قال سيبويه: اعلم أن أفعل إذا كان صفة لم ينصرف، نكرة ولا معرفة وذلك لأنها أشبهت الأفعال، نحو: اذهب واعلم.
قلت: فما باله لا ينصرف، إذا كان صفة؟
فقال- يعني الخليل- لأن الصفة أقرب إلى الأفعال، فاستثقلوا التنوين فيه كما استثقلوا في الأفعال، فأرادوا أن يكون في الاستثقال كالفعل، إذ كان مثله في البناء، والزيادة، وضارعه، وذلك نحو أحمر، وأسود، وأخضر.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وإذا حقرته قلت: أحيمر وأخيضر، فهو على حاله قبل أن تحقره، من قبل أن الزيادة التي بها أشبه الفعل مع البناء ثابتة، وأشبه هذا من الأفعال ما أميلح زيدا، كما أشبه أحمر أذهب.
قال أبو سعيد: نحتاج أن نقدم مقدمات، توطئ معرفة ما ينصرف وما لا ينصرف، وشيئا من علل ذلك، وذكر الأسباب المانعة من الصرف فأقول: إن الأسماء تنقسم قسمين، أحدهما: متمكن، والآخر غير متمكن، فالمتمكن: المعرب وغير المتمكن المبني.
والمتمكن على ضربين أحدهما: مستوف للتمكن، ويسمى الأمكن فأما الأمكن المستوفي للتمكين، فهو ما يدخله الرفع والنصب، والجر. والناقص التمكن هو ما يعرب بالرفع، والنصب، فقط، ولا يدخله تنوين والمجرور منه محمول على لفظ المنصوب.
ونقصان التمكن في الاسم أن يدخل عليه ما يثقله مما هو فرع فيه غير أصل، وذلك عشرة أشياء: وزن الفعل، وشبهه، والصفة، والتأنيث، والتعريف، والجمع والعدل، والعجمة، وزيادة الألف وحدها، والألف والنون في آخر الاسم، وجعل الاسمين اسما واحدا.
أما وزن الفعل المانع من الصرف من الزوائد الأربعة، التي تكون في أول الأفعال المضارعة ويكون بها الاسم على وزن " فعل " من الأفعال المضارعة، أو فعل الأمر، وإن شاركه في ذلك البناء الاسم.
أو يكون لفظه لفظا لا يقع في شيء من الأسماء.
فأما ما كان في أوله زيادة الفعل المضارع فنحو أحمر، وأخضر، وأسود وأفكل، وأزمل، وأيدع، وأربع وأكلب ويرمع وثغلب ويزيد، ويشكر، وترتب، وتنضب، ونرجس.
فهذه الأسماء منها ما لا يستعمل فعلا نحو: أفكل، وأيدع، وأحمر، وأخضر.
وجميع هذه الأبنية تقع في الأسماء غير الأعلام.
وأما ما يكون لفظه غير موجود في الأسماء إلا أن يسمى به فيكون علما فهو مثل:
فعّل، وفعّل وما أشبه ذلك، وذلك قولك ضرّب وكسّر وضرّب وكسّر.
فإن سميت باسم على وزن فعل، يشاركه الاسم في ذلك الوزن لم تعتد بوزن الفعل فيه، وذلك قولك: جعفر، وسلهب وجعل، وكثف، وعجز.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فجعفر، وسلهب، وإن كان وزنهما كدجرج وسرهف فذلك لا يثقلهما.
لأن هذا الوزن ليس الفعل أولى به من الاسم، وكذلك جمل، وكثف، وعجز وزنها كوزن فشل، وعلم، وظرف وذلك لا يثقله؛ لأن الفعل غير مختص بذلك، وكذلك لو لحقت بالفعل علة تصيره إلى لفظ الاسم لزالت العلة والثقل وذلك نحو: (فيل)، (بيع) و(رد) لأنه قد صار على وزن (ديك) و(رد) على وزن كرّ.
وإنما صار الاسم الذي في أوله إحدى الزوائد ثقيلا، وإن اشترك في ذلك البناء الاسم والفعل، كاشتراك أذهب، وأمنع وهما فعلان لأحمق، وأسود، وأفكل، وأيدع، وهي أسماء؛ لأن هذه الهمزة يجوز دخولها على الأفعال لمعنى، وهي أن يكون الفعل للمتكلم كقوله: أنا أذهب، وأصنع، وتدخل أيضا لنقل الفعل كقولك أعلم زيد عمرا خبرا وأخرج زيد عمرا، وتدخل الياء والتاء والنون في قولك أنت تذهب وهو يذهب ونحن نذهب.
فلما صار لهذه الحروف معان في الأفعال تدخل تارة أصلا في الأفعال، والأسماء داخلة عليها.
وإنما صار ما ذكرنا من وزن الفعل ثقلا؛ لأن الاسم أصل، والفعل فرع، والاسم أخف من الفعل، فإذا دخل على الاسم ما هو للفعل ثقله، وكذلك الصفة أثقل من الموصوف؛ لأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، والموصوف قبلها كقولك: مررت برجل أحمر، وثوب أخضر، والتأنيث أثقل من التذكير؛ لأن التذكير أول، والتأنيث داخل عليه؛ لأن أصل الأسماء أن يقال لكل واحد منها شيء، والشيء مذكر، وأيضا فالتأنيث يحتاج إلى علامة والتذكير لا علامة له؛ لأنه على الأصل، والتعريف أثقل من التنكير؛ لأن أصل الأسماء أن تكون منكورة، كل واحد منها شائع في نوعه، كرجل، وفرس، وإنما يتعرف بدخول الألف واللام، أو الإضافة، والذي يصير الاسم علما بالاختصاص له.
والجمع أثقل من الواحد؛ لأن الواحد هو الأصل ثم يجمع، والعدل أثقل من الاسم الذي عدّل عنه؛ لأن ذلك الاسم هو الأصل، والعجمة أثقل من العربة؛ لأنها ترد بعد كلام العرب بعد التكلم بالعربة، وزيادة الألف وحدها، وزيادة الألف والنون أثقل؛ لأن الاسم أولا بغير زيادة، وجعل الاسمين اسما واحدا أثقل؛ لأن الأصل اسم واحد ثم ضم إليه الآخر.
وجعلت هذه الزيادات في الأواخر ثقلا؛ لأنها في لحاقها آخر الاسم تجري مجرى
[ ٣ / ٤٥٥ ]
التأنيث وسنبين ذلك كله في موضعه بأكثر من هذا إن شاء الله تعالى.
فإذا اجتمع في الاسم من هذه العلل العشر الفرعية ثنتان فصاعدا أو واحدة تقوم مقام ثنتين منع الاسم من الصرف، فلم يدخله تنوين ولا جر.
وإذا دخلت واحدة لم تمنع الصرف.
وإنما لم يمنع بدخول واحدة؛ لأن في الاسم خفة بالاسمية، فإذا دخل ثقل واحد قاومته الخفة فلم يغلبها فإذا دخل
ثقلان غلباها.
وإنما منع ما لا ينصرف التنوين والجر؛ لأن التنوين هو علامة الأمكن وحذفه علامة المثقل من الأسماء، ولم يدخله الجر؛ لأن الاسم الذي ثقل بما دخل عليه أنزل منزلة الفعل، وليس في الفعل جر.
فإن قال قائل: فهلا أسكن الاسم في حال الجر إذا دخل عليه ما يمنع الصرف؟
قيل له حكم الاسم المستحق للإعراب أن لا يمنع الإعراب في شيء من أحواله فاحتيج إلى إعرابه، فحمل على النصب كما حمل النصب عليه في التثنية والجمع السالم.
وقال الزجاج: ما لا ينصرف في حال الجر مبني؛ لأن الجر لا يدخله كما لا يدخل الفعل، إذا كان ما لا ينصرف مشبها بالفعل، فلما لم يدخله الجر أبدل من الكسرة بناء الفتح، كما أن الأفعال حين ضارعت الأسماء أعطيت الإعراب كذلك إذا ضارع الاسم الفعل منع ما لا يدخل الفعل، فكرهوا إذا لم يخففوا الاسم، وهو في موضع يجب له فيه حركة الإعراب أن يسكنوه فلا يكن بين الأسماء المتمكنة إذا لم تنصرف وبين الأسماء التي هي غير متمكنة وهي مبنية على الوقف فرق.
وجميع ما لا ينصرف مشبه بالفعل، وتشبيهه بالفعل من وجهين: أحدهما بالوزن كأحمر، ويزيد، ويشكر، وتغلب، وضرب، وكسّر، والآخر بالثقل الذي يدخله، وذلك الثقل فرع، والفعل فرع، فهما مجتمعان في الفرعية.
وحقيقة منع الصرف إذهاب التنوين، دون منع الجر والدليل على ذلك أن المرفوع والمنصوب مما لا مدخل في الجر فيه، إنما يذهب منه التنوين فقط، وإذا دخل على ما لا ينصرف الألف واللام أو أضيف انصرف، كقولك: مررت بالأحمر، والأسود، والمساجد، والحمراء والصفراء وبعمركم وإبراهيمكم وما أشبه ذلك؛ وإنما انصرف لأن الألف واللام والإضافة أخرجتاه من شبه الفعل، إذ كان الفعل لا يكون فيه ذلك، فانصرف لخروجه من
[ ٣ / ٤٥٦ ]
شبه الفعل.
فإن قال قائل: فحروف الجر، وسائر عوامل الأسماء قد يدخلن على ما لا ينصرف، فلا يصرفنه كقولك مررت بأحمر وجاءني إبراهيم ودخلت مساجد، فإن في ذلك أجوبة تفصل بين دخول الألف واللام والإضافة وبين دخول العوامل، منها: أن الألف واللام والإضافة إذا دخلت على الاسم الذي لا ينصرف أخرجته عن شبه الفعل، ثم تدخل عليه بعد ذلك العوامل فيصادف العامل شيئا غير مشبه للفعل فيعمل فيه عمله، وإذا دخل العامل قبل دخول الألف واللام والإضافة صادف ثقيلا، فلم يعمل فيه إلا عمله الذي ذكرناه. وجواب ثان، وهو أن الألف واللام،
والإضافة قد قامت مقام التنوين، فكأن الاسم منون، والتنوين هو الصرف، وعلامة الأمكن وليس العامل كذلك.
وجواب ثالث: وهو أن الاسم بدخول الألف واللام والإضافة تتغير ذاته وينتقل من مبهم إلى معين والعامل لا يغيره عن حاله الأولى.
جواب رابع: وهو أن الفعل قد يضاف إليه كما يضاف إلى الاسم ما ينجر به فلم تخرجه حروف الجر من شبه الفعل.
وجواب خامس: أنا لو اعتبرنا العوامل لبطل أصل ما لا ينصرف؛ لأن العوامل الداخلة على الاسم غير داخلة على الفعل، فلو كان يثقل بدخول العوامل لكان كل عامل يدخل عليه يوجب صرفه، وبطل الفرق بين ما ينصرف وبين ما لا ينصرف.
قال أبو سعيد: ابتدأ سيبويه بذكر ما يجتمع فيه علتان من العلل المانعة من الصرف، وساق الأبواب على ذلك، وبدأ بأفعل الذي هو وصف، وقد اجتمعت علتان وزن الفعل والصفة، وإن صغرته لم يخرجه التصغير إلى الصرف؛ لأن الفعل قد صغر في بعض المواضع وهو التعجب، فقالوا ما أميلح زيدا، قال الشاعر:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا من هؤليّائكنّ الضّال والسّمر (١)
فلذلك لم (يبتعد) بالتصغير من شبه الفعل.
على أن الأسماء في التصغير على ثلاثة أوجه في حكم الصرف، فمنها اسم لا ينصرف في التصغير والتكبير، نحو هذا الباب وغيره، واسم لا ينصرف، فإذا صغر
_________________
(١) البيت في الخزانة: ١/ ٤٥، ٤/ ٩٥، وابن يعيش: ١/ ٦١، ٣/ ١٣٤، ٥/ ١٣٥، ٧/ ١٤٣.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
انصرف، كالأسماء المعدولة، نحو عمر، وزفر، فإذا قيل: عمير، وزفير، انصرف. واسم ينصرف، فإذا صغر لا ينصرف، وذلك كرجل يسمى ضارب، أو ما كان من بنائه فإذا صغر صار ضيرب فلم ينصرف، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.