قال سيبويه: " وذلك لم، ولمّا، واللام التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، ولا التي للنّهي، وذلك قولك: لا تفعل؛ وإنما هو بمنزلة لم.
واعلم أنّ اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمينك، وليجزك الله خيرا.
واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبّهوها بأن إذا عملت مضمرة. قال الشاعر:
محمد تفد نفسك كلّ نفس إذا ما خفت من أمر تبالا
وإنما يريد: لتفد نفسك، وقال متمّم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (٣)
أراد: ليبك.
واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أنّ الجرّ لا يكون إلا في الأسماء.
فالجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فليس للأسماء في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجرّ نصيب، فمن ثمّ لم يضمروا الجازم. وقد أضمره الشاعر، شبّهه
_________________
(١) البيت في الخزانة ٨/ ٥٧٨؛ ابن يعيش ٧/ ٢٩.
(٢) البيت منسوب لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، اللسان (ديخ)؛ والمقتضب ٤/ ١٩٩.
(٣) البيت من ديوانه، ابن يعيش ٧، ٦٠، ٦٢؛ الكتاب ٣/ ٩؛ تاج العروس (بعض). (يعض).
[ ٣ / ١٩٧ ]
بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم.
وفي نسخة أبي بكر مبرمان وأبي محمد بن درستويه: (وأمّا يرحمك الله فإنّه رفع وإن كان دعاء، كما قالوا: غفر الله لك فجاءوا به على لفظ الخبر، وإنّما يريدون به الدعاء ".
قال أبو سعيد: أمّا حذف اللام من لتفد نفسك فإنّ أبا العباس المبرّد ينكر البيت ويزعم أنه باطل، وأجاز البيت الثاني، وعطف (أو يبك من بكى) على معنى فاخمشي، وقدّره مجزوما باللام، فكأنّه قال: فلتخمشي أو يبك من بكى، ومثله قول الآخر، الحطيئة:
فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى لصوت أن ينادي داعيان (١)
كأنه قال: فقلت لتدعي وأدع، وقد روي: وأدعو إنّ أندى على الجواب بالواو، وليس فيه شاهد.
وقد ذكر أبو بكر مبرمان عن أبي علي عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني أنّ الشاعر يجوز أن يكون أراد تفدي نفسك على الخبر، ولكنّه حذف الياء كما حذفوا من:
دوامي الأيد، يريدون الأيدي.
قال أبو سعيد: وأجود من هذا الاستشهاد خطّ المصحف، وقراءة من قرأ: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا [الكهف: ٦٤].
ولمّا معناها معنى لم، وجزمها كجزمها، وهي تزيد على لم بتطويل زمان، كما يقول القائل: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي: وما نفعته الندامة عقيب ندمه وإذا قال:
ولمّا تنفهه النّدامة، أي إلى وقته، وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] دلّت لمّا على طول وقت الإتيان، ومنه قول الشاعر:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولمّا أمزّق (٢)
وما بين لم ولمّا كما بين فعل وقد فعل؛ فلم نفي فعل كقولك: جاء زيد، فيقول الرّادّ: لم يجيء زيد، ويقول القائل: جاء زيد وقد اغتمّ، فيقول: جاء زيد ولمّا يغتمّ، وهما في
_________________
(١) البيت في ديوانه، ابن يعيش ٧/ ٥٣؛ الكتاب ٣/ ٤٥؛ وتاج العروس (ندى).
(٢) البيت منسوب للشاعر الجاهلي الممزق العبدي (شأس بن نهار العبدي)، الخزانة ٧/ ٢٨٠؛ تاج العروس ولسان العرب (مزق، أكل).
[ ٣ / ١٩٨ ]
موضع الحال من زيد، ولو قال: جاء زيد ولم يغتمّ لم يحسن كحسن ولمّا يغتمّ. ومن أجل طول زمان قد ولمّا جاز
حذف الفعل منهما كقولك: ندم فلان وقد نفعته الندامة، وندم غيره ولمّا تنفعه النّدامة، وتقول في قد: أزف الشّخوص وكأن قد، قال النابغة:
أزف الترحّل غير أنّ ركابنا لمّا تزل برحالها وكأن قد (١)
أي: كأن قد زالت.
وقوله: يرحمك الله وغفر الله لك، على لفظ الخبر ومعنى الدعاء؛ كما أنّ قولنا:
أكرم بزيد على لفظ الأمر ومعنى الخبر. وإنما جاز لفظ الخبر في الدعاء؛ لأنه يعلم أنّ القائل لهذا لا يعلم ما فعله الله بمن يدعو له من الرحمة وغيرها فيخبر به، فيعلم أنّ لفظ الإخبار منه على معنى الدعاء، ولا يجوز: قام زيد في معنى: ليقم زيد؛ لأنّ القائل لهذا يجوز أن يعلمه فيخبر به.