كما جاء المذكر معدولا عن حده نحو " فسق " و" لكع " و" عسر " و" زفر "، وهذا المذكر نظير ذلك المؤنث.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يشتمل على ما كان من (فعال) مبنيّا وذلك على أربعة أوجه:
أولها وهو الأصل لما فيها: ما كان من (فعال) واقعا موقع الأمر، كقولهم: (حذار زيدا) أي احذره و(مناع زيدا) أي امنعه.
قال الشاعر:
مناعها من إبل مناعها ألا ترى الموت لدى أرباعها (١)
وقال أيضا:
تراكها من إبل تراكها ألا ترى الموت لدى أوراكها (٢)
وقال أبو النجم:
حذار من أرماحنا حذار (٣)
وقال رؤبة:
نظار كي أركبها نظار (٤)
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز، بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٤٢، والمخصص ١٧/ ٦٣، والمقتضب ٣/ ٣٦٩، وابن يعيش ٤/ ٥١، والخزانة ٥/ ١٦١.
(٢) الرجز لطفيل بن يزيد الغنوي في الكتاب ١/ ٢٤١، والمخصص ١٧/ ٦٣، والمقتضب ٣/ ٣٦٩، وابن يعيش ٤/ ٥٠، والإنصاف ٢/ ٥٣٧، وشرح شذور الذهب ٩٠.
(٣) البيت في المقتضب ٣/ ٣٧٠، والكامل للمبرد ٤/ ٢٠٧، والإنصاف ٢/ ٥٣٩، وشرح شذور الذهب ٩٠.
(٤) البيت في المقتضب ٣/ ٣٧٠، والكامل للمبرد ٤/ ٢٠٧، والمخصص ١٧/ ٦٣.
[ ٤ / ٣٨ ]
ويقال (نزال) أي انزل، ويقال للضبع (دباب) أي دبّي
وقال الشاعر:
نعاء ابن ليلى للسّماحة والنّدى وأيدي شمال باردات الأنامل (١)
وقال جرير:
نعاء أبا ليلى لكل طمرّة وجرداء مثل القوس سمح حجولها (٢)
فالحد في جميع ذا (افعل) وهو معدول عنه، وكان حقه أن يبنى على السكون، فاجتمع في آخره ساكنان، فحرك الأخير المبني على السكون، والألف التي قبلها، وحرك بالكسر؛ لأن الكسر مما يؤنث به؛ لأن المؤنث في المخاطبة بكسر آخرها في قولك: إنك ذاهبة، وأنت قائمة، ويؤنث بالياء في قولك: أنت تقومين، وهذي أمة الله، ولم يقل سيبويه إنه كسر لاجتماع الساكنين على ما يوجهه اجتماعها من الكسر؛ لأنه يذهب إلى أن الساكن الأول إذا كان ألفا فالوجه فتح الساكن الثاني؛ لأن الألف قبلها فتحة، وهي أيضا أصل الفتح، فحملوا الساكن الثاني على ما قبله، ومن أجل هذا قالوا في (إسحار) إذا كان اسم رجل ورخمناه (يا إسحار) أقبل بفتح الراء؛ لأن قبلها فتحة الحاء، والألف بينهما ساكنة، وهي تؤكد الفتح أيضا، وحمله على قولهم: (عضّ يا فتى) لفتحة العين ولم يحفل بالضاد الساكنة المدغمة، فإن قال قائل: فهم يقولون: ردّ وفرّ، قيل له الحجة في عضّ أقوى من قول من يقول: ردّ أو ردّ، وفرّ أو فرّ ويقول في عضّ: عض، فيفصل بينهما، ويفتح من أجل فتحة العين. ومما يقوي ذلك قولهم: انطلق يا زيد فتفتح القاف، لانفتاح الطاء، وإنما حرك القاف لالتقاء الساكنين.
وقول الشاعر:
عجبت لمولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان (٣)
_________________
(١) نعاء: اسم فعل أمر معناه انع. والبيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٧٢، والإنصاف ٢/ ٥٣٨، والمخصص ١٧/ ٦٣.
(٢) البيت في الكتاب ٣/ ٢٧٢، والإنصاف ٢/ ٥٣٨، والمخصص ١٧/ ٦٣.
(٣) البيت بلا نسبة في الكتاب ٢/ ٢٦٦، والخصائص ٢/ ٢٣٣، والخزانة ١/ ٣٩٧، ومغني اللبيب ١/ ١١٩.
[ ٤ / ٣٩ ]
ففتح الدال لانفتاح الياء.
والوجه الثاني: ما كان من وصف المؤنث منادى، أو غير منادى، فالمنادى قولك:
يا خباث، ويا لكاع، ويا فساق، وإنما تريد الخبيثة، والفاسد واللكعاء.
ومثله للمذكر إذا ناديته معدولا: يا فسق، ويا لكع، ويا خبث.
ويقال: " يا جعار " للضبع، وإنما هو اسم للجاعرة، ويقال ذلك في النداء وغير النداء للضبع، ويقال لها أيضا " قثام " ومعناها أنها تقثم كل شيء تجده للأكل وتجرفه.
قال الشاعر:
فللكبراء أكل كيف شاءوا وللصغراء أخذ واقتثام (١)
وقال النابغة الجعدي:
فقلت لها عيثي جعار وجرّدي بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره (٢)
ويقال للمنية (حلاق) وهي معدولة عن الحالقة؛ لأنها تحلق كل شيء وتذهب به.
قال الشاعر:
لحقت حلاق بهم على أكسائهم ضرب الرقاب ولا يهم المغنم (٣)
و(الأكساء): المآخير، واحدها كسء.
وقال الآخر:
ما أرجى بالعيش بعد ندامى قد أراهم سقوا بكأس أحلاق (٤)
والوجه الثالث: ما كان من المصادر معدولا عن مصدر مؤنث معرفة مبنيا على هذا المثال، كقول النابغة الذبياني.
أنا اقتسمنا خطتنا بيننا فحملت برة واحتملت فجار (٥)
ففجار معدولة عن الفجرة.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في المخصص ١٧/ ٦٤.
(٢) البيت في المقتضب ٣/ ٣٧٥، والكامل ٤٣٠، والمخصص ١٧/ ٦٤، واللسان (جرر).
(٣) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٧٣، وابن يعيش ٤/ ٥٩، والمخصص ١٧/ ٦٤.
(٤) البيت للمهلهل في الكتاب ٣/ ٢٧٣، والمقتضب ٣/ ٣٧٣، واللسان (حلق).
(٥) البيتان في الكتاب ٣/ ٢٧٣، وابن يعيش ٤٠/ ٥٣، والخصائص ١٧/ ٦٤.
[ ٤ / ٤٠ ]
وقال الشاعر:
فقال: امكثي حتى يسار لعلنا نحج معا قالت أعام وقابله (١)
فهي معدولة عن الميسرة.
وقال الجعدي:
وذكرت من لبن المحلّق شربة والخيل تعدو بالصعيد بداد (٢)
" فبداد " في موضع الحال، وهو في معنى مصدر مؤنث معرفة، وقد فسره سيبويه فقال: معناه تعدو بددا، غير أن (بداد) ليست بمعدولة عن بددا؛ لأن " بددا " نكرة وإنما هي معدولة عن البدة أو المبادة أو غير ذلك من ألفاظ
المصادرة المعرفة المؤنثات.
قال: " والعرب تقول: لا مساس، ومعناه لا تمسني، ولا أمسك، ودعني كفاف، وتقديرها لا المماسة ودعني المكافة، وإن كان ذلك غير مستعمل، ألا تراهم قالوا:
" ملامح " و" مشابه " و" ليال " وهن جمع ليس لها واحد من لفظه؛ لأنهم لا يقولون:
ملمحة، ولا ليلاة، ولا مشبهة.
وقال الشاعر:
جماد لها جماد ولا تقولي طوال الدهر ما ذكرت حماد (٣)
وإنما يريد جمودا، وحمدا، غير أن الذي عدل عنه هذا اللفظ كأنه (الجمدة)، و(الحمدة) أو ما جرى مجرى هذا من المؤنث المعرفة "
وقد جعل سيبويه " فجار " في قول النابغة من المصادر المعدولة، وجرى على ذلك النحويون بعده، والأشبه عندي أن تكون صفة غالبة، والدليل على ذلك أنه قال:
فحملت برّة واحتملت فجار
فجعلها نقيض " برة " وبرة صفة. تقول: رجل بر، وامرأة برة، وجعلهما صفة
_________________
(١) البيت لحميد بن ثور الهلالي في ديوانه ١١٧، والرواية فيه: فقلت امكثي حتى يسار لو أننا نجح فقالت لي أعام وقابل وهو في ابن يعيش ٤/ ٥٥، والخصائص ١٧/ ٦٤.
(٢) البيت في ديوانه ٢٤١، والكتاب ٣/ ٢٧٥، وابن يعيش ٤/ ٥٤، والمخصص ١٧/ ٦٤، واللسان (بدد).
(٣) البيت للمتلمس في الكتاب ٣/ ٢٧٦، وابن يعيش ٤/ ٥٥، والخزانة ٦/ ٣٤٥، واللسان (جمد).
[ ٤ / ٤١ ]
للمصدر، فكأنه قال: فحملت الخصلة البرة، وحملت الخصلة الفاجرة، كما تقول الخصلة القبيحة والحسنة، وهما صفتان، وجعل (برة) معرفة عرف بهما ما كان جميلا مستحسنا.
قال: سيبويه: " وأما ما جاء معدولا عن حده من بنات الأربعة فقوله:
قالت له ريح الصبا قرقار
وبعده من غير إنشاد سيبويه:
واختلط المعروف بالإنكار
فإنما يريد بذلك قالت له قرقر بالرعد للسحاب، وكذلك عرعار، وهي بمنزلة قرقار، وهي لعبة وإنما هي من عرعرت، ونظيرها من الثلاثة " خراج "، أي أخرجوا وهي لعبة أيضا.
قال أبو العباس المبرد: غلط سيبويه في هذا، وليس في بنات الأربعة من الفعل عدل، وإنما قرقار وعرعار حكاية للصوت، كما يقال: غاق غاق، وما أشبه ذلك من الأصوات.
وقال: لا يجوز أن يقع عدل في ذوات الأربعة؛ لأن العدل إنما وقع في الثلاثي؛ لأنه يقال فيه " فاعلت " إذا كان من كل واحد من الفاعلين فعل مثل فعل الآخر، كقولك:
ضاربته وشاتمته، ويقع فيه تكثير الفعل كقولك: ضرّبت وقتّلت وما أشبه ذلك.
وقال أبو إسحاق الزجاج: باب " فعال " في الأمر يراد به التوكيد، والدليل على ذلك أن أكثر ما يجيء منه مبني مكرر كقوله:
حذار من أرماحنا حذار وتراكها من إبل تراكها (١)
وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل.
وحكى أبو العباس عن المازني مثل قوله.
وحكي عن المازني عن الأصمعي عن أبي عمرو مثل ذلك.
والأقوى عندي أن قول سيبويه أصح، وذلك أن حكاية الصوت إذا حكوا،
_________________
(١) سبق تخريج هذين الشاهدين.
[ ٤ / ٤٢ ]
وكرروا أن لا يخالف الأول الثاني كما قالوا: غاق غاق (١)، وحاي حاي (٢)، وحوب حوب (٣).
وقد يصرفون الفعل من الصوت المكرر فيقولون: عرعرت، وقرقرت، وإنما الأصل في الصوت عار عار، وقار قار، فإذا صرفوا الفعل منه غيروا إلى وزن الفعل.
فلما قالوا: " قرقار " و" عرعار " فخالف اللفظ الأول الثاني علمنا أنه محمول على قرقر وعرعر لا على حكاية عار عار وقار قار.
وعرعار: لعبة للصبيان كما قال النابغة:
يدعو وليدهم بها عرعار (٤)
ومعنى قوله: واختلط المعروف بالإنكار: يريد أن المطر أصاب كل مكان مما كان يبلغه المطر ويعرف، ومما كان لا يبلغه، وينكر بلوغه إيّاه.
والوجه الرابع: إذا سميت بشيء من الأوجه الثلاثة امرأة فإن بنى تميم ترفعه، وتنصبه وتجريه مجرى اسم لا ينصرف، وهو القياس عند سيبويه، واحتج بأن (تراك) في معنى " اترك ".
ولو سمينا ب (انزل) امرأة لكنا نجعلها معربة ولا نصرفها، فإذا عدلنا عنها " نزال " وهو اسم فهي أخف أمرا من الفعل الذي هو " افعل ".
وقد رد أبو العباس هذا فقال: القياس قول أهل الحجاز؛ لأنهم يجرون ذلك مجراه الأول فيكسرون، ويقولون في امرأة اسمها (حذام): هذه حذام ورأيت حذام ومررت بحذام.
وبنو تميم يقولون: هذه حذام ورأيت حذام ومررت بحذام، وذكر أبو العباس أن التسمية ب (نزال) أقوى في البناء من التسمية ب (انزل)؛ لأن " انزل " هو فعل، فإذا سمينا به فقد نقلناه عن بابه فلزمه التغيير، كما أنا نقطع ألف الوصل منه فتغيره عن حال الفعل،
_________________
(١) الغاق طائر مائي، القاموس المحيط (باب القاف فصل الغين).
(٢) كلمة زجر للإبل وغيرها من المواشي، اللسان (حا).
(٣) كلمة زجر لذكور الإبل، اللسان (حوب).
(٤) عجز بيت صدره: متكنّفي جنبي عكاظ كليهما وهو في ديوانه ٣٥، وابن يعيش ٤/ ٥٢، والمخصص ١٧/ ٦٦،
[ ٤ / ٤٣ ]
و" فعال "، هي اسم فإذا سمينا بها لم نغيرها؛ لأنا لم نخرجها عن الاسمية، كما أنا لو سمينا بانطلاق لم نقطع الألف؛ لأن انطلاق اسم، فلمّا لم نخرجه عن الاسمية، أجرينا عليه لفظه الأول.
فأما الكسر على لغة أهل الحجاز فعلّته فيه عند سيبويه أنه محمول على " نزال "، و" تراك " للعدل، والبناء، والتعريف، والتأنيث.
فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء حمل عليه، وقد أجرى زهير " نزال " هذا المجرى حين خبّر عنها وجعلها اسما فقال.
ولأنت أشجع من أسامة إذ دعيت نزال ولجّ في الذّعر (١)
قال: " وأما ما كان آخره راء، فإن أهل الحجاز، وبني تميم فيه متفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما
اتفقوا في " برى " والحجازية هي اللغة القدمى "
قال أبو سعيد: يعني أن بني تميم تركوا لغتهم في قولهم هذه " حضار " و" سفار " وتبعوا لغة أهل الحجاز بسبب الراء، وذلك أن بني تميم يختارون الإمالة، وإذا ضموا الراء ثقلت عليهم الإمالة، وإذا كسروها خفت الإمالة أكثر من خفتها في غير الراء؛ لأن الراء حرف مكرر والكسرة فيها مكررة، كأنها كسرتان، فصار كسر الراء أقوى في الإمالة من كسر غيرها، وصار ضم الراء في منع الإمالة أشد من منع غيرها من الحروف، فلذلك اختاروا موافقة أهل الحجاز، كما وافقوهم في (برى).
وبنو تميم من لغتهم تخفيف الهمزة، وأهل الحجاز يخففون فوافقوهم في تخفيف الهمز من " برى ".
قال سيبويه: " وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء، قال الأعشى:
ومر دهر على وبار وهلكت جهرة وبار (٢)
_________________
(١) البيت ملفق من قول زهير في الكتاب ٣/ ٣٧١: ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر وبيت المسيب: ولأنت أشجع من أسامة إذ يقع الصراخ ولج في الذعر والبيت في المقتضب ٣/ ٣٧٠، والمخصص ١٧/ ٦٧، وابن يعيش ٤/ ٢٦.
(٢) البيت في الكتاب ٣/ ٢٧٩، والمقتضب ٣/ ٥٠، وابن يعيش ٤/ ٦٤، وشرح شذور الذهب ٩٧،-
[ ٤ / ٤٤ ]
والقوافى مرفوعة، وأول القصيدة
ألم تروا إرما وعادا أودى بها اللّيل والنّهار
قال: فما جاء آخره " الراء " ك " سفار " وهو اسم ماء، و" حضار " وهو اسم كوكب ولكنهما مؤنثان، ك " ماويّة " والشّعرى، كأن تلك اسم الماءة، وهذه اسم الكوكبة.
قال أبو سعيد: أراد سيبويه أن " سفار " وإن كان اسم ماء، والماء مذكر، فإن العرب قد تؤنث بعض ما فيها فيقولون: ماءة بني فلان، وهو كثير في كلامهم، فكأن سفار اسم الماء، و" حضار " وإن كان اسم كوكب، والكوكب مذكر، فكأنه اسم الكوكبة في التقدير؛ لأن العرب قد أنثت بعض الكواكب فقالوا: " الشّعرى "، و" الزهرة " إذ كان مبنى هذا الباب أن يكون معرفة مؤنثا معدولا. وأما قوله، ك " ماويّة "، فإنما أراد أن (سفار) و(حضار) مؤنثان، كماوية،
والشعرى في التأنيث. والأغلب عندي أن التمثيل " ب (ماوية) غلط في الكتاب، وإن كانت النسخ متفقة عليها وإنما هو كماءة وهو أشبه؛ لأن " سفار " ماء والعرب قد تقول للماء المورود ماءة.
قال الفرزدق:
متى ما ترد يوما سفار تجد بها أديهم يرمي المستجيز المعوّرا (١)
واستدل سيبويه على أن " نزال " وما جرى مجراها مؤنث بقوله: دعيت نزال، ولم يقل دعي. وكان أبو العباس المبرد يحتج لكسر قطام وحذام، وما أشبه ذلك، إذا كان اسما علما مؤنثا أنها معدولة عن قاطمة، وحاذمة علمين، وأنها لم تكن تنصرف قبل العدل، لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، فلما عدّلت ازدادت بالعدل ثقلا فحطت عن منزلة ما لا ينصرف، ولم يكن بعد منع الصرف إلا البناء فبنيت، وهذا قول يفسّد؛ لأن العلل المانعة للصرف يستوي فيها أن تكون علتان أو ثلاث.
لا يزداد ما لا ينصرف بورود علة أخرى على منع الصرف، ولا يوجب له ذلك
_________________
(١) - والمخصص ١٧/ ٦٧.
(٢) ديوانه ٣٥٥، والمخصص ١٧/ ٦٨، والمقتضب ٣/ ٥٠، وشرح شذور الذهب ٩٦، واللسان (سفر).
[ ٤ / ٤٥ ]
البناء، لأنّا لو سمينا رجلا بأحمر لكنّا لا نصرفه لوزن أفعل والتعريف، ولو سمينا به امرأة لكنا لا نصرفه أيضا، وإن كنا قد زدناه ثقلا واجتمع فيه وزن الفعل، والتعريف، والتأنيث، وكذلك لو سمينا امرأة بإسماعيل أو يعقوب لكنا لا نزيدها على منع الصرف وقد اجتمع فيها التأنيث والتعريف والعجمة.
قال سيبويه: " واعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الباب من " فعال " ما كان منه بالراء، وغير ذلك إذا كان شيء منها اسما لمذكر لم ينجر أبد، وكان المذكر في ذلك بمنزلته إذا سمي ب (عناق) لأن هذا البناء لا يجيء معدولا عن مذكر "
قال أبو سعيد: يريد أن " فعال " في الوجوه الأربعة التي ذكرنا مؤنثة.
وأنّا إذا سمينا به رجلا أو شيئا مذكرا كان غير منصرف، ودخله الإعراب، وكان بمنزلة رجل سمي ب (عناق) وهو لا ينصرف لاجتماع التأنيث والتعريف فيه.
قال سيبويه: " ولو جاء شيء على فعال، ولا يدرى ما أصله أمعدول هو، أم غير معدول، أم مذكر، أم مؤنث؛ فالقياس فيه أن تصرفه، لأن الأكثر من هذا الباب مصروف غير معدول، مثل: الذهاب، والصلاح، والفساد، والرّباب "
وذلك كله منصرف؛ لأنه مذكر، فإذا سميت به رجلا، فليس فيه من العلل إلا التعريف وحده، وهو أكثر في الكلام عن المعدول.
وعلة ذلك أنك لا تجعل شيئا من ذلك معدولا إلا ما قد قام دليله من كلام العرب.
وسيبويه يرى أن " فعال " في الأمر مطرد قياسها، في كل ما كان فعله ثلاثيّا، من فعل، وفعل، وفعل فقط.
ولا يجوز القياس فيما جاوز ذلك إلا فيما سمع من العرب، وهو (قرقار) و(عرعار) وما كان من الصفات، والمصادر، فهو أيضا عنده غير مطرد، إلا فيما سمع منهم، نحو (حلاق)، و(فجار)، و(يسار). وتطّرد هذه الصفات في النداء كقولك: يا فساق، ويا خباث.
وجميع ما يطّرد: الأمر من الثلاثي، والنداء، فيما كان أصله ثلاثة أحرف، وبعض النحويين لا يجعل الأمر مطردا من الثلاثي.
[ ٤ / ٤٦ ]