تقول: ظننت أنه منطلق. " فظننت " عاملة. كأنك قلت: ظننت ذاك وكذلك:
وددت أنه ذاهب. لأنّ هذا في موضع ذاك. إذا قلت: وددت ذاك.
وتقول: لولا أنه منطلق لفعلت " فأن " مبنية على " لولا " كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنه ذاهب لكان خيرا له " فأنّ " مبنية على " لو " كما كانت مبنية على " لولا ". كأنك قلت: " لو ذاك " ثم جعلت " أن " وما بعدها في موضعه. فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على " لو " غير " أنّ ". كما كان " تسلم " في قولك: بذي تسلم " في موضع " اسم ولكنهم لا يستعملون الاسم لأنهم مما يستغنون عن الشيء بالشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا. وقال الله ﷿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ (١) وقال:
لو بغير الماء حلقى شرق (٢)
وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقي فقال: " أن " في موضع كأنك قلت: " مذ ذاك ". وتقول: " أما إنّه ذاهب وأما أنه منطلق " فسألت الخليل عن ذلك
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٠.
(٢) شطر بيت عجزه: .. كنت كالغصان بالماء اعتصاري .. انظر الخزانة ٣/ ٥٩٤، ٤/ ٤٦٠، ٥٢٤ والهمع ٢/ ٦٦ والتصريح ٢/ ٢٥٩ والأشموني ج ٤/ ٤٠ واللسان (عصر) معجم الشعراء للمرزباني- ٨١ ونهاية الأرب ٣/ ٦٣ والأغاني ٢/ ١١٤ الشرق: الذي يغص بالماء فلا يقدر على بلعه. والاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء وهو أن يشربه قليلا ليسيغه- والمعنى لو شرقت بغير الماء. أسغته بالماء. وفي العقد الفريد ٣/ ١٠٣ قال الأصمعي: هذا من أشرف أمثال العرب يقول: أن كل من شرق بشيء يستغيث بالماء ومن شرق بالماء مستغاث له.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
فقال. إذا قال: " أنه " فأنه يجعله كقولك: حقا أنه منطلق وإذا قال: أما إنّه " فأما " بمنزلة " ألا " كأنه قال: ألا أنه ذاهب.
وتقول: (أما والله أنه ذاهب) كأنك قلت: (علمت والله أنه ذاهب). و" أما والله أنه ذاهب "، كأنك قلت: إلا أنه ذاهب وتقول قد عرفت أنه ذاهب ثم أنه يعجل لأن الآخر شريك الأول في: " عرفت ". وتقول: قد عرفت أنه منطلق. ثم أني أخبرك أنه معجل " لأنك ابتدأت إني " ولم تجعل الكلام على: " عرفت ".
وتقول: " رأيته شابا وأنه يفخر يومئذ " .. كأنك قلت: رأيته شابا وهذه حاله تقول هذا ابتداء. ولم تحمل الكلام على الفعل.
قال ساعدة بن جؤبة: (١)
رأته على شيب القذال وأنها تواقع بعلا مرّة وتئيم (٢)
وزعم أبو الخطاب أنه قد سمع هذا البيت من أهله هكذا. وسألته عن قوله ﷿: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (٣) ما مانعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال " وما يشعركم " ثم ابتداء فأوجب فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون: ولو قال: وما يشعركم أنها كان عذرا لهم.
وأهل الكوفة يقولون: " أنها " فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا " أي لعلك " فكأنه قال: " لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ".
وتقول: أن لك على هذا وأنك لا تؤذي كأنك قلت: وإنّ لك أنك لا تؤذي.
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على: " إنّ لك " وقد قرئ هذا الحرف على وجهين:
قال بعضهم " وإنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وقال بعضهم: " وأنك "
_________________
(١) هو ساعدة بن جؤبة الهذلي من بني كعب بن كاهل بن سعد من هذيل شاعر مخضرم أسلم. الخزانة: ١/ ٤٧٦، العيني: ٢/ ٥٤٤.
(٢) البيت في ديوان الهذليين ١/ ٢٢٨، الأعلم: ١/ ٤٦٢، والقذال: مجمع الشعر في مؤخرة الرأس، تئيم: تصير بلا زوج.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٠٩.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
واعلم أنه ليس بحسن ل " أنّ " أن تلي " إنّ " ولا " أن " كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداء الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء والثقيلة تزول. فتبتدأ ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء.
ألا ترى أنك لا تقول: " أنّ أنّك ذاهب " ولا عرفت أن أنك منطلق في الكتاب " وإنما قبح هاهنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني أو عرفت. لأن الكلام بعد أن مستغن كما أن المبتدأ غير مستغن. وإنما كرهوا ابتداء أن لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها أن. ولئلا يشبهوها " بأن " الخفيفة لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله ينصبه والمصادر تعمل فيها " إنّ " و" أنّ ".
ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريف. كأنه قال: قلت لمه؟ قلت: لأن ذلك كذلك. أراد بقوله: لم حكاية قوله: لم فعلت؟ ثم قال لأنه ظريف أي لأن ذلك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني نجد. إذا ابتدأت. كما تبتدئ: أي أنا نجد وإن شئت قلت: أني نجد كأنك قلت: أي لأني نجد.
قال أبو سعيد: قوله: " فأن " مبنية على " لولا " يريد أنّها: معقودة بلو لا في المعنى الذي يقتضيه " ولولا " مقدمة عليه وليست بعاملة فيه. لأن الاسم بعد " لولا " يرتفع بالابتداء لا " بلو لا " ولزومها للاسم الذي بعدها للمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به ففتحت " أنّ " ولم تكسر. لأن " إن " المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيّر معناه بحرف قبله، وقد ذكرنا هذا في الباب الذي قبل هذا الباب، ولم يرد هو أيضا بقوله: " فأن " مبنية على " لو " أنها مبنية عليها بناء معمول على عامله، لأن " لو " لا تعمل شيئا. وإنما هو: بناء الشيء على ما يحدث فيه معنى ولم يغير لفظه ففتح " أنّ " بعد " لو " كفتحها بعد " لولا ". وذلك أنهما يتقاربان في المعنى واللفظ ويلزمان ما بعدهما للمعنى الذي أحدثاه كلزوم العامل لما بعده وتقاربهما في المعنى " أن " " لولا) يمتنع جوابها لوجود شرطها كقولك: " لولا زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لمكان زيد. و" لو يمتنع جوابها لامتناع شرطها كقولك: " لو جاءني زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لامتناع مجيء زيد.
والذي يلي " لولا " اسم مبتدأ. والذي يلي " لو " فعل وكلاهما لا يعمل فيما بعده. فأما " أنّ " بعد " لولا " فهي واسمها وخبرها بمنزلة اسم مبتدأ خبره محذوف كما يكون الاسم بعد
[ ٣ / ٣٣٩ ]
" لولا زيد لأتيتك " فإذا قال: " لولا أن زيد عندي لأتيتك " فتقديره لولا كون زيد لأتيتك وخبر المبتدأ محذوف.
وأما " أن " بعد " لو " فعلى مذهب أبي العباس المبرد: هي فاعلة في موضع رفع بفعل محذوف. فإذا قلت: لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته فتقديره على مذهبه: لو وقع مجيء زيد.
فجعل " أن " مرفوعا " بوقع ".
والذي عندي: أنه لا يحتاج إلى إضمار الفعل ولكن تقع (أن) نائبة عن الفعل بعد " لو " كقولك: " لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته " كأنك قلت: " لو جاءني زيد لأكرمته ". وسوغ ذلك أن " لو " غير عاملة وإنما دخولها لمعنى لا يختل يكون " أنّ " بعدها إذ كان الخبر لا يفارقها وهو فعل.
وقد ذكرنا هذا مستقصى في أول الكتاب.
وشبه سيبويه وقوع " أنّ " بعد " لو " وهي في تقدير الاسم ولا يستعملون الاسم بعدها بوقوع " تسلم " بعد " ذي " و" تسلم " في موضع اسم ولا يستعملون الاسم بعد " ذي " في هذا الموضع. وهذا عنده بمنزلة ما لا يقاس عليه.
وقوله " مذ أنّ الله خلقني " في " أنّ) وجهان: يجوز أن يكون رفعا. ويجوز أن يكون خفضا. فإن كانت رفعا فهو
خبر مبتدأ. تقديره: ما رأيته من وقت خلق الله لي. كما تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة. وتجعل " مذ " بمنزلة المبتدأ وبتأول: مدة ذلك وقت خلق الله لي.
الذي يقول: " أما إنّه منطلق " و" ألا أنه منطلق " لا يعتد بأما و" ألا " لأنهما، يجعلان استفتاحا. وتنبيها للمخاطب ليسمع الكلام المقصود.
والذي يقول: " أما أنّه منطلق. فهو بمنزلة: حقا أنّه منطلق حقا " في مذهب الظرف. " وأنه منطلق في موضع مبتدأ كأنه قال: في حق انطلاقه كما قال:
.. أحقا أنّ أخطلكم هجاني .. (١)
والعرب تقول: أفي حق أخذك مالي. ونحو ذلك وهو مذهب الظروف كما تقول:
_________________
(١) البيت للنابغة الجعدي وهو عجز بيت صدره: ألا أبلغ بنى خلف رسولا .. انظر البيت في الخزانة: ٤/ ٣٠٦، والعيني: ١/ ٥٠٤، والهمع: ١/ ٧٢، والأشموني: ١/ ١٨٥، والكتاب: ١/ ٤٦٩، انظر الأعلم: ١/ ٤٦٩.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
أفي يوم الجمعة رحيلك.
وأما قول الله ﷿: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١) ففيه قراءتان: كسر أن وفتحها. فمن كسرها فقد تم الكلام بقوله: " وما يشعركم ". ثم أخبر الله ﷿ أنهم لا يؤمنون ". ومن فتحها: فقد تم الكلام أيضا عند قوله " وما يشعركم " ثم استأنف الكلام فأبهم أمرهم فلم يخبر عنهم بإيمان ولا غيره فقال: " أنها " على معنى " لعلها " وهذا قول النحويين والخليل والكسائي والفراء وهو مذهب كلام العرب.
حكى الخليل: ائت السوق أنك تشتري. بمعنى لعلك تشتري. وحكى الكسائي قال: سمعت رجلا يقول: (ما أدري أنه صاحبها) يريد لعله صاحبها. ومن العرب من يقول: لو " أن " في معنى " لعل " قال الكسائي: سمعت أبا الهيثم يقول:
" فلو أنها نزعت " يريد فراقا وأنشد الفراء:
فقلت امكثي حتى يسار لو أننا نحج معا قالت أعام وقابله؟ (٢)
وقد تقول العرب: علك وعنّك ولعنك ولعلهم أبدلوا العين في " عنك " همزة
قال الفرزدق:
ألستم عائحين بنا لعنّا نرى العرصات أو أثر الخيام (٣)
وإنما كرهوا أن يجعلوا " أنها " في صلة: يشعركم؛ لأن ذلك يصير كالعذر لهم والإخبار بأنهم يؤمنون، إذا قلت لإنسان: " ما يدريك أن زيدا ليس حسن " فالأظهر في قصد قائله: أنه يغلب له الإحسان. فلذلك عدلوا إلى تفسيره " بلعل ".
ولا يحسن لأن (أنّ) تلي " إنّ " ولا " إنّ " " أنّ ". لأنهما جميعا للتأكيد يجريان مجرى واحدا فكرهوا الجمع بينهما كما كرهوا الجمع بين اللام وأنّ فإن فصلت بينهما أو عطفت
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٠٩.
(٢) لم أقف على القائل. والبيت برواية: فقلت امكثي حتى يسار لعلنا نحج معا قالت أعام وقابله؟ انظر الهمع: ١/ ٢٩، والدرر: ١/ ٩، وفي الكتاب: ٢/ ٣٩ مستشهدا به على أن يسار معدول عن " الميسرة " وانظر اللسان (يسر)، والمخصص: ١٧/ ٦٤.
(٣) البيت في الديوان ص ٨٣٥، والتصريح: ١/ ١٩٢، والإنصاف: ٢٢٥، العرصات: مفردها عرصة وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
[ ٣ / ٣٤١ ]
حسن. فالفصل قولك: " أن لك أنك تحيى وتكرم " والعطف قولك: " أن كرامتك عندي وأنك تعان " وعلى هذا قرأ من قرأ وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا (طه: ١١٩) ومن كسر استأنف ثم مثل فساد الجمع بين إنّ وأنّ فقال: ألا ترى أنك لا تقول: إن أنك ذاهب في الكتاب ولا: " قد عرفت أن إنك منطلق في الكتاب " معنى هذا: أن قولك في الكتاب " خبر أن " و" أنّ ". و" أنك ذاهب " " اسم إنّ " وأنك منطلق اسم " أن " وفساد الجمع بين إنّ وأنّ وبين " أنّ وأنّ ".
ولو فصل بينهما قال: " أن في الكتاب أنك ذاهب " " وقد عرفت أن في الكتاب إنك منطلق ". لجاز وحسن الفصل بينهما. ومعنى هذا الكلام: إن الكتاب انطوى واشتمل معناه على أنه ذاهب وعلى أنه منطلق كما يقول القائل لصاحبه: في اعتقادي أنك راحل. وليس يريد حكاية لفظ الكتاب. وإنما يريد معنى ما في الكتاب. وقوله: (وكرهوا ابتداء " أن " لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها " إنّ " يعني: لم يجعلوها مثل زيد ونحوه من الأسماء التي تدخل عليها " أن " وتليها. وقد مضي الكلام فيه. " ولئلا يشبهوها بأنّ " الخفيفة. لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله يعني: مصدر الفعل الذي يلي " أن " كقولك: أريد أن تذهب " أي أريد ذهابك ". ومن حيث- جاز أن تدخل على: " تذهب " فتقول: " إنّ أن تذهب خير لك من أنّ تقيم " كما تقول. أن الذهاب خير لك من الإقامة.
وإذا قال الرجل للرجل: لم فعلت ذاك؟ فقال: لم أنه ظريف. ففتح أن " لتقدير الكلام " فعلها " وإعادة " لم " لا يعتد بها
المسئول كونه أعاد سؤال السائل وحكى لفظه ثم أجاب عنه. وأنّا قوله: أي أني نجد .. كأن إنسانا تكلم بشيء عرض فيه أنه نجد وشجاع.
كرجل قال: أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز فحكى عنه الحاكي هذا فقال قائل:
أي أنه نجد. فجعل " أي " عبارة عن معنى كلامه وأجراه مجرى القول.
" أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز " بمنزلة (قال أني نجد). وإذا قال: أي أني نجد. كأنه قال: أي لأني نجد.