لم دخلت على حروف الاستفهام ولم تدخل على الألف؟
تقول: أم من يقول؟ أم هل تقول ولا تقول: أم أتقول؟
وذلك لأن " أم " بمنزلة الألف وليست أي ومن (ما) و" متى " بمنزلة الألف أنما هي أسماء بمنزلة: هذا وذاك. إلا أنهم تركوا الألف التي للاستفهام هنا إذ كان هذا النحو من الكلام لا يقع إلا في المسألة.
فلما علموا أنه لا يكون إلا كذلك استغنوا عن الألف وكذلك " هل " أنما هي بمنزلة " قد " إلا أنهم تركوا " الألف " إذا كانت " هل " لا تقع إلا في الاستفهام.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
قلت: فما بال " أم " تدخل عليهن وهي بمنزلة الألف؟
فقال: " أم " إنما هي تجيء بمنزلة " لا بل " للتحول من شيء إلى شيء والألف لا تجيء إلا مستقبلة فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها. واحتاجوا إلى " أم " إذا كانت لترك شئ إلى شئ لأنهم لو تركوها (فلم يذكروها) لم يتبين المعنى.
قال أبو سعيد: في نسخة أبي بكر مبرمان متصل بهذا الباب قال ابن أحمر:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث إلى ذاكم قد غيبتني غيابيا (١)
يريد: البثا شهرين ونصف ثالث: وقال الله ﷿: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٢).
قال أبو العباس: ليس هذا البيت في كتاب سيبويه وأهل الشعر يجعلونه بمنزلة " الواو " وكذلك في قول الله ﷿: " وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ".
قال: وليس القول عندي هكذا. وذلك أنه يصير: البثا شهرين ونصف شهر على " أو ".
و" أو " بمعنى " واو " العطف أيضا غير موجود.
والقول عند أبي العباس: " البثا شهرين أو البثا شهرين نصف ثالث ".
وكذلك: " مائة ألف أو مائة ألف ويزيدون ".
وقال: ولا أخرجها عن معناها، ولكن أتركها على معناها وأقدر أن الذي بعدها مثل الذي قبلها، واحذفه اختصارا. لأن الذي قبله دل عليه هذا قول أبي العباس فافهمه فإنه حسن.
قال أبو سعيد: وهذا المتصل بالباب مع كلام أبي العباس نقلته من نسخة أبي بكر مبرمان.
وقال أبو سعيد: وقد تكلمت على البيت و" أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " فيما تقدم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقد ذكرت أن " أم " دخلت على حروف الاستفهام لأنها أسماء. و" أم " حرف عطف
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سورة الصافات، الآية: ١٤٧.
[ ٣ / ٤٥١ ]
فدخلت عليها كما تدخل حروف العطف عليها في قولك: ومن؟ وكيف؟ ومتى؟ وغيرهن من الأسماء التي يستفهم بها. ولم تدخل " أم " على الألف لأن " أم " نظيرة الألف في التعديل والتسوية وأنهما حرفان ليس باسمين. والألف هي الأصل في حروف الاستفهام وهذه الأسماء التي تستفهم بها هي أسماء كان حقها أن تدخل عليها ألف الاستفهام. لأنها للدلالة على ما تحتها من المسميات ولكنها لما خصت في استعمالها في الاستفهام أو في الجزاء استغنى عن ذكر حرف الجزاء وحرف الاستفهام معها لدلالتها عليها.
و" أم " هي للاستفهام لمعادلتها الألف. وللاستفهام بها إذا كانت منقطعة وهي للعطف أيضا. لا يبتدأ بها. وهي جارية مجرى " أو " وقد ذكرنا العطف بها.
فإذا أدخلنا " أم " على أسماء الاستفهام فهي على وجهين:
أما أن يخلصها: للعطف وتبقى بضمير الاستفهام في أسماء الاستفهام فتصير بمنزلة " الواو " و" الفاء " و" ثم " التي تدخل على هذه الأسماء.
كقولنا: " ومن ..؟ ومتى؟ وكيف؟ و" فمن؟ متى؟ ؟
و" ثم من؟ وما أشبهه.
وأما أن تبقي الاستفهام في " أم " وتخلص أسماء غير متضمنة للاستفهام فيكون الاستفهام تاما. ويكون دخولها عليه كدخولها على سائر الأسماء وكدخول ألف الاستفهام على الأسماء.
وأما " هل " فإنها حرف دخلت لاستقبال الاستفهام ومنع بعض ما يجوز في الألف من اقتطاعها بعض الجملة. ومن جواب التعديل والمساواة.
فكأنها دخلت مانعة لشيء من الاستفهام ومجيزة لشئ منه. فصارت داخلة لغير الاستفهام المطلق الذي أصل حروفه الألف.
ولذلك قال سيبويه: " هل " إنما هي بمنزلة " قد ". إلا أنهم تركوا الألف كما كان حق الأسماء التي يستفهم بها أن تدخل عليها ألف الاستفهام فيقال: أهل قام زيد؟ وأمن قام؟ ودخلت " أم " على " هل " لأنها حرف عطف " كالواو " و" أو " في قولك: " وهل "؟
ومعنى قول سيبويه للفصل بين " أم " وبين الألف في دخول " أم " على " هل " وامتناع الألف من دخولها على " هل ".
أن " أم " إنما تجيء هاهنا بمنزلة: " لا بل للتحويل من شئ إلى شيء. والألف لا
[ ٣ / ٤٥٢ ]
تجئ إلا مستقلة. فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها. واحتاجوا إلى " أم " إذ كانت لترك شيء لأنهم لو تركوها لم يتبين المعنى.
ومعنى قوله: أن " أم " تجئ بمنزلة: " لا بل للتحويل من شيء إلى شيء. يعني أنها إذا كانت منقطعة دلت على مثل ما دلت عليه " بل " في ترك شئ إلى شيء.
ولو جئنا بالألف في موضع " أم " لكنا قد استأنفنا الاستفهام ولم يكن فيه ترك شيء إلى شيء. ألا ترى أن رجلا لو أبصر شخصا من بعيد فقال: هو زيد. ثم شك فيه أو عن له رأى في خلاف ما قال. فقال: أم أنا لا أبصر؟ علم أنه ترك قوله الأول. أو شك فيه.
وسبيل " أم " لما كانت للعطف أن تصير بين ما قبلها وما بعدها ملابسة " ما " كسائر حروف العطف فلذلك احتاجوا إلى " أم " واستغنوا عن الألف ولو لم يذكروا " أم " لم يتبين المعنى.
وكان أبو العباس المبرد يجيز دخول ألف الاستفهام على " هل " وعلى سائر أسماء الاستفهام كدخول " أم ". وأنشد:
سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم
ودخول الألف عليها غير معروف.
وغيره يرويه بأم: أم هل.
والقول ما ذكرناه عن سيبويه