قال سيبويه: فالزيادة تتبع الحرف الذي هو قبلها، الذي ليس بينه وبينها شيء.
فإن كان مضموما فهي واو، وإن كان مكسورا فهي ياء، وإن كان مفتوحا فهي ألف، وإن كان ساكنا تحرّك، لئلا يسكن حرفان، فيتحرّك كما يتحرّك في الألف واللام الساكن مكسورا، ثم تكون الزيادة تابعة له.
فمما تحرّك من السّواكن كما وصفت لك وتتبعه الزيادة قول الرجل: ضربت زيدا، فتقول منكرا لقوله: أزيد نيه؟ وصارت هذه الزيادة علما لهذا المعنى، كعلم النّدبة، وتحرّكت النون لأنها كانت ساكنة، ولا يسكن حرفان.
فإن ذكر الاسم مجرورا جررته، أو منصوبا نصبته؛ لأنّك إنّما تسأله عمّا وضع عليه كلامه.
وقد يقول لك الرجل: أتعرف زيدا؟ فتقول: أزيد نيه؟ إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك، وإمّا على خلاف المعرفة.
وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنيه؟ منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج.
ويقول: قد قدم زيد، فتقول: أزيد نيه؟ غير رادّ عليه متعجبا أو منكرا عليه أن يكون رأيه على غير أن يقدم؛ أو أنكرت أن يكون قدم فقلت: أزيد نيه؟
فإن قلت مجيبا لرجل قال: لقيت زيدا وعمرا قلت: أزيدا وعمر نيه؟ تجعل العلامة في منتهى الكلام. ألا ترى أنّك تقول إذا قال: ضربت عمرا: أضربت عمرنيه؟
وإن قال: ضربت زيدا الطويل قلت: أزيدا الطويلاه؟ وتجعلها في منتهى الكلام.
وإن قلت: أزيدا يا فتى، تركت العلامة كما تركت علامة التأنيث والجمع
[ ٣ / ١٨٦ ]
وحروف اللّين في قولك: منا ومني ومنو، حين قلت: يا فتى، وجعلت يا فتى بمنزلة ما هو في مسألتك يمنع هذا كلّه، وهو قولك: من ومنه إذا قال: رأيت رجلا وامرأة.
فمنه قد منعت من من حرف اللين، فكذلك هو هاهنا يمنع كما منع ما كان في كلام المسؤول العلامة في الأوّل، ولا يدخل يا فتى لأنّه ليس من حديث المسؤول، فصار هذا هاهنا بمنزلة الطّويل حين منع العلامة زيدا كما منع من ما ذكرت لك؛ وهو قول العرب.
ومما تتبعه هذه الزيادة من المتحرّكات كما وصفت لك قوله: رأيت عثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بعثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بحذام، فتقول أحذاميه، وهذا عمر فتقول: أعمروه، فصارت تابعة كما كانت الزيادة في وا غلامهوه تابعة.
واعلم أنّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم إن فتقول: أعمرو إنيه، وأزيد إنيه، فكأنهم أرادوا أن يزيدوا العلم بيانا وإيضاحا، كما قالوا: ما إن، فأكّدوا بإن. وكذا أوضحوا بها هاهنا؛ لأنّ في العلم الهاء، والهاء خفيّة، والياء كذلك، فإذا جاءت الهمزة والنون جاء بعدهما حرفان لو لم يكن بعدهما الهاء وحرف اللين كانوا مستغنين بهما.
وممّا زادوا به الهاء بيانا قولهم: اضربه.
وقالوا في الياء في الوقف: سعدجّ يريدون سعدي.
فإنّما ذكرت لك هذا لتعلم أنهم قد يطلبون إيضاحا بنحو من هذا الذي ذكرت لك.
وإن شئت تركت العلامة في هذا المعنى كما تركت علامة النّدبة.
ويقول الرجل: إنّي قد ذهبت، فتقول: أذهبتوه؟ ويقول: أنا خارج، فتقول: أأنا إنيه، تلحق الزيادة ما لفظ به، وتحكيه مبادرة له، وتبينا أنه ينكر عليه ما تكلّم به، كما فعل ذلك في: من عبد الله؟ وإن شاء لم يتكلّم بما لفظ به، وألحق العلامة ما يصحّح المعنى، كما قال حين قلت: أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه.
وإن كنت متبيّنا مسترشدا إذا قال: ضربت زيدا، فإنك لا تلحق الزيادة. وإذا قال: ضربته فقلت: أقلت ضربته؟ لم تلحق الزيادة أيضا؛ لأنّك إنّما أوقعت حرف الاستفهام على قلت، ولم يكن من كلام المسؤول، وإنّما جاء على الاسترشاد لا على الإنكار، فإن قال: ضربته فقلت: على وجه الإنكار قلت: أضربتهوه، وإن شئت قلت:
[ ٣ / ١٨٧ ]
أضربتهوه على المعنى، والمعنى الأول أجود أن تحكي لفظ المسؤول.
واعلم أنّ هذه الزيادة لا تلحق بعد شيء من حروف الاستفهام ما خلا الألف وحدها؛ لا تقول: من زيداه، ولا أي زيدوه، ولا شيئا من هذا النحو إذا لم يكن قبل كلامهم ألف الاستفهام. وتقول في المضاف نحو عبد الله: أعبد اللهيه، وأعبد الله إنيه، وكلّ موضع جاز فيه أحد هذين العلمين فالآخر جائز فيه، وقد يجوز إذا قال الرّجل: ذهبت أن تقول: أذهبتاه؛ تلحق الزيادة الفعل الذي هو له في المعنى لا في الحكاية، ولا يحكي لفظه كما قال حين قال أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه؟ وإن شئت حكيت لفظه فقلت: أذهبتوه.
قال أبو سعيد: الباب كلّه في إثبات العلامة للإنكار، وجعل الإنكار على وجهين:
أحدهما: أن ينكر كون ما ذكر كونه، ويكذّب به أو يبطله؛ كرجل قال لك: أتاك زيد، وزيد ممتنع إتيانه عندك، فينكره بطلانه عندك، فهذا معنى قوله: أنكرت أن تثبت رأيه على ما ذكره.
والوجه الآخر: أن يقول: أتاك زيد، وزيد من عادته إتيانك، فتنكر أن يكون ذلك إلا كما قال؛ كما يقول القائل فيما يردّ عليه من الكلام إذا لم يشكّ فيه، ومن شكّ في هذا ومن أنكره على وجه التعجب والإنكار لذكر مثله مما لا يشك في كونه، وهذا معنى قوله: أو تنكر أن يكون رأيه على خلاف ما ذكر، فإذا قلت لمن قال لك: أتعرف زيدا؟
أزيدنيه، وقول سيبويه: إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك: أي منكرا لرأي الذي قال له:
أتعرف زيدا، وأن يعتقد أنّ المسؤول يرتفع عن معرفته، أو لا تبلغ رتبته إلى أن يعرف زيدا.
وقوله: أو على خلاف المعرفة يعني: أو منكرا أن يكون رأيه على أن لا يعرف زيدا؛ لأنّ مثله لا يجهل مثل زيد. والعلامة التي للإنكار على لفظين:
أحدهما: بلحاق حرف آخر اللفظ فيتبع حركته، وإن كان آخر اللفظ ساكنا فيحرّك لاجتماع السّاكنين بحرف ساكن يلقاه، فإنك تحرّكه وتتبعه الحرف الذي منه حركته؛ تقول: أزيدنيه وأزيدنيه وأزيدنيه؛ لأنّ التنوين حرف ساكن يحرّك بالكسر لاجتماع السّاكنين كقولك: جاءني زيد البزّاز، ومررت بزيد البزّاز، ورأيت زيدا البزّاز، فلمّا كسرت النون أتبعته الياء، وإذا كان آخر اللفظ في الكلام الذي ينكر حرفا ساكنا يسقط ولا يحرّك لاجتماع الساكنين فإنك تدخل عليه مثله في التقدير ثم تحذف الأوّل
[ ٣ / ١٨٨ ]
لاجتماع الساكنين، وذلك قولك إذا قال: رأيت المثنّى: ألمثنّاه، وكذلك إذا قال: مررت بالقاضي تقول: ألقاضيه، وإذا قال زيد يغزو تقول: أزيد يغزوه، وقد عمل في النّدبة نحو هذا في قولهم: وانقطاع ظهرهاه للمؤنث الواحدة، وو انقطاع ظهرهيه؟ للمذكّر، وو انقطاع ظهركموه؛ فألف ظهرهاه للندبة، وقد أسقطت الألف التي كانت في ظهرها، ولا فرق في علامة الإنكار بين الاسم والفعل، ولا بين الاسم والنعت، ولا بين الاسم الظاهر والمكني، وليس ذلك كباب الحكاية في: من زيدا، ومن زيد الطويل؛ لأنّ باب الحكاية إنّما يحكى فيه الاسم العلم عند التباس الأسماء الأعلام، وإذا قرن بما يزيل الالتباس عاد إلى قياسه لزوال اللّبس، وعلامة الإنكار لازمة؛ لأنّ الإنكار ثابت على حاله.
والعلامة الأخرى: أن يترك لفظ المتكلم على حاله ويؤتى بالعلامة منفصلة، وهي أن يؤتى بها بعد حكاية اللفظ الأوّل؛ فيقول: أعمر وإنيه، وأزيد إنيه، وقد ذكر سيبويه علّته.
والحرف المزيد إن تم زيد على إن ما يزاد على التنوين من حرف ساكن في التقدير فيكسر لاجتماع الساكنين،
وتلحقه الهاء في الوقف لبيان العلامة، فإذا وصلت الكلام بشيء من كلامك أو كلام المسؤول حذفت العلامة كما فعلت ذلك في: منو ومنا ومني.
فأمّا كلامك فقولك: لمن قال: رأيت زيدا: أزيدا يا فتى؟ ولا يجوز أن تقول:
أزيدنيه يا فتى، ولا أزيدا إنيه يا فتى، كما لا يجوز أن تقول: منو يا فتى، فقولك إذا قال:
لقيت زيدا وعمرا: أزيدا وعمرنيه تبطل العلامة في زيد لمّا وصلته بعمرو، وهو من كلام المسؤول في ابتداء كلامه، وقد يجوز لحاق العلامة لفظ المسؤول، وقد يجوز أن تلحق لفظا يأتي به السائل في معنى لفظ المسؤول، فأمّا لفظ السّائل فقولك لمن قال: إنّي قد ذهبت: أذهبتوه، وإن حملته على المعنى قلت: أذهبتاه؛ لأنّ التّاء المضمومة للمتكلم هي التّاء المفتوحة إذا صار مكلّما، وكذلك قول العربي: أنا إنيه للذي قال له: أتخرج إلى البادية، جاء به على المعنى؛ لأنّ الضمير المفاعل الذي في أتخرج للمخاطب هو أنا إذا صار المخاطب هو المتكلم. وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.