اعلم أن كل موضع تقع فيه " أنّ " تقع فيه " أنّما " وما بدئ بعدها صلة لها. كما " أن " ما ابتدئ بعد " الذي " صلة له.
ولا تكون هي عاملة فيما بعدها كما لا يكون " الذي " عاملا فيما بعده. فمن
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ذلك قوله ﷿: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (١) وقال ابن الاطنابة:
أبلغ الحارث بن ظالم المو عد والناذر النذور عليّا (٢)
أنّما تقتل النيّام ولا تق تل يقظان ذا سلاح كميا
فإنما وقعت " أنما " هاهنا لأنك لو قلت: (أن إلهكم إله واحد)، (وأنك تقتل النيام) كان حسنا وإن شئت قلت: أنما تقتل النيام، على الابتداء زعم ذلك الخليل، فأما " أنما " فلا تكون اسما وأنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغي. مثل: (أشهد لزيد خير منك) لأنها لا تعمل فيما بعدها. ولا تكون إلا مبتدأة بمنزلة [إذ] و" إذا " لا تعمل شيئا.
واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه " إنّ " إلا مبتدأة لا تكون فيه " أنما " إلا مبتدأة مثل قولك:
" وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى "
لأنك لو قلت: وجدتك أنك صاحب كل خنى لم يجز. وذلك أنك إذا قلت:
أرى أنه منطلق " فأنما وقع الرأي على شئ لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوه من الأسماء. فمن ثم لم يجز: رأيتك إنك منطلق وأنما أدخلت " أنما " على هذا الكلام مبتدأ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كل خنى. ثم أدخلت " أنما " على هذا الكلام فصار كقولك: " أنما أنت صاحب كل خنى " لأنك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض. ولم تضع " أنما " في موضع " ذاك " إذا قلت: " وجدتك ذاك " لأن " ذاك " هو الأول. و" أن " و" أنما " أنما يصيران الكلام شأنا وحديثا فلا يكون الخبر ولا الحديث " الرجل " ولا " زيدا " ولا أشباه ذلك من الأسماء. وقال كثير.
أراني ولا كفران لله إنّما أواخي من الأقوام كل بخيل (٣)
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠ / سورة فصلت، الآية: ٦.
(٢) الأغاني: ١٠/ ٢٩، ابن يعيش: ٨/ ٥٦.
(٣) ديوان كثير ٢٤٨، الخصائص: ١/ ٣٣٨، ابن يعيش ٣/ ٥٥.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
لأنه لو قال: أني هاهنا كان غير جائز لما ذكرناه. فأنما هاهنا بمنزلتها في قولك: زيد إنما يواخي كل بخيل. وهو كلام مبتدأ وتقول خبره " وأنما يجالس أهل الخبث " لأنك لا تقول: " أرى أيره أنه يجالس " فحسنت " أنه " هاهنا؛ لأن الآخر هو الأول.
قال أبو سعيد: " أنما " المفتوحة وما بعدها من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر. كما أن أن المفتوحة واسمها وخبرها بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر. والفرق بينهما: أن " أنما " أبطل عملها بدخول " ما " فصار يليها كل كلام.
ومنزلتها بعد منزلة " أنّ " بعد اسمها لأن ما بعد اسمها من رتيبة الابتداء والخبر والفعل والفاعل والشرط والجواب كقولك:
علمت أن زيدا أبوه منطلق. " وعلمت أن زيدا ينطلق أبوه " " وعلمت أن زيدا أن تأته يأتك " و" أنما " بمنزلة " أنّ " و" أنما " وما بعدها من اسم وخبر وفعل وفاعل وشرط جزاء بمنزلة " أن " واسمها إذ كان بعدها جملة. ومعنى قوله: " أنما تقتل النيام ".
أن الحارث بن ظالم المري قتل خالد بن جعفر بن كلاب وهو نائم. وكان سببه أن الحادث بن ظالم دخل على النعمان بن المنذر، وخالد جالس معه يأكل تمرا فلما رآه النعمان قال: أذن يا حار .. فقال له خالد: من ذا الذي أراك تدني أبينت اللعن ..؟ فقال:
هذا الحارث بن ظالم.
قال للحارث: ما رأني إلا حسن البلاء عندك. قال: وما بلاؤك قال: قتلت أشراف قومك فتركتك سيدهم. قال: سأجزيك ببلائك وجلس يأكل معهم فلما خرج الحارث قال النعمان لخالد: ما أردت أن تحرش بهذا الكلب وأنت ضيف لي.
قال خالد: إنما هو عبد من عبيدي لو كنت نائما ما أيقظني. فلما أمسى النعمان بعث إلى الحارث بن ظالم بعس من خبر يعتبقه أراده أن يشغله فصبته بينه وبين جبيه في كتب. فلما أمسى الحارث بن ظالم حبى بالسيف حتى أتى خالدا وهو في قبة من أدم فوضع السيف في بطنه ثم اتكأ عليه حتى قتله ثم تحمل من تحت ليلته حتى لحق بقريش.
فلما قال ابن الإطنابة هذا الشعر أتاه الحارث متنكرا فأنبهه وهو لا يعرف الحارث فلما انتبه قال له: البس سلاحك فأنني مستنصرك. فلبس سلاحه ومشى معه حتى تنحيا من البيوت فقال له الحارث: ألست يقظان ذا سلاح؟ قال: بلى، قال: فأنا الحارث بن
[ ٣ / ٣٤٩ ]
ظالم أريد قتلك. فذل له ابن الاطنابة حتى كف عنه.
و" أنما تقتل " في موضع نصب " بأبلغ " ومعنى قول الخليل: " أنما " بمنزلة فعل ملغى: أن " أن " منزلتها منزلة فعل على ما تقدم من ذكر ذلك. فإذا كفت لم يكن لها اسم منصوب صار بمنزلة فعل ملغي كقولك: أشهد لزيد خير منك.
وقوله: بمنزلة (إذ) و" إذا "، وأن " إذ " و" إذا " لا يعملان شيئا فيما بعدهما وتلي " إذا " المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وتمامها بما بعدها. وكذلك " أنما " يليها المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وهي لا تعمل شيئا فيما بعدها فهذا وجه التشبيه. وقوله: وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى لم يجز سيبويه في " أنما " إلا الكسر.
وذلك أن " وجدتك " يتعدى إلى مفعولين وهي من باب " علمت " و" حسبت " ورأيت من رؤية القلب " فالكاف " المفعول الأول والمفعول الثاني جملة قائمة بنفسها فحكمها أن تكون كلاما مستأنفا يوضع في موضع الخبر نحو: المبتدأ والخبر. وما هو بمنزلتها نحو الفعل والفاعل. و" إنّ " المكسورة مما يصح أن يبتدأ به من الكلام ولو قلت: حسبتك أنما أنت صاحب كل خنّى بفتح " أنما " كان بمنزلة: المصدر. والمصدر لا يكون خبرا للكاف. ألا ترى أنك لا تقول: " حسبت زيدا خروجه " و" حسبت زيدا سبقه ".
وقد قرئ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ (١) وهو على ما سقناه من كلام سيبويه لا يجوز. وهو مذهب من تقدم من النحويين البصريين إلا أن الزجاج أجازه على البدل من " الذين " واحتج بقول " عبده بن الطيب " (٢) في بدل المصدر من الاسم:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما (٣)
" أبدل " هلكه " من " قيس ".
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٧٨.
(٢) هو يزيد بن عمرو التميمي، شاعر مكة مخضرم أدرك الإسلام وأسلم توفي ٢٥ هـ العقد الفريد: ٣/ ٢٨٦.
(٣) البيت في الكتاب: ١/ ٧٧، ابن يعيش: ٣/ ٦٥، زهر الآداب: ٩٦٥.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
قال أبو سعيد: للمحتج عن سيبويه أن يقول: أن بدل " هلكه " من " قيس " لا يشبه الآية لأن هلكه إذا أبدل من " قيس " جعل مكانه واحتاج إلى مثل ما كان يحتاج إليه " قيس " من الخبر فأتى له بخبر فقام خبره مقام خبر " قيس " كما أقيم هو مقام " قيس ".
وليس كذلك الآية. لأنه إذا قرأ " ولا تحسبن الذين كفروا " وجب أن يؤتى " لِلَّذِينَ كَفَرُوا " بخبر لأنه بمنزلة اسم مفرد. والبدل منه لا يصح أن يكون خبرا عنه. وقد يحتمل تجويز ذلك على وجه آخر ضعيف لا أحب أن يحمل كتاب الله عليه. أما ضعفه فلأنه بدل من اسم يقتضي خبرا. وقد أبطل خبره ولأنه أيضا أبدل اسما يقوم مقام
اسمين من اسم مفرد لا يقوم مقام اسمين فلان الاسم الأول إذا أبدل منه جعل بمنزلة المطرح الذي لم يذكر واعتمد بوقوع المحسبة على الثاني ولم يعتد بالأول كأنه قال: " ولا تحسبن أنما تملى لهم خبر لأنفسهم " ومثله قوله:
لسان السّؤ تهديتها إلينا وحنت وما حسبتك أنّ تحينا (١)
أبدل (أن تحينا) من الكاف و" أن تحينا " تقوم مقام مفعولي حسبك.
كما قال ﷿: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٢) وتَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٣) وإنما جاز " وجدت خبره أنما يجالس أهل الخبث " لأن " الخبر " مصدر و" أنما " مصدر هو الأول. وجوّز أن تقول في الابتداء: خيرك أنما تجالس أهل الخبث.
ولا يجوز: " زيد أنما يجالس ".
ولا تقل: " خبرك أنما تجالس أهل الخبث " بالكسر كما لا تقول: (زيد أنما تجالس أهل الخبث) بالفتح وكذلك: " أرى أمره أنما يجالس " بالفتح وأنه في موضع المفعول الثاني.
وفي الباب التالي لهذا ما يكون بدلا مما هو مثله. كقولك: بلغني قصتك أنك فاعل وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون " هذا بين لأن الصفة والحديث هما: " أن ".
_________________
(١) البيت لم نعثر على قائله. انظر المغني: ١/ ١٨٢، شرح شواهد السيوطي ١/ ٥٠٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٧١.
(٣) سورة القيامة، الآية ٢٥.
[ ٣ / ٣٥١ ]