وهي (لكن) و(كأنما) و(إذ) لأنها حروف لا تعمل شيئا، فتركت الأسماء بعدها على حالها، كأنه لم يذكر قبلها شيء، فلم يجاوز ذاتها إذ كانت لا تغير ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل، وسألت الخليل، عن قول العرب: انتظروني كما آتيك، فزعم أن (ما) و(الكاف) جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيّرت الفعل، كما صيّرت للفعل (ربما) والمعنى: لعلي آتيك، فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا ب (ربما). قال رؤبة:
لا تشتم النّاس كما لا تشتم (٢)
وقال أبو النجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه كما تغدّي القوم من شوائه (٣)
وقال أبو سعيد: يرتفع الفعل بعد (كما) من وجوه منها: أن تجعل الكاف، وهي كاف التشبيه في الأصل مع (ما) كشيء واحد يليها الفعل، ورفع بعدها، كما رفع بعد (ربما) وجعلت بمعنى لعل، والفعل للاستقبال دون الحال، وفيه معنى كي، وإن ارتفع الفعل كقولك للرجل ائتني لعلي أهب لك. قال الله ﷿: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لعدي بن الرعلاء.
(٢) البيت في ديوانه ١٨٣، الخزانة ٤/ ٢٨٢.
(٣) البيت في ديوانه، الكتاب ٣/ ١١٦.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
تُفْلِحُونَ (١) وإنما صار كذلك لأن لعل فيها طمع، والذي يفعل الفعل ملتمسا لكون الشيء، فإنما يطمع في ذلك الملتمس ويرجوه، والمعاني إذا تقاربت اشتركت كثيرا في الألفاظ، ومنها:
أن يكون (ما) (من) (كما) و(ما) بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، كقولك أزورك كما تزورني، وائتني كما آتيك، وكما تدين تدان، وكما يفعلون أفعل، أي أزورك كزيارتك إياي، وائتني كإتياني إياك، فإن قال قائل: إن كان المصدر الذي بعد الكاف من فعل ماض، فينبغي أن تقول أزورك كما زرتني، وإن كان من فعل مستقبل، فكيف يشبهه بما لم يكن قيل له، أما الفعل إذا كان ماضيا، فالوجه فيه أزورك كما زرتني، وائتني كما أتيتك، وإن كان مستقبلا فتقديره أتيني كإتياني إياك إن أتيتني، وكذلك لا تشتم الناس كما لم تشتم في معنى المصدر، وتقديره: اترك شتمهم كتركهم شتمك إن تركت شتمهم، والوجه الثالث: أن يكون (كما) وقتا كقولك: ادخل كما يسلم الإمام أي في ذلك الوقت، وانصرف كما يجلس الوزير، أي في وقت جلوسه والوجه الرابع: فيما ذكر بعض النحويين أن (كما) تقييد للتشبيه حسب، ولا ينضم (ما) إلى الذي عنده، ولا يختلط به، كما يقال: أنا عندك كما أنت عندي، قال الله ﷿: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (٢) فكما بجملتها مفيدة التشبيه، وعلى هذا يجعل (ربما) بجملتها بمعنى (رب) غير أنها لا تخفض، وحكى الكوفيون النصب ب (ما) بمعنى (كما) وحذف الباء منها، وإن كانوا غير دافعين للدفع بعدها، ولم يحك البصريون ذلك، وقد وافقهم على ذلك أبو العباس المبرد، واستحسن قولي الكوفيين والبصريين، ولم يحتج في ذلك بشيء إلا ببيت احتج به الكوفيون وهو قوله:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تصرف (٣)
قال أبو سعيد هذا البيت وما بعده مما احتج به الكوفيون للنصب ب (ما) فتأول، أو مروي على غير روايتهم مما لا يكون لهم حجة، أما هذا البيت فغيرهم يرويه:
فاصرفنه لكي يحسبوا أن الهوى حيث تصرف
وقد احتجوا بقول رؤبة:
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٧٧.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨.
(٣) البيت ورد منسوبا لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٣.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
لا تظلموا الناس كما لا تظلموا
والذي رواه سيبويه بالتوحيد: لا تظلم الناس كما لا تظلم وليس في هذه الرواية حجة.
وأنشدوا بيت صخر الغي الهذلي:
جاءت كبير كما أحفّرها والقوم صيد كأنهم رمدوا (١)
والبصريون يروونه بالرفع: كما أحفّرها، والفراء اختار الرفع في بيت صخر الغي، وقال: احفرها بالنصب.
فأنشد الآخر:
يقلّب عينيه كما لأخافه تشاوس رويدا أتني من تأمل (٢)
قالوا اللام في لأخافه توكيد لكما، وهذه لا حجة فيها لأن فيه تكلفا شديدا وحملا على وجه يقبح، والأولى والأظهر يقلب عينيه لكيما يخافه، وأنشدوا قول: عدي بن زيد:
اسمع حديثا كما يوما يحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا (٣)
وذكر أن الرواة أجمعوا على رفع يحدثه إلا المفضل، فإنه كان ينصبه، واجتماع النحويين من الكوفيين والبصريين على رفعه حجة على المفضل، لأنه لم يكن في معرفة النحو كالمخالفين له.
وقال هشام بن معاوية: (كما) على معنى (كي) لكنها بمنزلة قولهم افعل كما يفعلون، وأنشد هشام:
وما زرتني في اليوم إلا تعلة كما القابس العجلان ثم يغيب
وقال معناه: كما ترون القابس، وأهر وجوه معاني (كما) فيما أنشده سيبويه في آخر الباب- معنى (لعل) كأنه قال:- لا تشتم الناس لعلك لا تشتم، وكذلك: أدن من لقائه، يريد من لقائه لحيدة لعلنا نغذي القوم من شوائه.