قال سيبويه: " وذلك قولك: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان دخول زيد لم يؤده سيرك، ولم يكن سببه، فيصير هذا كقولك: سرت حتى تطلع الشمس، لأن سيرك لا يجوز أن يكون سببا لطلوع الشمس، ولا يؤديه، ولكن لو قلت: سرت حتى يدخلها ثقلي، وسرت حتى يدخلها بدني، لرفعت، لأنك جعلت دخول ثقلك يؤديه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلا بسيرك.
وبلغنا أن مجاهدا قرأ الآية: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ (١)، وهي قراءة أهل الحجاز.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، وتقول: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد، إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك، وهو الذي أدّاه، ولا تجد بدّا من أن تجعله هاهنا في تلك الحال، لأن رفع الأول لا يكون إلا وسبب دخوله سيره.
وإذا كانت هذه حال الأول، لم يكن للآخر بد من أن يتبعه، لأنه يعطفه على دخولك في (حتى)؛ وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان سيرك يؤدي إلى دخوله، كما تقول: سرت حتى يدخلها ثقلي، وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى يدخلها زيد، لأنك لو قلت: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس، كان جيدا وصارت إعادتك (حتى) كإعادتك له في (تبّا له) و(ويل له)، ومن عمرا؟ ومن أخو زيد؟ وقد يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها عمرو، إذا كان أداه سيرك؛ ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: ٢١٤].
واعلم أنه لا يجوز: سرت حتى أدخلها، وتطلع الشمس، هذا محال، لأن طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك، فترفع (تطلع الشمس) وقد حلت بينه وبين (حتى).
ويحسن أن تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، كما تقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها، وقال امرؤ القيس:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.
[ ٣ / ٢١٩ ]
سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم .. وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (١)
فهذه الآخرة هي التي ترفع.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها، كأنك قلت: سرنا حتى ندخلها؛ وتقول:
سرت حتى أسمع الأذان، هذا وجهه، وحدّه النصب، لأن سيرك ليس يؤدي سمعك الأذان، إنما يؤديه الصبح؛ ولكنك تقول: سرت حتى أكلّ، لأن الكلال يؤديه سيرك.
وتقول: سرت حتى أصبح، لأن الإصباح لا يؤديه سيرك، إنما هي غاية طلوع الشمس.
وفي نسخة أبي بكر مبرمان (٢) وغيرها، قال أبو الحسن: أنا أزعم أن (حتى) هذه التي ترفع ما بعدها ليست (حتى) التي تنصب ما بعدها.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن رفع الفعل بعد (حتى) بإيجاب ما قبله له وتأديته إليه، فإذا قلت: سرت حتى أدخلها جاز أيضا أن يدخلها من يتبعك ومن يسير بسيرك من أجير وعبد وصاحب ورفقة، كنت أنت بسيرك سببا لسيرهم المؤدي إلى الدخول، وكذلك ما معك من ظهر وثقل، دخوله بسيرك لأنه تابعك.
وقوله: لا يجوز سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس، لأن تطلع الشمس، لا يرتفع أبدا، لأن السير لا يؤدي إليه، ولا يكون سببا له، فبطل عطفه على (أدخلها)؛ ولا يجوز نصبه وليس قبله ما ينصبها، لأن (حتى) إذا ارتفع ما بعدها
فليست هي (حتى) التي تنصب الفعل بعدها، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
ولو أعاد (حتى) وجعلها ناصبة فقال: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس جاز.
وأما قوله: وقد حلت بينه وبين (حتى)، يعني أنك حلت ب (أدخلها) المرفوعة بين (تطلع) وبين (حتى) الناصبة كأن (أدخلها). لو لم يكن، وكان في موضعها (تطلع
_________________
(١) البيت في ديوانه ص ٩٣، ابن يعيش ٥/ ٧٩، ٨/ ١٩؛ الكتاب ٣/ ٢٧، ٦٢٦؛ المقتضب ٢/ ٧٢.
(٢) مبرمان: محمد بن علي بن إسماعيل العسكري، أبو بكر المعروف بمبرمان من كبار العلماء بالعربية من أهل بغداد ولد في طريق رامهرمز وأخذ عن المبرد والزجاج وأخذ عنه الفارسي والسيرافي من كتبه " شرح شواهد سيبويه " النحو المجموع على العلل. (العيون)، و(التلقين)، شرح كتاب سيبويه.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
الشمس) لجئنا (حتى) الناصبة في موضع (حتى) التي يرتفع الفعل بعدها، فهذه حيلولة ما بين (حتى) وبين (تطلع) وإنما خالفوا بين (أدخلها) وبين (حتى) المعدومة كما تقول:
حلت بين زيد وبين الأكل، وحلت بينه وبين الغسل إذا منعته من فعلهما فهما معدومان؛ وأما بيت امرئ القيس، فلو رفع (بكل) لجاز، ولكنه نصب ليريك جواز عطف (حتى) على (حتى)، وهما مختلفان في النصب والرفع، لأن الأولى قد نصبت (بكل)، والثانية بعدها مبتدأ وخبر، فلو وقع موقع المبتدإ فعل لكان مرفوعا. وقد فرع أصحابنا مسائل في باب (حتى) رأيت ذكرها متصلا بهذا الباب.
تقول: سرت حتى مطلع الشمس، وسرت حتى الظهر، ومنه قول الله﷿- سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (١) ولا يجوز أن تقول: سرت حتى الشام، ولا سرت حتى مكانك، إلا أن تذكر الأمكنة قبلها، والجملة التي بعد (حتى) جزء منها، فتكون كالغايات بعد (حتى)، وذلك قولك: دخلت المدن حتى الشام، وسرت على الجسور حتى جسر بغداد، ولا يحتاج في الأزمنة إلى ذلك، لأن الأزمنة تحدث على ترتيب، وشبهت بالأفعال، و(حتى) تقع على الأفعال كلها، فصار قولك: قف حتى تطلع الشمس، وحتى طلوع الشمس بمنزلة، وكذلك المصادر كلها: قف حتى مجيء زيد، وحتى قيام الأمير.
ولو قلت: أخذت من الدار حتى أقصاها، لم يجز، لأنك لم تذكر ما أقصاها جزء منه، ولو قلت: أخذت الدار حتى أقصاها جاز؛ ولو قلت: أقمنا حتى اليوم، وحتى الليلة، وحتى العشية، وحتى الغداة، والساعة، والعام حسن.
ولو قلت: أقمنا حتى الشهر، وحتى السنة، واليومين، والليلتين، والشهور، والأشهر لم يجز، فإن نعته بما يزيل عنه الإبهام جاز، كقولك: أقمنا حتى الشهر المستطاب؛ وإنما جاز هذا فيما أجزناه فيه لأنه وقت مخصوص لا إبهام فيه، وذلك أنهم يقولون: أنا اليوم خارج، وأنا اليوم صائم، وأنا الليلة عندك، وأنا العام حاج، فيعلم ما اتفقوا عليه واعتادوه، أنه يراد اليوم الذي هو فيه، والعام الذي هو فيه؛ ولا يقولون: أنا الشهر خارج، وهم يريدون الشهر الذي هم فيه.
وإذا قلت: أنا اليومين صائم، لم يعلم به يومان بأعيانهما حتى تزيد فيه ما يزيل الإبهام مثل: أنا اليومين المتصلين باليوم صائم، فقس على ذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) سورة القدر، الآية: ٥.
[ ٣ / ٢٢١ ]