قال سيبويه: " اعلم أن كل مذكر سميته بمؤنث على أربعة أحرف فصاعدا، لم ينصرف؛ وذلك أن أصل المذكر عندهم أن يسمى بالمذكر، والذي يلائمه، فلما
[ ٤ / ٦ ]
عدلوا عنه ما هو له في الأصل، جاءوا بما لا يلائمه، ولم يكن متمكنا في تسمية المذكر فعلوا ذلك به، كما فعلوا ذلك بتسميتهم إياه بالمذكر، فتركوا صرفه، كما تركوا صرف الأعجمي، فمن ذلك " عنات "، و" عقرب "، و" عقاب " و" عنكبوت "، وأشباه ذلك "
قال أبو سعيد: هذا الباب مشتمل على أن ما سمي بمؤنث على أربعة أحرف فصاعدا، لم يتصرف في المعرفة، وانصرف في النكرة.
وشرط ذلك المؤنث أن يكون اسما مصوغا للجنس أو مصوغا لتعريف مؤنث، ولم يكن منقولا إلى المؤنث عن غيره، فإذا كان على غير هذين الوجهين لم يعتد بتأنيثه.
فأما ما كان من المؤنث اسما للجنس، فنحو (عناق) و(عقرب) و(عقاب) و(عنكبوت) إذا سميت بشيء منهن، أو مما يشبههن، رجلا أو سواه من المذكر، لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة.
وأما ما صيغ لتصريف المؤنث، ولم يكن قبل ذلك اسما، فنحو: (سعاد) و(زينب) و(جيئل) وتقديرها (جيعل).
إذا سميت بشيء من هذا رجلا لم ينصرف في المعرفة؛ لأن (سعاد) و(زينب) اسمان للنساء، ولم يوضعا على شيء يعرف معناه، فصار اختصاص النساء بهما، بمنزلة اسم الجنس الموضوع على المؤنث، (جيئل) اسم معرفة موضوع على الضبع وهي مؤنث، ولم يوضع على غيرها وهي " كزينب " و" سعاد ".
فإذا كانت صفة لمؤنث على أربعة أحرف فصاعدا، ولم يكن فيها علامة التأنيث فسميت بها مذكرا صرف؛ لأنه في الأصل لفظ مذكر وصف به مؤنث وإن كانت تلك الصفة لا تكون إلا لمؤنث كرجل سميته ب (حائض) أو (طامث) أو (متئم).
وذكر أن تقديره إذا قلت: مررت بامرأة حائض أو طامث، أو متئم كأنك قلت:
مررت بشيء حائض، وطامث ومتئم.
وذلك مثل ما يوصف من المذكر بمؤنث كقولهم: رجل نكحة، ورجل ربعة، ورجل خجأة، أي كثير الضراب.
وكأن هذه الصفة صفة لمؤنث، كأنك قلت: هذه نفس خجأة.
قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة). وذلك إنه واقع
[ ٤ / ٧ ]
على الذكر والأنثى.
ومن الدليل على ما قاله سيبويه أنا ندخل على حائض الهاء إذا أردنا به الاستقبال، فنقول: هذه حائضة غدا. فلما احتمل حائض دخول الهاء عليها علمنا أنها مذكر.
على أنها قد تؤنث لغير الاستقبال، قال الشاعر:
رأيت ختون العام بالعام قبله كحائضة يزنى بها غير طاهر (١)
وكذلك يقال امرأة طالق وطالقة، فلما كانت " هذه " الهاء تدخل على هذا النحو علمنا أنها إذا أسقط الهاء منها صار مذكرا.
وذكر سيبويه أنه سأل الخليل عن (ذراع) فقال: كثر تسميتهم به المذكر، وتمكن في المذكر وصار من أسمائه خاصة عندهم، ومع هذا إنهم يصفون به المذكر، فيقولون:
هذا ثوب ذراع، فقد فتمكن هذا الاسم في المذكر.
هذا قول الخليل: وكان القياس ألا يصرف؛ لأن ذراعا اسم مؤنث على أربعة قياسه ألا يصرف في المعرفة.
وقد كان أبو العباس المبرد يقول: إن الأجود فيه ألا يصرف، وكان الخليل ذهب به مذهب الصفة، ولا علامة فيه.
وقال في " كراع " اسم رجل: من العرب من يصرفه يشبهه ب " ذراع " والأجود ترك الصرف وصرفه أخبث الوجهين.
ومن يصرف فإنما يصرفه؛ لأنه كثر به تسمية الرجال فأشبه المذكر في الأصل لأن الأصل أن يسمى المذكر بالمذكر.
وإن سميت رجلا ب (ثماني) لم تصرفه لأن (ثماني) اسم مؤنث فهو " كثلاث " و" عناق " إذا سميت بهما.
وإذا سميت رجلا (حبارى) لم تصرفه لأنه مؤنث وفيه علم التأنيث " الألف المقصورة ".
فإن حقرته فحذفت الألف وقلت: " حبيّر " لم تصرفه؛ لأن " حبارى " في نفسها مؤنث، فصار بمنزلة (عنيق) ولا علامة فيها للتأنيث.
_________________
(١) البيت منسوب للفرزدق في ابن يعيش: ٥/ ١٠٠، واللسان: (ختن).
[ ٤ / ٨ ]
قال سيبويه: " وزعم الخليل أن " فعولا " و" مفعالا " إنما امتنعتا من الهاء، لأنهما إنما وقعتا في الكلام على التذكير، ولكنه يوصف به المؤنث كما يوصف بعدل ورضا ".
وإنما أراد " بفعول "، و" مفعال " قولنا: امرأة صبور وشكور ومذكار ومئناث.
إذا سميت بشيء من ذلك رجلا صرفته؛ لأنها صفات مذكرة لمؤنث ك (حائض) و(طامث) وقد مضي الكلام في ذلك.
وكذلك إن سميت رجلا ب (قاعد) تريد القاعد التي هي صفة للمرأة الكبيرة القاعد من الزوج، وكذلك إن سميت رجلا ب (ضارب) تريد: صفة الناقة الضارب.
والناقة الضارب هي التي قد ضربها الفحل.
وكذلك إن سميته ب (عاقر) صفة المرأة.
كل ذلك منصرف على ما شرحته لك؛ لأنه مذكر، وإن وقع لمؤنث كما يقع المؤنث للمذكر كقولنا: عين القوم، وهو ربيئتهم الذي يحفظهم فأوقعت عليه " عين " وهو رجل ثم شبه سيبويه تقديره (حائضا) صفة لشيء، ولم يستعملوه، بقولهم: " الأبرق " و" أبطح " و" أجرع " و" أجدل " فيمن ترك الصرف لأنها صفات، وإن لم يستعملوا الموصوفات.
قال: وكذلك " جنوب " " شمال " و" قبول " و" دبور " و" حرور " و" سموم " إذا سميت رجلا بشيء منها صرفته، لأنها صفات في أكثر كلام العرب.
سمعناهم يقولون: هذه ريح حرور، وهذه ريح شمال، وهذه الريح الجنوب، وهذه ريح سموم وهذه ريح جنوب.
سمعنا ذلك من فصحاء العرب لا يعرفون غيره. قال الأعشى:
لها رجل كحفيف الحصاد صادف بالليل ريحا دبورا (١)
ومعنى قول سيبويه: سمعنا ذلك من فصحاء العرب أي من جماعة منهم فصحاء لا يعرفون غيره.
قال: ويجعل اسما، وذلك قليل.
_________________
(١) البيت بالديوان: ٩٩.
[ ٤ / ٩ ]
قال الشاعر:
حالت وحيل بها وغيّر آيها صرف البلى تجري بها الرّيحان
ريح الجنوب مع الشمال وتارة دهم الرّبيع وصائب التّهتان (١)
فمن أضاف إليها جعلها اسما ولم يصرف شيئا منها اسم رجل وصارت بمنزلة الصّعود والهبوط والحدود والعروض.
وهذه الأسماء أماكن، وقعت مؤنثة، وليست بصفات، فإذا سميت بشيء منها مذكرا لم تصرف.
ولو سميت رجلا ب (رباب) أو (ثواب) أو (دلال) انصرف.
وإن كثر " رباب " في أسماء النساء، وليست " كسعاد "، وأخواتها؛ لأن " ربابا " اسم معروف مذكر للسحاب سميت المرأة به، وسعاد مؤنث في الأصل.
وقال سيبويه: في " سعاد " وأخواتها: إنها اشتقت، فجعلت مختصا بها المؤنث في التسمية فصارت عندهم، ك (عناق).
وكذلك تسميتك رجلا بمثل (عمان)، لأنها ليست بشيء مذكر معروف، ولكنها مشتقة لم تقع إلا علما لمؤنث.
قال أبو سعيد: قال أبو عمر الجرمي: معنى قوله مشتقة أي مستأنفة لهذه الأشياء لم تكن من قبل أسماء لأشياء أخر، فنقلت إليها، وكأنها اشتقت من السعادة، أو من الزنب أو من الجأن وزيد عليها ما زيد من ألف أو ياء، لتوضع اسما لهذه الأشياء كما أن (عناق) أصله من العنق، وزيدت فيه الألف، فوضع لهذا الجنس.
وما كان من الجموع المكسرة التي تأنيثها بالتكسير إذا سمينا به مذكرا انصرف، نحو: " خروق " و" كلاب " و" جمال ".
والعرب قد صرفت " أنمارا " و" كلابا " اسمين لرجلين؛ لأن هذه الجموع تقع على المذكرين وليست باسم يختص به واحد من المؤنث، فيكون مثله، ألا ترى أنك تقول:
هم رجال فتذكّر، كما ذكرت في الواحد.
_________________
(١) البيتان بلا نسبة في شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٢، واللسان: (حول).
[ ٤ / ١٠ ]
فلما لم تكن فيه علامة التأنيث وكان يخرج إليه المذكر ضارع المذكر الذي يوصف به المؤنث وكان هذا مستوجبا للصرف.
وكذلك لو سمي رجل ب (عنوق) جمع " عناق "، فهذا بمنزلة (خروق) جمع خرق، ويستوي فيه ما كان واحده مؤنثا، ومذكرا؛ لأن تأنيثه من أجل الجمع لا من أجل الواحد.
ولو سميت رجلا " بنساء " لصرفته؛ لأن نساء جمع نسوة، فهي جمع مكسر مثل كلاب: جمع كلب وإن سميته " بطاغوت " لم ينصرف لأن " طاغوت " اسم واحد مؤنث ويقع على الجمع والواحد وليس له واحد من لفظه فيكسر عليه فيصير بمنزلة (عناق).
وإذا كان جمعا فهو بمنزلة (إبل) و(غنم) لا واحد له من لفظه، فاعرف ذلك.