قال سيبويه: " اعلم أنّ هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال، وهي: أن، وذلك قولك: أريد أن تفعل كذا، وكي، وذلك قولك: أجيئك لكي تفعل، ولن.
[ ٣ / ١٨٩ ]
فأمّا قول الخليل فزعم أنّها: لا أن ولكنّهم حذفوا لكثرته في كلامهم، كما قالوا:
ويلمّه، وكما قالوا: يومئذ، وجعلت بمنزلة حرف واحد، كما جعلوا هلا بمنزلة حرف واحد، وإنّما هي هل ولا.
وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادة، وليست من كلمتين، ولكنّها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنّها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم، في أنه ليس واحد من الحرفين زائدا. ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت:
أمّا زيدا فلن أضرب؛ لأنّ هذا اسم والفعل صلة، فكأنه قال: أمّا زيدا فلا الضّرب له ".
قال أبو سعيد: قد تقدّم في أوّل الكتاب ذكر المضارعة التي استحقّ بها الفعل الذي في أوّله الزوائد الأربع الإعراب، وهي المشابهة بين هذا الفعل وبين الاسم، وقد ذكرت هناك بما أغنى عن إعادته هنا.
وذكر أهل الكوفة في استحقاق الفعل الإعراب قولين ضعيفين منتقضين لا نظام لهما.
أحدهما: أنّ الأفعال أعربت لما دخلت عليها المعاني المختلفة، ووقعت على الأوقات الطويلة، وهذا فاسد؛ لأنّ
الحروف قد تدخل عليها المعاني المختلفة ولا يوجب ذلك لها إعرابا، كقولنا: ألا فهي تصلح للاستفهام والعرض والتّمني، ولمّا تصلح للزّمان كقولك: لمّا جاء زيد أكرمته، وتكون في نحو معنى لم جازمة، ومن: تصلح للتبعيض، ولابتداء الغاية وغير ذلك مما يطول ذكره.
وأمّا طول الزمان فإنّ الفعل المعرب أقصر زمانا من المبني؛ لأنّ الفعل المعرب ما كان في أوله الزوائد الأربع، وهي تصلح للحال والاستقبال، فأمّا فعل الحال فلا امتداد له؛ لأنه لزمان واحد، والزمان الذي يليه يصيّره ماضيا، والفعل الماضي أطول منه ومن المستقبل؛ لأنّ الفعل الماضي أبدا ماض، ولا يصير مستقبلا، والمستقبل يصير ماضيا، ويبطل عنه الاستقبال، فإذا كان الفعل الأطول زمانا مبنيا كيف يكون طول الزمان سببا لإعرابه؟
والقول الآخر: إنّ الفعل وقع بين الأداة والاسم فأشبه من الأداة أنه لا يلزم المعنى في كلّ الحالات، وأشبه ليت التي تقع للتمني فإذا زال التمني زالت، وكذلك ما يشبه ليت من الأدوات.
قال: وأشبه من الاسم وقوعه على دائم الفعل الذي قدّمنا ذكره، وأعطي بحصّة
[ ٣ / ١٩٠ ]
شبه الاسم الرفع والنّصب، ومنع الخفض لتقصيره عن كل منازل الأسماء، وخصّ بالجزم، وترك التنوين منه في حال رفعه ونصبه بحصّة الأداة إذ الأداة حقّها الوقف والسّكون، وأن لا تعرب ولا تنون لعدمها تمكّن الأسماء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يبطله أدنى التأمّل له، وذاك أنه ذكر ابتداء الكلام الدلالة على وجوب الإعراب للأفعال، ثم ذكر أنّ الفعل بشبه الاسم يعطى الرفع والنصب، وبشبه الأداة يعطى الجزم، وإنّما يذكر اختصاص مواضع الإعراب واختلافه بعد الدلالة على وجوب جملته، وهذا لم يقم دليلا على وجوب الإعراب جملة فيقيم بعده دليلا على مواضعه، وذكر حال الأداة بما يشاركه فيه الاسم؛ لأنه قال: فأشبه ليت التي تقع للتمني، فإذا زال التمني زالت، وهذه صفة الاسم؛ لأنّ الصّبي يسمّى بهذا الاسم لما فيه من الصّبا، والشّابّ لما فيه من الشباب؛ فإذا زال الصّبا والشباب لم تقل صبي ولا شابّ، والخمر تسمّى بهذا الاسم لما فيها من الشّدّة، فإذا حمضت وصارت خلا لم تسمّ خمرا، وليس في التشاغل به والاستقصاء عليه طائل.
ولم أر أصحابنا علّلوا الحروف الناصبة والجازمة للأفعال لم اختصّت الناصبة منها بالنصب والجازمة منها بالجزم؟ وقد ذكرت شيئا من ذلك في أول الكتاب، وأنا أذكره الآن على ما يصحّ قياسه، وأذكر بعض ما ذكر الناس فيه، وما يحضرني من الحجج على ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا المرفوع من الأفعال فعلى قول سيبويه وسائر البصريين: يرتفع لوقوعه موقع الاسم لا لمضارعته الاسم، وقد توهّم أبو العباس ثعلب على سيبويه أنه يرفع الفعل لمضارعته الاسم، وتبعه على هذا التوهّم أصحابه، ولم
يفهموا مذهب البصريين، والذي يقوله البصريّون: أنّ المضارعة أوجبت للفعل استحقاق الإعراب الذي فيه الرفع والنصب والجزم، ثم كان للرفع شيء يختصّ بإيجابه، وللنصب شيء يختص بإيجابه، والجزم كذلك، وستقف من كلام سيبويه فيما يأتي على هذا إن شاء الله تعالى.
واحتذى الفرّاء قول البصريين في ذلك فغيّر لفظهم، وقال: يرتفع الفعل بسلامته من النواصب والجوازم، وذلك أنّ النواصب والجوازم ألفاظ وحروف، ووقوعه موقع الاسم ليس بلفظ، فجعل خلوّه من الحروف الناصبة والجازمة هو الرافع.
والفرّاء وأصحابه قد عابوا البصريين برفعهم الاسم بالابتداء الذي هو خلوّ الاسم من العوامل اللفظيّة فدخلوا في مثل ما عابوه.
وقول البصريين في رفع الفعل قول صحيح وترتيب غير مدخول؛ لأنّهم بدءوا
[ ٣ / ١٩١ ]
بالرفع الذي هو أول الإعراب فجعلوا له سببا لا يتعلق بغيره، ولا يخرج الرفع عن ترتيبه.
وقول الفرّاء في ذلك قول مدخول ولفظه غير صحيح؛ وذلك أنّ الرفع أول أحوال الفعل؛ فإذا رفعناه من قبل وجود المنصوب والمجزوم فلا بدّ من حال مقترنة به توجب له الرفع غير منسوبة إلى شيء لم يكن بعد، وإنما يقال: سلم فلان من كذا إذا كان قد دخل فيه ولابسه.
وقال الكسائيّ وأتباعه من الكوفيين: الفعل المستقبل يرتفع بالزوائد الأربع: الألف والنون والتّاء والياء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يفسد من وجهين:
أحدهما: أنّ هذه الزوائد موجودة في حال النصب والجزم، والعامل إذا حضر ووقع على المعمول فيه عمل عمله.
والوجه الآخر: أنّ هذه الزوائد من نفس الفعل وتمام معناه، ولا تنفصل منه في لفظ ولا في معنى ينفرد به. فكيف تعمل فيه ولا تنفرد منه ولا تفارقه؟ وليس بمنزلة أن يذهب؛ لأنّ أن منفصلة اللفظ من يذهب، ويذهب منفرد بنفسه ولفظه.
قال أبو سعيد: وأمّا نصب الفعل فالأصل فيه أن، وذاك أنّ أن الناصبة هي وما بعدها بمعنى المصدر، وأنّ المشدّدة المفتوحة الناصبة هي وما بعدها من الاسم والخبر بمنزلة المصدر، كقولك: أريد أن تخرج، ومعناه: أريد خروجك، وبلغني أنّك تخرج، بمعنى: بلغني خروجك، وبعد فهما يشتركان فيما كان من أفعال الظّنّ والخوف، كقولك:
حسبت أنّك لا تقوم، وحسبت أن لا تقوم، ويتعاقبان على الأفعال التي للإيجاب، وغير الإيجاب؛ كان للإيجاب
انفرد به المشدّد كقولك: عرفت أنّك تخرج، وما كان لغير الإيجاب انفرد به المخفّف كقولك: اشتهيت أن تخرج، وأردت أن تخرج، فحمل نصب الفعل بأن على نصب الاسم ب " أنّ " لما ذكرناه.
ولن وكي وإذا محمولة على أن في النصب لمشاركتها لها في الاستقبال؛ والدليل على ذلك أنّ إذا قد تدخل على الحال فيبطل النصب بها، وستقف على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر سيبويه عن الخليل: في لن أنّ أصلها لا أن، وحكى الكوفيّون عن الكسائي مثل قول الخليل.
قال أبو سعيد: والمختار قول غير الخليل، والحجّة فيه سوى ما ذكره سيبويه، أنّا إذا قلنا: لن أضرب زيدا، كان كلاما كاملا تاما لا يحتاج إلى إضمار شيء، وإذا قلنا: لا
[ ٣ / ١٩٢ ]
أن أضرب زيدا، لم يتمّ الكلام؛ لأنّ أن وما بعده من الفعل والمفعول بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد إذا وقع بعد لا احتاج معه إلى خبر، فليس لفظ لن وفقا للفظ لا أن، ولا معناها وفقا لمعناها، فما الذي أوجب أنّها هي؟
وجملة الأمر أنه ليس لنا أن ندّعي في (لن) غير ظاهرها إلا ببرهان، وقد رأينا في الحروف الناصبة كي وإذا وليسا بمأخوذين من لفظ أن.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أنّ لن وكي وإذا حملن. على أن في نصبهنّ؛ لاشتراكهنّ في الاستقبال، فما القول في حروف الجزم؟ فهلا نصبتم فعل الأمر والنّهي والمجازاة وهنّ مستقبلات؟
قيل له: أمّا لام الأمر فإنّ ما بعدها جزم؛ لأنه بمعنى الأمر المبني على السّكون؛ لمضارعته له ودخوله في معناه حمل على إعراب لفظه كلفظ البناء.
وأمّا النهي فإنه جزم؛ لأنه نقيض للأمر، والأمر مبني، كما جزم الفعل بلم؛ لأنّه نقيض الماضي والماضي مبني.
وأمّا المجازاة فجزمت لأنها شرط وجواب فطالت، فاختاروا لها أخفّ الإعراب وهو الجزم لطولها.
وقال الكوفيّون: لام الأمر خصّت بالجزم فرقا بينها وبين لام كي في قولهم: أقصدك لأكرمك، يعني به لكي أكرمك، وكانت لام الأمر أولى بأن تجزم المستقبل لأنّها على المستقبل أغلب، وتمكّنها فيه أوضح من تمكّن لام كي؛ من أجل أنّ لام الأمر تبتدأ مع المستقبل وتنفرد به حين قال: ليفعل وليصنع، ولام كي لا تنفرد حتى يتقدّمها ما يحدثها، وتجري مجرى الصلة له نحو: أزورك كي أكرمك.
قال أبو سعيد: وهذا تطويل لا يحتاج إليه؛ لأنه يحتاج أولا إلى إقامة الحجّة بأنّ الاستقبال موجب للنصب، ولا سبيل له إلى ذلك، وإنما هي دعوى لا حجة عليها.
وأمّا قوله: ويلمّه، ويومئذ فقد ذكرا في مواضعهما بما أغنى عن ذكره، والله أعلم.