قال سيبويه: تقول: سرت حتى أدخلها، وقد سرت حتى أدخلها سواء، وكذلك:
إني سرت حتى أدخلها، فيما زعم الخليل.
[ ٣ / ٢١١ ]
فإن جعلت الدخول في كل ذي غاية نصبت.
وتقول: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيدا سار حتى يدخلها؛ ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن
المتكلم ليس بمتيقن، فإنه يدخل عليه: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري، ويدخل عليه: عبد الله سار حتى يدخلها أرى.
فإن قال: لأني لم أعمل (أرى)، فهو يزعم أنه ينصب الفعل ب (أرى) وإن جعلت الدخول غاية، نصبت في ذا كله.
وتقول: كنت سرت حتى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غاية. وليس بين (كنت وسرت) وبين (سرت مرة في الزمان الأول) حتى أدخلها شيء؛ وإنما ذا قول كان النحويون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف، يقولون: إذا لم يجز القلب فيه، فيدخل عليهم (قد سرت حتى أدخلها) أن ينصبوا، وليس في الدنيا عربي يرفع (سرت حتى أدخلها) إلا وهو يرفع إذا قال: قد سرت.
وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها، إن جعلت الدخول غاية؛ وكذلك ما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، لأن معنى هذا معنى سرت قليلا حتى أدخلها، فإن جعلت الدخول غاية نصبت.
ومما يكون فيه الرفع شيء ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربما سرت حتى أدخلها، ونحو هذا؛ فإن احتجوا بأنه غير سير واحد فكيف يقولون إذا قلت:
سرت غير مرة حتى أدخلها.
وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتى أدخلها، فرفع في (ربما)، ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في (قد).
ويقولون: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها، وقلما سرت حتى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنك سرت قليلا وعنيت سيرا واحدا، وإن شئت نصبت على الغاية.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت سيرا واحدا، أو عنيت غير سير، لأنك قد تنفي الكثير من السير الواحد، كما تنفيه من غير سير.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، وكذلك أقلّ ما سرت حتى أدخلها، من قبل أنّ (أقل ما) نفي لقوله (كثر ما) كما أن (ما سرت) نفي لقوله (سرت)؛ إلا أنه قبيح أن تقول: قلّ ما سرت فأدخلها، كما يقبح في (ما سرت) إذا أردت معنى: فإذا أنا أدخل.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وتقول: قل ما سرت فأدخلها، فتنصب بالفاء هاهنا كما تنصب في (ما) و(لا يكون) كثر ما سرت فأدخلها، لأنه واجب؛ ويحسن أن تقول:
كثر ما سرت فإذا أنا أدخل. وتقول: إنما سرت حتى أدخلها إذا كنت محتقرا لسيرك الذي أدى إلى الدخول، ويقبح:
إنما سرت حتى أدخلها، لأنه ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير كما يكون في النصب، يعني إذا احتقر السير؛ لأنك لا تجعله سيرا يؤدي إلى الدخول وأنت تستصغره، وهذا قول الخليل؛ وإن لم تجعله غاية، ولم تحتقر، رفعت.
وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، ليس إلا النصب، وذلك أن (حتى أدخلها) خبر لكان، لأن (أمس) بمنزلة (اليوم) إذا قلت: جاء في اليوم عبد الله، فاليوم صلة لهذا، وكذلك (أمس) صلة للسير؛ واعتمد في الخبر على (حتى أدخلها)، فكأنه قال: كان سيري حتى أدخلها، فحتى أدخلها غاية، أو محمول على (كي)، كأنك قلت: كي أدخلها؛ ولا يجوز أن تقول: كان سيري فأدخلها إلا وأنت تريد أن تجيء ب (كان) التي تقع بلا خبر، كقولك: قد كان الأمر، أي: قد وقع الأمر؛ فإن أردت (كان) هذه، جاز أن تقول: كان سيري أمس حتى أدخلها.
وتقول: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، لأنك تقول هاهنا: فأدخلها، وفإذا أنا أدخلها، لأنك جئت لكان بخبر، وذلك قولك: سيرا متعبا.
واعلم أن ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم آتك فأقل، ولو كان ذلك لاستحال الكلام في قولك:
كان سيري أمس شديدا حتى أدخل، ولكنها تجيء كما تجيء (ما) بعد إذا، وبعد حروف الابتداء. وكذلك هي أيضا بعد (الفاء) إذا قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها، ولأنها منفصلة؛ فإنما عنينا بقولنا (الآخر متصل بالأول) أنهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال:
فإنّ المندّى رحلة فركوب (١)
يعني أنهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأن الآخر كان مع فراغه من الأول.
فإن قلت: كان سيري أمس حتى أدخلها، يجعل أمس مستقرا، جاز الرفع لأنه
_________________
(١) هذا عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢١٣ ]
استغنى، فصار كسرت، لو قلت: فأدخلها حسن، ولا يحسن: كان سيري فأدخل، إلا أن تجيء خبرا لكان. واعلم أن (أسير) بمعنى (سرت) إذا أردت بأسير معنى سرت.
واعلم أن الفعل إذا كان غير واجب، لم يكن إلا النصب، من قبل أنه إذا لم يكن واجبا، رجعت (حتى) إلى أن وكي، ولم تصر من حروف الابتداء، كما قلت:
إذن أظنك، والظن غير واقع في حال حديثك.
وتقول: أيهم سار حتى يدخلها، لأنك قد زعمت أنه قد كان سير ودخول، وإنما سألت عن الفاعل. ألا ترى أنك لو قلت: أين الذي سار حتى يدخلها وقد دخلها لكان حسنا، ولجاز هو الذي يكون لما قد وقع، لأن الفعل ثم واقع، وليس بمنزلة (قلما سرت) إذا كان نافيا لكثر ما سرت؛ ألا ترى أنه لو قال: قلما سرت فأدخلها أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبة خارجة من معنى (قلما)، لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت، وحتى دخلت، كما تقول: ما سرت حتى دخلت. فإنما ترفع بحتى في الواجب، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلا من الأول، كان مع الأول فيما مضى أو الآن. وتقول: أسرت حتى تدخلها، نصبت، لأنك لم تثبت سيرا تزعم أنه قد كان معه دخول.
قال أبو سعيد: هذا الباب معتمده ذكر ما كان بعد (حتى) متصلا بما قبله، وذلك من المرفوع ما كان متصلا بما قبله، وقد أوجبه ما قبله؛ ومن المنصوب ما كان غاية، وهما يتقاربان في اشتراكهما في اتصال ما قبلهما بما بعدهما؛ فاتصال المرفوع بما قبله كاتصال ما بعد (الفاء) بما قبلها، ولذلك يمثله بالفاء لإيصال ووقوع الثاني عقيب الأول.
ووجه رفعه هو ما ذكرته لك.
وليست (حتى) المنصوب ما بعدها من الفعل هي المرفوع ما بعدها، لأن المرفوع ما بعدها ليست بعاملة، والمنصوب ما بعدها حرف خفض؛ وكل فعل كان مبناه على الإيجاب فهو مما لم يرتفع فيه الفعل بعد (حتى)، فإن اتصل به تشكك كقولك: سار عبد الله حتى يدخلها، أو سار حتى يدخلها أرى، وكذلك: سار عبد الله حتى يدخلها. ويجوز أن يكون ما قبل (حتى) المرفوع ما بعدها من الفعل من باب أرى وأفعال الظن والمحسبة لأن القلوب تنعقد على ذلك- وإن كان فيه بعض عوارض الشك- كانعقادها على العلم واليقين، ويكون اللفظ عليه كما يكون ذلك في الخبر اليقين، وذلك قولك: أرى عبد الله سار حتى يدخلها، وكذلك: أظن عبد الله سار حتى يدخلها.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وإن كان مبنى الكلام على جحد عقيبه استثناء يرده إلى الإيجاب فهو كالإيجاب كقولك: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها، وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، لأنه لا فرق بين قولك: ما سرت إلا يوما، وبين سرت يوما؛ وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها بمنزلة: سرت قليلا حتى أدخلها؛ والقليل قد يؤدي إلى الدخول، كما يؤدي الكثير إليه؛ وهذه العوارض التي تعارض المعرفة واليقين لا تغير لفظ الإيجاب كقولك: إنّ زيدا لقائم فيما أرى، وفيما أظن، وإن زيدا لقائم بلغني.
وأما ما حكاه سيبويه عن بعض النحويين من اعتبار القلب فهو ضعيف يخالف كلام العرب، ولا لاعتبار ذلك أصل يرجع إليه؛ هؤلاء القوم أجازوا: سرت حتى أدخلها، ولم يجيزوا: كنت سرت حتى أدخلها، لأنه لا يحسن: سرت حتى
أدخلها كنت، كما يحسن: حتى أدخلها سرت؛ فاحتج عليهم سيبويه بقول العرب: قد سرت حتى أدخلها، وهم لا يجيزون: سرت حتى أدخلها قد، ويقولون: ربما سرت حتى أدخلها، ولا يقولون:
سرت حتى أدخلها ربما؛ واحتج عليهم أيضا بأنه لا فرق بين قولنا: كنت سرت حتى أدخلها وبين: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، وهم يجيزون: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، لأنه يحسن فيه القلب، تقول: سرت حتى أدخلها مرة في الزمان الأول.
وذكر سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، فأجاز الرفع في موضع، ولم يجزه في موضع، وذلك أن (إنما) تكون على وجهين: أحدهما تحقير الشيء، والآخر الاقتصار عليه؛ فأما الاقتصار عليه فقولك في رجل ادّعي له الشجاعة والكرم واليسار، فاعترفت بواحد منها دون الباقي، وأثبته له فقلت: إنما هو موسر أو إنما هو شجاع، فعلى هذا الوجه يرفع الفعل بعد (حتى) إذا قلت إنما سرت حتى أدخلها، لأنك أثبت له المسير، وقد أداه إلى الدخول.
وأما تحقير الشيء فقولك لمن تحقر صنيعا له: إنما تكلمت وسكت، وإنما سرت فقعدت، لم يعتد بكلامه ولا بسيره؛ فعلى هذا الوجه نصب سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه لم يعتد بسيره سيرا، فصار بمنزلة المنفي.
ويقبح الرفع؛ لأنك لم تجعل السير مؤديا إلى الدخول، فيكون منقطعا بالدخول، وإلا نصبت (يدخل)، فيكون غاية السير، وهذا معنى قوله: ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير، يعني إذا رفعت مع التحقير.
فأما أقلّ (ما سرت) فإنه يكون على وجهين: أحدهما أن يريد سيرا قليلا مؤديا
[ ٣ / ٢١٥ ]
كأنه قال: قل سيري، كما تقول: سرت قليلا؛ فهذا يرفع فيه الفعل الذي بعد (حتى) للمسير القليل الذي أدى إلى الدخول.
والوجه الآخر أن يكون في معنى الجحد، وذلك قولك: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، لأن معناه النفي لغير سير؛ وليس النفي لغير سير فعل يوجب الدخول فيرفعه؛ وكذلك قوله: أقل ما سرت حتى أدخلها، من قبيل أن (قلّ) نفي، وقد ذكرنا فيما تقدم أن (أقلّ رجل) و(أقلّ رجل) في معنى الجحد، بما أغني عن إعادته ".
قال أبو سعيد: " ولو قلت: ما كثر ما سرت حتى أدخلها، وما طال ما سرت حتى أدخلها، لم يجز فيه غير النصب، لأنك لم تذكر فعلا يؤدي إلى الدخول، وإنما نفيت فعلا، ولم تثبت فعلا آخر؛ ولهذا نصب سيبويه بعد: أقلّ ما سرت حتى أدخلها، لما كان نفيا ل (كثر ما سرت)، كما أن (ما سرت) نفي لقوله: سرت، وقواه بأنه قبيح أن تقول:
قل ما سرت حتى فأدخلها، كقبح ما سرت فإذا أنا داخل، لأن (الفاء) تقتضي أن ما بعدها وقع عقيب فعل اتصل به، وأنت قد نفيت ما قبل (الفاء)؛ ولو قلت: قلما سرت فأدخلها، فنصبت، كان جيدا للنفي، كما تقول: ما أتيتنا فنكرمك،
ولا يحسن كثر ما سرت فأدخلها، لأنه موجب، والوجه كثر ما سرت فأدخلها بالرفع، كقولك: أنا آتيك فأكرمك، ولا يحسن فأكرمك بالنصب، وقد تقدم الرد على من يعتبر القلب وهو ينصب ربما سرت حتى أدخلها؛ وطال ما سرت حتى أدخلها، وكثر ما سرت حتى أدخلها. لأنه لا يحسن أن تقول: سرت حتى أدخلها ربما، ولا سرت حتى أدخلها طالما، وكثر ما.
ثم قال عنهم: فإن احتجوا- يعني في نصبها- بأنه غير سير واحد، فرد كلامهم بأنه يقال: سرت غير مرة حتى أدخلها، وهذا لا يدفعونه، لأنه يحسن فيه القلب، ومعناه معنى: ربما سرت، وطال ما سرت فأبطل احتجاجهم بالنصب إذا تعلقوا بغير القلب.
وقوله: ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا، كما اعتزموا عليه في (قد)، يريد أن نصب العرب لما ينصبونه من: ربما سرت حتى أدخلها، وكنت سرت حتى أدخلها، وغير ذلك، وإنما نصبوه لا من أجل قبح القلب، ولكن لأن كل ما يرفع بعد (حتى) يجوز فيه النصب على الغاية، لأن ما بينهما متقارب في المعنى، لأن السير ينقطع عند الدخول، رفعت أو نصبت، فنصبهم لأنهم ذهبوا به مذهب الغاية، ويجوز فيه الرفع كما رفع من رفع في (قد)، ويجوز النصب عنده.
وقوله: كان سيري أمس حتى أدخلها، في (أمس) وجهان:
أحدهما: أن يكون في موضع نصب بسيري لا بخبر (كان)، كما تقول: كان قطعي
[ ٣ / ٢١٦ ]
المفازة حتى أدخلها، فتنصب المفازة بقطعي لا بخبر كان؛ فإذا كان كذلك وجب النصب في (أدخلها) لا غير، ويكون خبر (كان) حتى، وهي تكون خبرا للمصدر الذي يمتد في الزمان إذا كانت غاية كقولك: سيري إلى الليل، وسيري حتى الليل، وسيري إلى أن أدخل، وسيري حتى أدخل؛ فإن جئت بخبر (كان)، جاز الرفع والنصب فقلت: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، وأدخلها، فإن شئت جعلت (أدخلها) من صلة سيرا متعبا، وإن شئت جعلته من صلة كان سيري، وقدمته فقلت: كان سيري أمس حتى أدخلها سيرا متعبا.
والوجه الآخر أن تجعل (أمس) خبر سيري، كما تقول: كان القتال أمس، فإذا جعلته كذلك جاز الرفع والنصب في (حتى أدخلها).
وقوله: " ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ فأقل ".
قال أبو سعيد: «ليست (حتى) من حروف العطف في الأصل، وإنما عطف بها في الأسماء، الاسم الذي يصح أن يكون غاية كقولك: خرج القوم حتى زيد، كما تقول:
خرج القوم حتى زيد، ولو قلت: خرج القوم حتى شأنك لم يجز، ولو قلت: وشأنك، وفشأنك جاز؛ لأنهما حرفا عطف وضعا للاشتراك.
وإنما جاز العطف بحتى في الأسماء لأن الاسم المجرور بعد (حتى) داخل في الأسماء التي قبلها، فصار فيه معنى العطف بدخوله فيما دخل فيه ما قبله؛ وأما في الفعل فليس كذلك، وإنما شبّه بالفاء فيما مضى لاتصال الآخر بالأول، وأنهما قد وقعتا فيما مضى كقوله:
فإنّ المندّى رحلة فركوب (١)
لأن التندية والركوب قد وقعتا في الماضي من الأزمنة، والآخر كان مع فراغه من الأول».
وقوله: " واعلم أن (أسير) بمنزلة سرت، إذا أردت بأسير معنى سرت ".
قال أبو سعيد: «إنما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقا وطبعا، ولا ينكر منه في المضي والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرة من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول:
_________________
(١) عجز بيت لعلقمة الفحل سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢١٧ ]
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني (١)
يريد: ولقد مررت، ولم يرد أن ذلك كان منه مرة وأنه لا يعود إليه، وإنما أراد أن ذلك سجيته أبدا، وقال جرير:
قالت جعادة ما لجسمك شاحبا ولقد يكون على الشباب نضيرا
وسمعناه: ولقد كان، وكونه على الشباب نضيرا، فعل مستدام لا يقصد به إلى فعلة واحدة، بل يكون أبدا على الشباب نضيرا، فهذا حكمه دائما».
وقوله: أين الذي سار حتى يدخلها. لا يمنع الاستفهام من الرفع، لأن السير وجب، وإنما سأل عن صاحبه، وكذلك لو نفي فقال: ما رأيت الذي سار حتى يدخلها، وما ضربت الذي سار حتى يدخلها، لأن الاعتماد على نفي الرؤية والضرب.
وأما قوله: أسرت حتى تدخلها؟ فالنصب، لأنه لم يوجب سيرا يجب به الدخول.
ولو قال: قل ما سرت فأدخلها، إذا جعل الدخول واجبا فيما مضى، جعل اللفظ فيه ماضيا، فقال: قلما سرت فدخلت، لأن دخلت منقطع عن قلما سرت، فصار بمنزلته منفردا إذا كان ماضيا، ولم يكن ماضيا، ولم يكن قبله (قلما سرت)، فالإخبار عنه بلفظ المضي؛ ونحو من هذا قولهم: جاءني زيد أمس يضحك، ويضحك في موضع الحال،
وإن كان وقوعه في (أمس). ولو خبّرت عن زيد بالضحك لم يجز أن يكون إلا بلفظ الماضي، ولم تقل إلا: ضحك زيد؛ وكذلك جاءني زيد يضحك أبوه، إذا كان متصلا بزيد؛ فإذا لم تجعله متصلا بزيد قلت: ضحك أبو زيد أمس، ولم يكن إلا ماضيا.
وقال أبو الحسن الأخفش: (٢) ما سرت حتى أدخلها، معنى الرفع فيه صحيح، إلا أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب (حتى)، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها، أي ما كان سير ولا دخول، أو قلت: ما سرت فإذا أنا داخل الآن لا أمنع، كان حسنا.
وغلط أبو الحسن، وذلك أن الدخول في (حتى) إذا رفع إنما يقع بالسير، فإذا نفى السير لم يكن دخول.
_________________
(١) البيت لرجل من سلول من بحر الكامل، الخزانة ١/ ٣٥٧؛ والكتاب ٣/ ٢٤، الدرر: ١/ ٢٧٨.
(٢) الأخفش: هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري أبو الحسن المعروف بالأخفش الأوسط نحوي عالم باللغة والأدب من أهل بلخ، سكن البصرة وأخذ العربية من سيبويه، وله تصانيف منها: شرح أبيات المعاني، تفسير معاني القرآن معاني الشعر، كتاب الملوك. زاد في العروض بحر (الخبب). توفي ٢١٥ هـ.
[ ٣ / ٢١٨ ]
قال أبو سعيد: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن ما يدخل على قولك: سرت حتى أدخلها بعد وجوب بالرفع، فتبقى جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس، وإن كانت العرب لا تتكلم به.