وذلك قولك: والله إن أتيتني لا أفعل، لا يكون إلا معتمدة عليه اليمين، ألا ترى أنّك لو قلت: والله إن تأتني آتك لم يجز ولو قلت: والله من يأتني آته كان محالا، واليمين لا تكون لغوا كلا والألف، لأن اليمين لآخر الكلام، وما بينهما لا يمنع الآخر أن يكون على اليمين.
وإذا قلت: أإن تأتني آتك، فكأنك لم تذكر الألف، واليمين.
وإذا قلت: أإن تأتني آتك، فكأنك لم تذكر الألف، واليمين وإذا قلت: أإن تأتني آتك فكأنك لم تذكر الألف واليمين ليست هكذا في كلامهم، ألا ترى أنّك تقول: زيد منطلق، فلو أدخلت اليمين غيّرت الكلام، وتقول: أنا والله إن تأتني لا آتك، لأن هذا الكلام مبني على (أنا)، ألا ترى أنه حسن أن تقول: أنا والله إن تأتني آتك، والقسم هاهنا لغو، فإذا بدأت بالقسم لم يجز إلا أن يكون عليه، ألا ترى أنكّ تقول: لئن أتيتني لا أفعل ذاك لأنها لام قسم، ولا يحسن في الكلام لئن تأتني لا أفعل، لأن الآخر لا يكون جزما.
وتقول: والله إن أتيتني آتيك، وهو معنى لا آتيك، فإن أردت أنّ الإتيان يكون، فهو غير جائز، وإن نفيت الإتيان،
وأردت أنّ المعنى لا آتيك فهو مستقيم، وأما قول الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي بها أن يضلّ الناس يهدى ضلالها (١)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٦٢٣، والكتاب ٣/ ٨٥.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ولا يكون الآخر إلا رفعا، لأنّ (أن) لا يجازى بها، وإنما هي مع الفعل اسم، فكأنه قال: لأن يضلّ الناس يهدي ضلالهم. وهكذا أنشد الفرزدق.
قال أبو سعيد: إذا أقسمت على المجازاة، فالقسم إنما يقع على الجواب، لأن جواب المجازاة هو إخبار ووعد يقع فيه التصديق والتكذيب والوفاء والإخلاف، ألا ترى أنك لو قلت:
إن جاء زيد أعطاه عمرو دينارا، لم يقع لك بمجيء زيد ولا بتأخره تصديق ولا تكذيب، وإنما يقع لك التصديق والتكذيب بإعطاء عمرو زيدا دينارا ومنعه إياه بعد مجيئه، والقسم إنما يؤكد الإخبار، وما ليس بخبر لا يقع عليه القسم، ألا ترى أنك لا تقول والله هل خرج زيد، ولا والله قم يا زيد، ولا والله لا يتكلّم يا عمرو، ولأن الاستفهام والأمر والنهي بإخبار، فلما كان القسم معتمدا به الجواب، بطل الجزم فيه، فصار لفظه كلفظه لو كان في غير مجازاة، فتقول: والله إن أتيتني لا أفعل، كأنك قلت: والله لا أفعل إن أتيتني، وصار الشرط معلقا على جواب اليمين، كما يعلق عليه الظرف إذا قلت: والله لا أفعل يوم الجمعة. ويقول والله إن أتيتني آتيك، على معنى لا آتيك، لأن جواب اليمين، لا يجوز إسقاط لامه إذا كان جحدا قال الله﷿-: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (١) على معنى تالله لا تفتأ تذكر، وو الله أؤذيك على معنى والله لا أؤذيك، وإنما جاز إسقاط (لا) منه، لأنه لا يشكل بالإيجاب، لأن الإيجاب يحتاج إلى لام ونون، كقولك: والله لا آتينّك، وو الله لأخرجنّ.
ولا يجوز إسقاط واحدة من اللام والنون، فإذا أسقطوا (لا) من الجحد، علم أنه جحد بسقوط واللام والنون منه، ويدخلون اللام أيضا على الشرط، لأنه أول ما يلقى اليمين، كقولك: والله لئن أتيتني لأكرمنّك، فإدخالها في الثاني واجب لازم، لأنه مقصود بالقسم، وإدخالها في الأول؛ لأنه صدر الكلام، والشرط والجواب هما في الأصل جملتان متباينتان ربطهما حرف المجازاة فصارتا كشيء واحد، فمن أدخل اللام في الأول فلأنهما كجملة واحدة صدرها الشرط، ثم تعيد في جواب اليمين الحرف الذي يوجبه اليمين، ومن لم يدخل اللام في الأول اكتفى بدخول علامة جواب اليمين في الموضع الذي هو حقه، وإن جزمت الشرط فقلت: والله لئن تأتني لا أفعل لم يحسن، لأن الشرط لا يجزم إذا لم يكن بعده جواب له، وقولك: لا أفعل هو جواب القسم، وليس بجواب له، وقد يسقط
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٥.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
القسم، ويبقى جوابه له؛ كقولك: لئن أتيتني لآتينك، ولئن زرتني لا أترك زيارتك؛ لأن لفظ جواب القسم قد دل على القسم المحذوف، فإذا تقدّم القسم شيء ثم أتى بعده المجازاة، اعتمدت المجازاة على ذلك الشيء، وألغي القسم، كقولك: إنا والله إن تأتني لا آتك، اعتمد إن تأتني لا آتك على (أنا) كأنه ليس بعده القسم، ألا ترى أنك تقول: زيد والله منطلق، ولو قلت: والله لزيد منطلق لزمته اللام، ومثله (إذا) إذا تقدّمت على القسم عملت، واعتمد الفعل عليها، كقولك: إذا والله أكرمك، وإذا والله لأكرمك، وإن تقدّم اليمين اعتمد الفعل عليها كقولك: والله إذا لأكرمنّك، وو الله إذا لأكرمك، وأما بيت الفرزدق قوله:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي بها أن يضلّ الناس يهدي ضلالها (١)
فتقديره: التي بها يهدى الضال عنها، والهاء في ضلالها ترجع إليها، وأن يضل الناس هو السبب الذي جعل الهدى من أجله، وقد مضى الكلام في نحوه، وباقي الباب مفهوم.