واعلم أن ما انتصب بعد (أو) فإنه ينتصب على إضمار (أن) كما انتصب في (الفاء) و(الواو) على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما لم يستعمل في (الفاء) و(الواو)؛ والتمثيل هاهنا مثله ثمّ هذا تفسير لكلامه وقع في النسخ هكذا تقول إذا قال: لألزمنك أو تعطيني، كأنه قال: ليكن اللزوم أو أن تعطيني. واعلم أن معنى ما انتصب بعد (أو) على إلا (أن)، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل، تقول: لألزمنك أو تقضيني، ولأضربنّك أو تسبقني، والمعنى: لألزمنك إلا أن تقضيني، ولأضربنك إلا أن تسبقني. هذا معنى النصب. قال امرؤ القيس:
فقلت له لا تبك عينك إنمّا نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (٣)
والقوافي منصوبة، والتمثيل على ما ذكرت لك، والمعنى على: إلا أن نموت فنعذرا، وإلا أن تعطيني، كما كان تمثيل (الفاء) على ما ذكرت لك، وفيه المعاني التي فصلت لك.
ولو رفعت كان عربيا جائزا على وجهين:
على أن تشرك بين الأول والآخر.
وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول، يعني: ونحن ممن يموت. وفي القرآن:
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٤٢.
(٣) البيت في ديوانه ٦٦، ابن يعيش ٧/ ٢٢٢.
(٤) سورة الفتح، الآية: ١٦.
[ ٣ / ٢٤١ ]
وإن شئت كان على الاشتراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون. وقال ذو الرمة:
حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدا فقرا (١)
فإن شئت لكان على ألا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء.
وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم؛ وقال زياد الأعجم:
وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما (٢)
معناه: إلا أن، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الاشتراك.
وتقول: هو قاتلي أو افتدي منه؛ وإن شئت ابتدأته كأنه قال:
أو أفتدي، وقال طرفة بن العبد:
ولكنّ مولاي امرؤ هو خانقي على الشّكر والتّسآل أو أنا مفتدى (٣)
وسألت الخليل عن قول الله﵎-: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ (٤) فزعم أن النصب محمول على (أن) سوى هذه التي قبلها؛ ولو كانت هذه الكلمة على (أن) لم يكن للكلام وجه، ولكنه لما قال: «إلا وحيا» كان في معنى: إلا أن يوحي، وكان (أو يرسل) فعلا لا يجري على (إلا)، فأجرى على (أن) هذه، كأنه قال: إلا أن يوحي أو يرسل، لأنه لو قال: إلا وحيا وإلا أن يرسل، كان حسنا، وكان (أن يرسل) بمنزلة الإرسال، فحملوه على (أن)، إذا لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل، فكأنه قال: إلا وحيا أو أن يرسل قال الحصين بن الحمام المري:
ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوءك علقما (٥)
يضمر (أن) وذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على (لولا) فأضمر (أن) كأنه قال: لولا ذاك، ولولا أن أسوءك.
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٧٣، الخزانة ٤/ ٩٤؛ الكتاب ٣/ ٤٨.
(٢) البيت في ديوانه ١٠١، الكتاب ٣/ ٤٨؛ المقتضب ٢/ ٩٢.
(٣) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ٤٩.
(٤) سورة الشورى، الآية: ٥١.
(٥) البيت في ديوانه، الخزانة ٣/ ٣٢٤؛ ابن يعيش ٣/ ٥٠.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ [الشورى: ٥١]. فكأنه قال- والله أعلم-: الله لا يكلم البشر إلا وحيا أو يرسل رسولا، أي في هذه الحال، وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل؛ وقال عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجميع (١)
وسألت الخليل عن قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنّا معشر نزل (٢)
فقال: الكلام هاهنا على قولك: أيكون كذا، أو يكون كذا، لما كان موضعها لو قال فيه: أتركبون لم ينقض المعنى، صار بمنزلة قولك:
ولا سابق شيئا (٣)
وأما يونس فقال: أرفعه على الابتداء، كأنه قال: وأنتم نازلون، على هذا الوجه فسّر الرفع في الآية، كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة بن العبد:
أو أنا مفتدى (٤)
وقول يونس أسهل، وأما ما قاله الخليل فجعله بمنزلة قول زهير:
بدا ليّ أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٥)
والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا). ألا ترى أنه لو كان هذا كهذا لكان في (الواو) و(الفاء)؛ وإنما توهم هذا فيما خالف معناه التمثيل.
قال أبو سعيد: أصل (أو) العطف حيث كانت، والمنصوب بعدها على وجهين:
أحدهما: أن يتقدم فعل منصوب بناصب من الحروف، ثم يعطف عليه ب (أو) كما يعطف بسائر حروف العطف، كقولك: أريد أن تخرج إلى الكوفة أو تلازم زيدا، أو مدحت الأمير كي يهب لي دنانير أو يحملني على دابة؛ ومعناها أحد الأمرين؛ وفي هذا
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٤٩، الخزانة ٩/ ٢٥٢؛ الكتاب ٣/ ٣٢.
(٢) البيت في ديوانه ١١٣؛ الخزانة ٨/ ٣٩٤؛ الكتاب ٣/ ٥١.
(٣) هذا جزء من بيت قاله زهير بن أبي سلمى وقد سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
المعنى يجوز أن يكون ما بعدها مرفوعا ومجزوما، فالمرفوع نحو قولك: أنا ألزمك أو أخرج لك إلى صنيعتك؛ والمجزوم: ليخرج زيد إلى البصرة أو يقم في مكانه.
والآخر: أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها مع ما بعدها معنى (إلا أن) والفصل بين هذا وبين الأول أن الأول لا تعلق بين ما قبل (أو) وبين ما بعدها، وإنما هو دلالة على أحد الأمرين، وليس بين الأمرين ملابسة. كما لا ملابسة بين تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦]، إنما هو إخبار بوجود أحدهما. وكذلك أنا ألزمك أو أخرج إلى ضيعتك، بما هو إخبار بوجود لزوم أو وجود خروج إلى الضيعة، وهذا كعطف الاسم على الاسم ب (أو) كقولك: جاءني زيد أو عمرو ونحوه.
والوجه الثاني: الفعل الأول فيه قبل (أو) كالعام في كل زمان، والثاني كالمخرج من عمومه، ولذلك صيّر معناه معنى (إلا أن)؛ ألا ترى أن قولك: (لألزمنك) متضمن للأوقات المستقبلة، وكذلك لأضربنك فإذا قلت أو تقضيني أو تسبقني، فقد أخرجت بعض الأوقات المستقبلة من ذلك المتضمّن وكأن التقدير: لألزمنك إلا الوقت الممتد الذي أوله قضاؤك لي، ولأضربنك إلا الوقت الذي أوله سبقك إياي؛ واجتمع (أو) و(إلا) في هذا المعنى للشبه الذي بينهما في العدول عما أوجبه اللفظ الأول؛ وذلك إذا قلنا:
جاءني القوم إلا زيدا، فاللفظ الأول قد أوجب دخول (زيد) في القوم لأنه منهم، فإذا قلت (إلا)، فقد أبطلت ما أوجبه اللفظ الأول، وإذا قلت: جاءني زيدا وعمرو، فقد وجب المجيء لا لزيد في اللفظ قبل دخول (أو)، فلما دخلت بطل ذلك
الوجوب؛ ولهذا المعنى احتيج إلى تقدير الفعل مصدرا وعطف الثاني عليه، فذلك التقدير على ما مضى في (الفاء)، وجاز: أو نموت فنعذر، على وجهين: بالعطف على (تحاول) وبالاستئناف؛ لأن المعنى لا يفسد وأما (تقاتلونهم أو يسلمون) فالثاني عطف على الأول، والذي يقع من ذلك أحد الأمرين إما القتال وإما الإسلام.
وذكر أن في بعض المصاحف: أو يسلموا، ويسلموا نصب على معنى (إلا أن) فيجوز أن يقع القتال ثم يرتفع بالإسلام. وأما
حراجيح لا تنفكّ إلا مناخة (١)
فالأصمعي وأبو عمر الجرمي ومن بعدهما كانوا يقولون: أخطأ ذو الرمة، لأنه لا يقال: لا يزال زيد إلا قائما، كما لا يقال: يزال زيد قائما، لأن ذلك لا يستعمل إلا بلفظ
_________________
(١) صدر بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
الجحد، وإذا استثنينا صار الجحد إيجابا، فلذلك لم يجز الاستثناء منه؛ و(لا تنفك) بمعنى:
لا تزال.
قال أبو سعيد: ولقول ذي الرمة وجهان صحيحان:
أحدهما: أن يكون (تنفك) بغير معنى: تزال، ويكون بمعنى: انفك الشيء من الشيء إذا انفصل منه، كما يقال: فككت الغلّ عنه فانفك، وفككت زيدا مما وقع فيه فانفك منه.
ويجوز دخول الاستثناء في هذا الوجه، تقول: ما انفك زيد إلا بعد شدّة، فيكون التقدير: لا ينفك من الشدة والسير إلا مناخة على الخسف؛ كما تقول:
ما انفصل زيد من الموضع إلا مجهودا.
والوجه الثاني: أن يكون (على الخسف) خبر (تنفك)، و(إلا مناخة) استثناء مقدم.
فكأنا قلنا: لا تنفك مجهودة، كما تقول: لا تزال مجهودة إلا في حال إناختها، فإنها تستريح إذا أنيخت.
وقوله:
أو نرمى بها بلدا قفرا (١)
فيه وجهان:
الأول: أن يكون معطوفا على خبر (تنفك) وهو (على الخسف)، كأنك قلت: لا تزال على الخسف، ولا نزال نرمي بها
بلدا قفرا؛ ويجوز أن يكون على الابتداء، أو نحن نرمي بها بلدا قفرا.
ويجوز الرفع في:
كسرت كعوبها أو تستقيما (٢)
فيقال: أو تستقيم، في غير هذه القصيدة، لأن (كسرت) في موضع رفع لأنه جواب (إذا)، وجوابها بالفعل المستقبل رفع.
وأما قول الله﵎-: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٣). فقوله (يرسل) لا يجوز أن يكون معطوفا على
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) عجز بيت سبق تخريجه.
(٣) سورة الشورى، الآية: ٥١.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
(يكلمه الله) ولا يكون الناصب له (أن) هذه الظاهرة، لأنا إذا أوقعنا (أن) هذه الظاهرة على (يرسل) صار التقدير: ما كان لبشر أن يرسل الله إليه رسولا وهذا فاسد في المعنى ولكنه محمول على ما بعد إلا وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه، وهو عطف مصدر على مصدر.
وأما من قرأ: «أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه» فإنه يجعل (وحيا) بمنزلة (موحيا)، كما تقول: أتاني زيد مشيا أي ماشيا، فيكون (وحيا) الذي هو مصدر في موضع اسم الفاعل حالا، و(يرسل) فعل مستقبل في موضع اسم الفاعل حال معطوف على (وحيا)، تقول: جاءني زيد يضحك في معنى: ضاحكا.
وأما قول الأعشى:
أو تنزلون فإنّا معشر نزل (١)
فقد ذكر سيبويه فيه قول الخليل على تقدير: أو تركبون أو تنزلون، وذكر عن يونس أنه يرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون قال وقول يونس أسهل.
قال أبو سعيد: وفيه قول ثالث، وهو عندي أسهل من هذين القولين، وهو أن تقدر في موضع (إن تركبوا) إذا تركبون، لأن (إن) و(إذا) يجازى بهما وهما مقارنان في معنى ما يريده المتكلم، وإن كان بعد (إن) مجزوم، وبعد (إذا) مرفوع؛ فإذا قدرنا (أتركبون) وهو في معنى (أن تركبوا) عطفنا (أو تنزلون) عليه في التقدير.
قال سيبويه: لما ذكر قول الخليل في (أو تنزلون) وعطفه على تقدير (أتركبون) وأنه جعله كقول زهير (ولا سابق شيئا) على تقدير: لست بمدرك ما مضى، والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا)، يعني بعد عطف (أتنزلون) على توهمهم (أتركبون) كبعد عطف (سابق) على توهم (بمدرك ما مضى)؛ ولو كان هذا كهذا التوهمّ في (الفاء) و(الواو) من غير ضرورة إلى ذلك.
وقيل: هو يأتيك فيحدثك، على توهم: يكون منه إتيان فحديث؛ وإنما تفعل ذلك فيما خالف معناه التمثيل للضرورة نحو: لا تأته فيشتمك، على: لا يكون منك إتيان فشتيمة. وباقي الباب مفهوم مستغنى عن شرحه بما ذكره سيبويه أو بشرح نظائره.
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٤٦ ]