قال سيبويه: " والعرب تختلف فيها، يؤنثها بعض، ويذكرها بعض، كما أن اللسان تذكر وتؤنث، وزعم ذلك يونس.
وأنشد قول الراجز:
كافا وميمين وسينا طاسا (١)
فذكر، ولم يقل " طاسة "
وقال الراعي:
كما بيّنت كاف تلوح وميما (٢)
فقال: (بينت)، فأنث.
قال أبو سعيد: المعتمد بهذا الباب الكلام على الحروف إذا جعلت أسماء، وجعلها أسماء على ضربين: أحدهما أن تخبّر عنها في نفسها، والآخر أن يسمى بها رجل أو امرأة أو غير ذلك.
فأما إن خبّر عنها وجعلت أسماء ففي ذلك مذهبان:
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٦٠، والمخصص ١٧/ ٤٩، والمقتضب: ٤/ ٤٠.
(٢) البيت في الكتاب ٣/ ٢٦٠، والمقتضب: ١/ ٢٣٧، وابن يعيش: ٦/ ٢٩، واللسان: (كوف).
[ ٤ / ٢٨ ]
أحدهما: التأنيث على تأويل (كلمة)، والتذكير على تأويل (حرف) وعلى ذلك جملة حروف التهجي، ويدخل في ذلك
الحروف التي هي أدوات نحو " إن " و" ليت " و" لو " وما أشبه ذلك.
فإذا سميت بشيء من ذلك مذكرا صرفته، وإن سميت به مؤنثا وقد جعلته في تأويل كلمة أوسطها ساكن صرفها من يصرف (هندا) ومنع صرفها من منع صرف (هند) كامرأة سميتها ب (ليت) أو (إنّ) وما أشبه ذلك.
وإن تأولتها تأويل الحرف، وسميت بها مؤنثا، كان الكلام فيها، كالكلام في امرأة سميت بزيد.
وإن خبّرت عنها في نفسها، ففيها مذهبان: إن شئت حكيتها على حالها قبل التسمية، فقلت: هذه " ليت " و" ليت " تنصب الأسماء وترفع الأخبار، و" إنّ " تنصب الأسماء، وإن شئت أعربتها، فقلت " ليت " تنصب الأسماء، وترفع الأخبار. فمن تركها على حالها حكاها، كما يحكي في قولك،: (دعني من ثمرتان) أي دعني من هذه اللفظة.
وكذلك إذا قال " ليت " تنصب فكأنه قال " هذه الصيغة تنصب وما كان من ذلك على حرفين: الثاني ياء، أو واو، أو ألف، إذا حكيت لم تغير، فقلت: (لو فيها معنى الشرط)، و(أو للشك) و(في للدعاء) فلم تغير منها شيئا.
وإن جعلتها اسما في إخبارك عنها زدت عليها فصيرتها ثلاثيّا؛ لأنه ليس في الأسماء اسم على حرفين، والثاني منهما ياء، أو واو، أو ألف؛ لأن ذلك يجحف بالاسم؛ لأن التنوين يدخله بحق الاسمية.
والتنوين يوجب حذف الحرف الثاني منه فيبقى الاسم على حرف واحد، مثال ذلك: أنّا إذا جعلنا (لو) اسما ولم نزد فيه شيئا، ولم نحك اللفظ الذي لها في الأصل أعربناها، فإذا أعربناها تحركت الواو وقبلها فتحة، فقلبت ألفا، فتصير (لا)، ثم يدخلها التنوين بحق الصرف فتصير (لا) يا هذا، فيبقى حرف واحد وهو اللام، والتنوين غير معتدّ به.
وإذا سمينا ب (أو)، أو ب (كي) لزمها ذلك فقلت: (أا) و(كا) وإذا سميت ب (في)، ولم تحك، ولم تزد فيها شيئا، وجب أن تقول: (ف) يا هذا، كما نقول: قاض يا هذا، فلما كان فيها هذا الإجحاف لو لم يزد فيها شيء زادوا ما يخرجه عن حد
[ ٤ / ٢٩ ]
الإجحاف فجعلوا ما كان ثانيه واوا يزاد فيه مثلها فشدد.
وكذلك الياء كقولك في: (لو): (لوّ) وفي (كي) (كيّ) وفي (في) (فيّ). وما كان الحرف الثاني منه ألفا زادوا بعدها همزة فيقال: في (لا): (لأ) وفي (ما): (ماء).
وقال الشاعر:
علقت لوّا تردّده إن لوّا ذاك أعيانا (١)
وقال:
ليت شعري وأين منّي ليت إنّ ليتا وإن لوّا عناء (٢)
فإن قال قائل: فما قولكم في امرأة، سميت بشيء من هذه الحروف على مذهب من لا يصرف، هل يلزم التشديد والزيادة أم لا؟ فالجواب: إن التشديد والزيادة لازمان.
فإن قال: فلم زدتم، وليس فيه تنوين، ومن قولكم: إن الزيادة وجبت؛ لأن التنوين يذهب الحرف، فيكون إجحافا.
فالجواب أن المرأة إذا سميت بذلك يجوز أن تنكر فيدخلها التنوين ولا يجوز أن يكون الاسم يتغير في التنكير عن لفظه ولنيته في التعريف، واستشهد سيبويه في أن هذه الحروف تؤنث بقول الشاعر:
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزون
فأنّث يقولها.
وقد أنشدنا قول النمر:
علقت لوّا تردّده
فذكّره وقال: (أعيانا) فذكر أيضا.
وينشد (مسافر بن أبي عمرو) بالرفع والنصب، فمن رفع فتقديرها: ليت شعري خبر مسافر بن أبي عمرو، فحذف خبر وأقام مسافر مقامه في الإعراب. ومن نصب نصبه بشعري، وحذف الخبر.
_________________
(١) البيت لنمر بن ثولب في المخصص ١٧/ ٥٠، والمذكر والمؤنث ١/ ٥١٣، والمقتضب ١/ ٢٣٥.
(٢) البيت لأبي زيد الطائي في ديوانه ٢٤، وابن يعيش ٦/ ٣٠، وخزانة الأدب ٦/ ٢٧٥.
[ ٤ / ٣٠ ]
قال سيبويه: " وسألت الخليل عن رجل سمي ب (أن) مفتوحة فقال: لا أكسر؛ لأن (أنّ) غير (إنّ) ".
وإنما ذكر هذا؛ لأن (أن) في الكلام لا تقع مبتدأة قبل التسمية، وإنما تقع المكسورة مبتدأة، فذكر ذلك لئلا يظن الظان أنها إذا سمي بها رجل كسرت مبتدأة.
وإنما سبيل (أن) سبيل اسم، وسبيل (إن) سبيل فعل.
فإذا سمينا بواحد منهما رجلا لم يقع الآخر موقعه بعد التسمية، كما أنّا نقول: هذا ضارب زيدا، وهذا يضرب زيدا، ومعناهما واحد، وأحد اللفظين ينوب عن الآخر في الكلام، وإذا سمينا رجلا ب (يضرب) لم يقع موقعه (ضارب) وبعض العرب يهمز في مثل (لو)، فيجعل الزيادة المحتاج إلى اجتلابها همزة، فيقول: (لوء).
وما جرى مجرى هذه الحروف من الأسماء غير المتمكنة فحكمه حكم الحروف نحو: (هو) و(هي).
إذا سمينا بواحد منهما أو أخبرنا عن اللفظ، فجعلناه اسما في الإخبار، فتقول: (هو)، وتقول: (هي).
وإن سمينا مؤنثا ب (هي) فمنزلتها منزلة (هند)، إن شئنا صرفنا وإن شئنا لم نصرف؛ لأنها مؤنث، سميت بها مؤنثة.
وإن سمينا مؤنثا ب (هو) لم نصرف على قول من لا يصرف امرأة سميت ب (زيد) لأنه مذكر سميت به مؤنثة.
وكان سيبويه يذهب في الحروف التي ذكرنا ك (لو) و(في) و(ليت) وما أشبه ذلك، وفي حروف المعجم أنها تؤنث وتذكر، ولم يجعل أحد الأمرين أولى من الآخر.
وكان أبو العباس المبرد (فيما ذكر أبو بكر مبرمان عنه) يذهب إلى أن (ليت) وما جرى مجراها من الحروف مذكرات، وأن قوله: (وليت يقولها المحزون)، إنما أنّث على تأويل الكلمة والقول: هو الأول.
ولو سميت رجلا " ذو " فإن سيبويه يذهب إلى أن يقال: هذا ذوا، ورأيت ذوا، و(مررت بذوا) بمنزلة عصا، ورحى، ويذكر أن أصله " فعل " في البنية، ويستدل على ذلك بقولهم: هاتان ذواتا مال، كما يقال أبوان وأب فعل.
وكان الخليل يقول: هذا ذوّ، فيجعله " فعل " بتسكين العين، وكان الزجاج يذهب
[ ٤ / ٣١ ]
مذهب الخليل.
ومن حجة الخليل أن الحركة غير محكوم بها إلا بثبت، ولم يقم الدليل على أن العين متحركة، وذكر من يحتج له أن الاسم إذا حذف لامه ثم ثنّي، فرد إليه اللام حركت العين وإن كان أصل بنيتها السكون.
كقولهم:
يديان بالمعروف عند محرّف قد يمنعانك أن تضام وتضهدا (١)
و(يد) عندهم " فعل " في الأصل، ولكنها لما حذفت لام الفعل، فوقع الإعراب على الدال، ثم ردوا المحذوف، لم يسلموا الدال الحركة.
قال: وسألته عن رجل اسمه (فو) فقال: العرب قد كفتنا أمرها لما أفردوها، قالوا، (فم)، فأبدلوا الميم مكان الواو، فلولا ذلك لقالوا (فوه)؛ لأن الأصل في فم: (فوه)؛ لأنهم يقولون: أفواه، كما قالوا: (سوط) و(أسواط)، فمذهبه: إذا سمي ب " فو " أن يقال: " فم " لا غير. وكان الزجاج يجيز (فم) و(فوه) على مذهب سواط وأسواط، وحوض وأحواض.
قال سيبويه: وأما (البا) و(التا) و(الثا) و(اليا) و(الحا) و(الخا) و(الرا) و(الطا) و(الظا) و(الفا)، فإذا صرن أسماء مددن، كما مدّت " لا "، إلا أنهن إذا كن أسماء فهن يجرين مجرى رجل ونحوه، ويكن نكرة بغير الألف واللام، ودخول الألف واللام فيهن يدلك على أنهن نكرة، إذا لم يكن فيهن ألف ولام، وأجريت هذه الحروف مجرى ابن
مخاض (٢) وابن لبون (٣).
وأجريت الحروف الأول مجرى سام أبرص (٤) وأم حبين (٥) ونحوهما، ألا ترى أن الألف واللام لا يدخلان فيهن.
قال أبو سعيد: اعلم أن حروف التهجي إذا أردت التهجي مبنيات؛ لأنهن حكاية
_________________
(١) البيت بلا نسبة في المخصص ١٧/ ٥٢، والمقتضب ١/ ٦٤، وابن يعيش ٤/ ١٥١.
(٢) تعريف جنس، يعني ولد الناقة، انظر اللسان (مخض).
(٣) ولد الناقة إذا طعن في الثالثة، انظر اللسان (لبن).
(٤) الوزغ الصغير الرأس الطويل الذنب.
(٥) دويسة على شكل الحرباء، عريضة الصدر عظيمة البطن، انظر اللسان (لبن).
[ ٤ / ٣٢ ]
الحروف التي في الكلمة، والحروف في الكلمة إذا قطعت كل حرف منها مبني؛ لأن الإعراب إنما يقع على الاسم بكماله، فإذا قصدنا إلى كل حرف منها بيناه. وهذه الحروف التي ذكرناها من (الباء) إلى (الفاء) إذا بيناها فكل واحد منها على حرفين؛ الثاني منهما ألف فهي بمنزلة " لا " و" ما " إذا احتجنا إلى جعلها أسماء وتدخلها الألف واللام، فتتعرف وتخرج منها فتنكر.
وما مضى من الحروف نحو (ليت) و(لو) لا تدخلها ألف ولام، فجعل سيبويه حروف التهجي نكرات، إلا أن تدخل عليها الألف واللام، فجرين مجرى ابن مخاض وابن لبون في التنكير، وجعل (لو) و(ليت) معارف، فجرين مجرى سام أبرص وأم حبين؛ لأنهن مشتركات في الامتناع من دخول الألف واللام، والفرق بينهما أن الباء قد توجد في الأسماء كثيرة فيكون حكمها وموضعها في كل واحد من الأسماء على خلاف حكمها في الآخر.
كقولنا: (بكر) و(ضرب) و(حبر)، وغير ذلك من الأسماء والأفعال والحروف، فلما كثرت مواضعها واختلفت سار كل واحد منها نكرة.
وأما (ليت) و(لو) وما أشبه ذلك فهن لوازم في موضع واحد ومعنى واحد، وما استعمل منها في أكثر من موضع فليس ذلك بالشائع الكثير ومواضعه تتقارب، فتصير كالمعنى الواحد.
ومثل ذلك أسماء العدد، إذا عددت، فقلت: (واحد) (اثنان) (ثلاثة) (أربعة) بنيتها؛ لأنك لست تخبر عنها بخبر تأتي به، وإنما تجعله في العبارة عن كل واحد من الجمع الذي تحدده، كالعبارة عن كل واحد من حروف الكلمة إذا قطعتها.
وذكر سيبويه أنه يقال: واحد، اثنان؛ فتشم الواحد الضّم وإن كان مبنيا، لأنه متمكن في الأصل.
وما كان متمكنا إذا صار في موضع غير متمكن، جعل له فضيلة على ما لم يكن متمكنا قط.
قال: " وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب: " ثلاثة اربعة، فطرح همزة أربعة على الهاء من ثلاثة، ولم يحولها تاء مع التحريك، ومثل ذلك قوله:
به خرجت من عند زياد كالخرف
[ ٤ / ٣٣ ]
تخطّ رجلاي بخطّ مختلف تكتبان في الطريق أم الف (١).
فألقى حركة (ألف) على الميم من (لام) وكانت ساكنة ففتحها ولبست هذه الحركة حركة يعتد بها، وإنما هي تخفيف الهمزة بإلقاء حركتها على ما قبلها، ومن أجل ذلك قالوا: " ثلاثة اربعة " لأنها ساكنة. وإنما استعيرت الهاء لحركة الهمزة، وذكر عن الأخفش أنه كان لا يشم في واحد، واثنان.
وذكر أبو العباس ونسبه إلى المازني أنه لا تحرك الهاء من ثلاثة بإلقاء حركة الهمزة عليها من (أربعة) "
قال أبو سعيد: وهذا إن كان صحيحا عنه فهو بيّن الفساد؛ لأن سيبويه قد حكى عن العرب ثلاثة اربعة وأنشد:
يكتبان في الطريق لام الف
وقد ألقى حركة الهمزة على ما قبلها.
قال سيبويه: " وأما زاي ففيها لغتان: فمنهم من يجعلها في التهجي ك (كي) فيقول: (زي)، ومنهم من يقول: (زاي) فيجعلها بمنزلة (واو) "
قال أبو سعيد: أما من قال: (زي) فهو إذا جعلها اسما شدّد، فقال (زيّ) وإذا جعلها حرفا قال: (زي) على حرفين مثل (كي) وأما (زاي) فلا تتغير صيغته، وأما (أم) و(من) و(إن) و(مذ) في لغة من جر و(أن) و(عن) إذا لم تكن ظرفا و(لم)، ونحوهن إذا كن أسماء لم تتغير؛ لأنها تشبه الأسماء ك (بد) و(دم)، تقول في رجل سمّيناه (من): هذا من، و(لم) و(مذ) ولا تزيد فيها شيئا؛ لأن في الأسماء المتمكنة ما يكون على حرفين ك (بد) و(دم).
وما كان على ثلاثة أحرف فهو أولى أن لا يزاد فيه نحو (نعم) و(أجل) وكذلك الفعل الذي لا يتمكن نحو نعم وبئس.
_________________
(١) الرجز لأبي النجم العجلي في الكتاب ٣/ ٢٦٦، والمقتضب ١/ ٢٣٧، والخصائص ٣/ ٢٩٧، والمخصص ١٧/ ٥٣، والخزانة ١/ ١٠٣.
[ ٤ / ٣٤ ]