فقولهم:
_________________
(١) انظر الديوان: ٤٩ وهي مطلع قصيدة في هجاء جرير. الخزانة: ٤/ ٤٥٢، شرح شواهد المغني للسيوطي: ١/ ١٤٣.
(٢) ديوانه: ٢٣٣ برواية: أليس أبي بالصلت أم ليس أسرقي لكل هجان من بني النضر أزهرا
(٣) الكامل ٣/ ٩٠٦، الخزانة: ٤/ ٤٥٠، العيني: ٤/ ١٣٨.
(٤) ديوانه: ٨٨ برواية فو الله ما أدري وإني لحاسب بسبع رميت الجمر أم بثمان الخزانة: ٤/ ٤٤٧، ابن يعيش: ٨/ ١٥٤، مغني اللبيب: ١/ ١٤، الكامل: ٣/ ٩٠٦.
[ ٣ / ٤١٥ ]
أنها لإبل أم شاه.
تقريرها: أم هي شاه لأن قوله: " أنها لإبل " إخبار وهو كلام تام، وقوله: " أم شاه " استفهام عند شك عرض له بعد الإخبار ولا بد من إضمار " هي ".
ولو ذكرت في موضع " أم " المنقطعة " ألف " الاستفهام لجاز ولم يتغير المعنى.
كقولك: أنها لإبل أشاه؟ وكذلك: " أيقولون افتراه " مكان: " أم يقولون افتراه ".
فإذا كانت " بأم " فهي معطوفة.
وإذا كانت " بالألف " فهي مستأنفة غير معطوفة. واختاروه " بأم " لأن فيها رجوعا عن الأول وإبطالا له كما يكون في " بل ".
وإذا كانت باستفهام مستأنف لم يكن بينهما وبين الأول علقة.
وقد شبه النحويون " أم " في هذا الوجه ب " بل " ولم يريدوا أن ما بعد " أم " محقق كما يكون ما بعد " بل " محققا.
وإنما أرادوا أن " أم " استفهام بعد كلام يتقدمها كما أن " بل " تحقيق مستأنف بعد كلام يتقدمها.
والدليل على أنها ليست بمنزلة " بل " مجردة قوله ﷿: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١) لا يجوز أن يكون بمعنى: بل اتخذ مما يخلق بنات. تعالى الله عن ذلك. وتقديره في اللفظ: " أأتخّذ " بالألف للاستفهام والمعنى: الإنكار والرد لما ادعوه. لأن ألف الاستفهام قد تدخل للتقرير والرد والإنكار والتوبيخ والتوعد فتدخل على النفي
فتصيره إيجابا في التقرير كقوله ﷿: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (٢) وقوله ﷿: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ (٣).
والرد نحو قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ (٤)؟ رد على من ادعى ذلك ونبه إليه.
والإنكار: نحو قوله أمقيما ونحن راحلون؟ و" أقياما وقعد قعد الناس؟ " ونحو
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية: ١٦.
(٢) سورة الانشراح، الآية: ١.
(٣) سورة التغابن، الآية: ٥.
(٤) سورة الزخرف، الآية: ١٦.
[ ٣ / ٤١٦ ]
ذلك: " أم يقولون افتراه "؟ بمعنى: أيقولون افتراه على وجه الإنكار عليهم.
ولو قيل: بل يقولون صار ذلك من قولهم على وجهة الإخبار منهم بحسب وإذا كان على جهة: أيقولون افتراه؟ فهو على جهة التثبيت عليهم بالتقرير لهم بذلك ولا يجعله موجها عليهم بالإخبار عنهم فهذا الفصل بين " أم " وبين " بل ".
والتوعد نحو قولك لمن يشتمك أو يجترئ عليك: أتشتمني؟ وأتجترئ علي؟
وقوله: أعمرو عندك أم عندك زيد؟ والوجه الظاهر فيه أن يكون بمعنى " أم " المنقطعة كأنه استفهم عن الأول بقوله: أعمرو عندك؟ وفي نيته الاقتصار عليه ثم أدركه في " زيد " من الشك ما أدركه من " عمرو " فسأل عنه. لأن " أم " المنقطعة تأتي بعد الخبر وبعد الاستفهام. ولو جعلت بمعنى: " أيهما " لنابت " أيهما " عن عمرو و" زيد " ومن " ألف " الاستفهام وعن " أم ".
وصار التقدير: أيهما عندك عندكم لأن: " عندك " مكررة في ذكر " عمرو " و" زيد ".
فوجه الكلام على كلامين كل واحد منهما قائم بنفسه وألا يكون على وجه التكرير.
قال أبو سعيد: وإذا كان بعد " أم " حرف الجحد الذي هو نقيض ما قبله فمعناها ومعنى (أو) سواء وذلك قولك: أعندك زيد أم لا؟ " أم " منقطعة كأنه حيث قال: أعندك زيد؟ كان يظن أنه عنده فسأل عنه وحده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا؟
والدليل على أنها منقطعة: أن السائل لو اقتصر على قوله: أعندك زيد. لاقتضى استفهامه عن ذلك أن يقال: نعم أو
لا.
فقوله: أم لا مستغنى عنها في تتميم الاستفهام الأول وإنما يذكره الذاكر ليبين أنه عوض له الظن في نفي أنه عنده كما كان عرض له الظن في أنه عنده و" أو " تقتضي هذا المعنى وذلك أنه إذا قال: " أعندك زيد " فالسائل شاك مستفهم يلتمس أن يقال له " نعم " أو " لا " وهو يعلم أنه أما عنده وإما ليس عنده. وإذا قال: أعندك زيد أو لا؟ فقد أتى ب (أو) وهو مستغن عنها بما اقتضاه سؤاله وبما علم من حاله أنه يعتقد أحد الأمرين.
ولذلك استوى " أم " و" أو " فيه. ويدخل في هذا المعنى ما حكاه الله تعالى عن
[ ٣ / ٤١٧ ]
فرعون: أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ (١)؛ لأن قوله: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين بمنزلة قوله: أم تبصرون على ما بينه سيبويه.
وبالإيجاب بأحد الأمرين في المسألة الأولى وذكر " أم " بعدها كالتوكيد المستغنى عنه.
ألا ترى أن قوله: " تبصرون " يستدعي به السائل أن يقال له: لا نبصر أو نبصر.
كأن فرعون ظن أولا أنهم لا يبصرون ثم أدركه ظن أنهم يبصرون على نحو ما ذكرناه فيما قبله.
وقال أبو زيد: (٢) " أم " زائدة في هذا الموضع كأنه قال: " أفلا تبصرون أنا خير من هذا الذي هو مهين ". ولم يقله غيره من النحويين.
وما علمت أحدا تابعه عليه إلا رجلا من المقرئين. وكان إذا قرأ استوقف القارئ على " أم " ثم ابتدأ: " أنا خير من هذا الذي هو مهين ".
فأنشد أبو زيد قول الراجز:
يا دهن أم ما كان مشيتي رقصا بل قد تكون مشيتي توقّصا (٣)
وقد يجوز أن يكون ما أنشده أبو زيد من كلام مقدم بعضه وإن كان في أوله حرف النداء لأن حرف النداء قد يقع حشوا. كقولك: قمت يا زيد أو لم تقم.
فيمكن أن يكون قال: أكان مشيتي في شبابي رقصا. وقد يجوز أن تكون " ما " زائدة وتكون " أم " على كلام متقدم.
وأما قوله:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
فإنه: يكون: على أنه خبّر بكذب عينه ثم أدركه ظن وبأن ذلك كان في القوم فقال:
_________________
(١) سورة الزخرف، الآيتان: ٥١، ٥٢.
(٢) هو أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري أخذ عنه سيبويه اللغة توفي ٢١٥، نزهة الألباب: ٨٧.
(٣) انظر المقتضب: ٣/ ٢٩٧، والخزانة: ٤/ ٤٢١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٣٦.
[ ٣ / ٤١٨ ]
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
وقد يخبر الشاعر بالشيء ثم يرجع عنه أما بتكذيب نفسه أو بالتشكيك فيه كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى وغيرها الأرواح والديّم
فقوله: " بلى " تكذيب منه لما نفاه.
ويجوز أن يكون على حذف الألف من كذبتك " كأنه قال: أكذبتك أم رأيت
على تقدير: أيهما كان. كأنه قال: أتمثلت لك في اليقظة لفكرك فيها على غير حقيقة أم رايتها في النوم؟
ومثله:
شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
لابد فيه من تقدير الألف لأنه يهجو هذه القبيلة فيقول:
لم تستقر على أب. لأن بعضها يعزوها إلى: منقر وبعضها يعزوها إلى سهم:
وقول كثير:
أليس أبي بالنّضر أم ليس والدي لكل نجيب
يقرر بشئ بعد شئ فهو تقرير بعد تقرير فالكلام على جملتين " فأم " منقطعة.