كل مذكر سمي بثلاثة أحرف، ليس فيه حرف التأنيث، فهو مصروف كائنا ما كان، أعجميّا، أو عربيّا، أو مؤنثا، إلا فعل مشتقا من الفعل أو يكون في أوله زيادة، فيكون كأجد، وتضع ونضع، وأضع. أو يكون كضرب وذلك كرجل سميته ب (قدم)،
[ ٣ / ٤٨٥ ]
أو (فهر) أو (أذن) وهن مؤنثات أو سميته ب (خشّ) أو (دل) أو (جان) أو (سبك) أو (بكح) وما أشبه ذلك.
وإنما انصرف المسمى بالمؤنث على ثلاثة أحرف؛ لأنه قد أشبه المذكر، وذلك أن ما كان على ثلاثة أحرف من المؤنث، إذا صغرناه قبل التسمية، ألحقنا هاء التأنيث، وإن لم يكن في الاسم هاء، كقولهم: " عين "، وعيينة و" أذن "، وأذينة، و" قدم " وقديمة، فإذا سميناهن رجلا: قلنا قديم وعيين، وأذين، فلما كنا نرد الهاء في الثلاثة كأن تقدير الاسم فيه هاء محذوفة، فإذا سمينا به لم نرد الهاء؛ لأن الاسم صار مذكرا وإن لم تسم به رددنا الهاء التي في
التصغير.
فإن قال قائل: قد وجدنا في أسماء الرجال " عيينة " و" أذينة ".
قيل له: إنما سمينا بالتصغير بعد دخول الهاء.
ولو سمينا ب (عين) و(أذن) ثم صغر، لم يجز دخول الهاء، ألا ترى أنّا لو سمينا امرأة ب (عمر) ثم صغرناه لقلنا عميرة. ولو صغرنا (عمر) قبل التسمية لقلنا عمير؟
وأما ما كان من العجمي على ثلاثة أحرف، فإنه مصروف، وسواء سكن أوسطه، أو تحرك.
وإنما دخل في ذلك ما تحرك أوسطه، ولم يكن بمنزلة المؤنث الذي يفرق فيه بين ما سكن أوسطه " كهند "، و" دعد "، فأجيز صرفه، وبين " قدم "، و" جمل " اسم امرأة، فلم يجز صرفه؛ لأن المؤنث أثقل من العجمي.
من ذلك أن التأنيث قد يكون بعلامة، يلزمونها الاسم، للفرق بين المذكر والمؤنث، حرصا على الفصل بينهما، لاختلاف المذكر، والمؤنث في أصل الخلقة، ولأنهم لا يعتدون بالعجمة فيما استعمل مذكرا نحو: " سوسن " وإبريسم، وآجر، إذا سمي بشيء من ذلك كان منزلته منزلة العربي وانصرف، فظهر بذلك أن العجمة عندهم أيسر من التأنيث.
قال: وإن سميت رجلا " ببنت "، و" أخت " صرفته؛ لأنك بنيت الاسم على هذه التاء، وألحقتها ببناء الثلاثة، كما ألحقوا (سنبتة).
ولو كانت الهاء لما أسكنوا الحرف الذي قبلها، وإنما هذه التاء فيها كتاء
[ ٣ / ٤٨٦ ]
(عفريت) ولو كانت كألف التأنيث لم ينصرف في النكرة، وليست كالهاء لما ذكرت لك. ولو أن الهاء التي في دجاجه كهذه التاء انصرفت في المعرفة.
قال أبو سعيد: التاء في بنت، وأخت منزلتها عند سيبويه منزلة التاء في " سنبتة " و" عفريت "؛ لأن التاء في سنبتة زائدة، للإلحاق بسلهبة، وحرقفة، وما أشبه ذلك.
والسّنبتة: القطعة من الدهر، كالمدة.
والدّليل على زيادة التاء أنهم يقولون: سنبة والتاء في عفريت زائدة؛ لأنهم يقولون عفي، وعفرية.
" وعفريت " ملحق بقنديل، وحلتيب، وكذلك (بنت) و(أخت) ملحقتان ب (جذع) و(قفل)، والتاء فيهما زائدة للإلحاق، فإذا سمينا بواحدة منها رجلا صرفناه؛ لأنه بمنزلة مؤنث على ثلاثة أحرف ليس فيها علامة التأنيث كرجل سميناه ب (فهر) و(عين).
والتاء الزائدة للتأنيث هي التي يلزم ما قبلها الفتحة، ويوقف عليها بالهاء كقولنا " دجاجة " وما أشبه ذلك.
وإن سميت رجلا ب (هنة)، و(منة) وقد كانت في الوصل " هنت " قلت: هنة يا فتى تحرك النون، وتثبت الهاء؛ لأنك لم تر مختصا متمكنا على هذه الحال التي تكون عليها " هنة ".
وهي قبل أن تكون اسما، تسكن النون في الوصل، وذلك قليل، فإذا حولته إلى الاسم لزم القياس.
قال أبو سعيد: اعلم أن (هنا) و(هنة) يكنى بهما عما لا يذكر اسمه، وربما أدخلوا فيهما الألف واللام، وأكثر ما يستعمل للناس.
وأصل (هن): هنو، وكان حقه أن يقال: (هنا) كما يقال: (قفا) و(عصا) قال الشاعر:
أرى ابن نزار قد جفاني وملّني على هنوات كلّها متتابع (١)
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٣٦١، والمقتضب ٢/ ٢٧٠، وابن يعيش ١/ ٥٣ - ٥/ ٣٨ - ٦/ ٣ - ١٠/ ٤٠ - ٤٤، واللسان (هنا).
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وحذفوا آخرها فقالوا: (هن) و(هنة) كما قالوا: (أب) و(أخ) وهما اسمان ظاهران، يكنى بهما عن اسمين ظاهرين.
فلذلك أعربا، وفيهما معنى الكناية والعرب تقول في الوقف: (هنة) وفي الوصل:
(هنت) فتصير التاء فيها إذا وصلت كالتاء في أخت، وبنت، فقال سيبويه:
إذا سمينا ب (هنة) وجب أن نقول في الوصل والوقف: هذا هنه وهنة قد جاءني، فتحرك النون، ولا تسكنها في الوصل، كما كانت مسكّنة قبل التسمية؛ لأن إسكانها ليس بالقياس.
ولأنهم لم يلزموها الإسكان فتكون بمنزلة " بنت "، و" أخت " وتكون التاء للإلحاق، وإنما سكّنوها، وهم يريدون الكناية بها عن الاسم، تشبيها بنون (من) لما فيها من معنى الكناية، فإذا سمينا بها رددناها إلى القياس، فلا نصرفها، وتكون منزلتها منزلة رجل سميناه " بنة "، أو " ضعة " في الوقف والوصل.
قال: وإن سميت رجلا ب (ضربت)، ولا ضمير فيها قلت: " هذا ضربه " في الوقف؛ لأنه قد صار اسما فجرى مجرى شجرة.