قال سيبويه: (اعلم أنّك تثنّي من إذا قلت: رأيت رجلين كما تثنيّ (أيّ)، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: منين، وأتاني رجلان، فتقول: منان، وإذا قال: رأيت رجالا قلت: منين، كما قلت أيّين. فإن قلت: رأيت امرأة قلت: منه؟ كما قلت: أيّه، فإن قلت: رأيت امرأتين قلت: منتين كما قلت: أيّتين، إلا أنّ النّون مجزومة، فإن قلت:
رأيت نساء قلت: منات كما قلت: أيّات، إلا أنّ الواحد يخالف أيّا في موضع الجرّ والرفع، وذلك قولك: أتاني رجل فيقول: منو، وتقول: مررت برجل فيقول مني.
وسنبيّن وجه هذه الواو والياء في غير هذا الموضع إن شاء الله.
فأيّ في الجر والرفع إذا وقفت عليه بمنزلة زيد وعمرو؛ وذلك لأن التنوين لا يلحق (من) في الصّلة، وهو يلحق أيّا، فصار بمنزلة زيد وعمرو، وأمّا (من) فلا ينوّن في الصلة فجاء في الوقف مخالفا.
وزعم الخليل أنّ منه ومنتين، ومنات ومنين كلّ هذا في الصّلة من مسكّن النون، وذلك أنك تقول إذا قال: رأيت نساء أو رجالا أو امرأة أو امرأتين أو رجلا أو رجلين قلت: من يا فتى.
وزعم الخليل أنّ الدليل على ذلك أنك تقول: منو في الوقف، ثم تقول: من يا فتى؟ فيصير بمنزلة قولك: من قال
ذاك؟ فتقول: من يا فتى؟ وكذلك إذا قلت: من يا فتى عند قول القائل: رأيت رجالا أو نساء، فكأنّك قلت: من قال ذاك، إذا عنيت جماعة، وإنما فارق باب (من) باب (أيّ) أنّ أيّا في الصلة يثبت فيها التنوين، تقول:
أيّ هذا؟ وأيّة هذه؟
وقد زعموا أنّ بعض العرب يقول: أيّون هؤلاء؟ وأيّان هذان؟ وأيّ قد تجمع في
[ ٣ / ١٧٣ ]
الصّلة وتضاف وتثنّى وتنوّن، ومن لا تثنّى ولا تجمع في الاستفهام على هذا الحدّ كما تثنّى أيّ وتجمع في الاستفهام، وأيّ منوّن على كل حال في الاستفهام وغيره، فهو أقوى.
وحدثنا يونس: أنّ ناسا يقولون: منا ومني ومنو، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة؛ فمن قال هذا قال: أيّا وأيّ وأيّ، عنى واحدا أو اثنين أو جماعة، وإنّما فعلوا ذلك ب (من)؛ لأنّهم يقولون: من قال ذاك؟ فيعنون من شاءوا من العدّة. وكذلك أيّ؛ قد تقول: أيّ، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة.
وأمّا يونس فإنّه يقيس منه على أيّة فيقول: منة ومنة ومنة، إذا قال: يا فتى.
وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثر ألا يغيّرها في الصلة.
وهذا بعيد؛ فإنّما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرّة في شعر ثمّ لم يسمع بعد، قال:
أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما (١)
وزعم يونس أنّه سمع عربيا يقول: ضرب من منا.
وهذا بعيد لا تتكلم به العرب، ولا يستعمله منهم ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: ولا يقبل هذا كلّ أحد، فإنما يجوز منون يا فتى على هذا.
وينبغي لهذا ألا يقول: منو في الوقف، ولكن يجعله كأيّ. وإذا قال: رأيت امرأة ورجلا، فبدأ في المسألة بالمؤنث، قلت: من ومنا؛ لأنك تقول: من يا فتى في الصّلة في المؤنث، وإن بدأت بالمذكّر قلت: من ومنه.
وإنما جمعت أيّ في الاستفهام لأنه إنما الأصل فيها الاستفهام، وهي فيه أكثر في كلامهم وإنّها تشبه الأسماء التامة التي لا تحتاج إلى صلة في الجزاء والاستفهام. وقد شبّه (من) به في هذا الموضع لأنه يجري مجراه في هذا الموضع، ولم يفرّقوا في أيّ لما ذكرت لك مما يدخله من التنوين والإضافة؛ نقول: لم يفرّقوا في أيّ إذا عنوا المؤنث والاثنين والجميع في الوقف والوصل كما فرّقوا في من؛ لتمكّن أيّ).
قال أبو سعيد: كان سبيل من في السّؤال سبيل أيّ، وكان حقّ السّائل إذا قال
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لسمير بن الحارث الضّبّيّ، في الخزانة ٦/ ١٦٧، ١٦٨، ١٧٠؛ ابن يعيش ٤/ ١٦ الكتاب ٢/ ٤١١؛ تاج العروس (منن، أنس)؛ المقتضب ٢/ ٣٠٦.
[ ٣ / ١٧٤ ]
القائل: رأيت رجلا أن يقول: من الرجل؟؛ لأنّ النكرة إذا أعيدت عرّفت بالألف واللام التي للعهد، وذكرها قبل أن تعاد هو العهد الذي يكون بين المتكلّم والمخاطب فيها، فلمّا احتاجوا في إتمام الكلام إلى إعادة لفظ المذكور بزيادة الألف واللام وذكر الابتداء والخبر كان أخفّ من ذلك الاقتصار على لفظ من، وتضمين لفظه من علامات دلائل إعراب المسؤول عنه وتثنيته وجمعه وتأنيثه ما يدلّ عليه، وهذه العلامات إنّما تلحقها في الوقف، وليست بإعراب لها؛ لأنها مبنية على السّكون، وإنما هي دلائل على المسؤول عنه، واستوت علامة المرفوع والمنصوب والمجرور في ثباتها في الوقف؛ لأنّها لم تجر مجرى المعرب المنوّن في قولك: ولا يبدلون من التنوين في المرفوع والمجرور إذا وقفوا نحو:
جاءني زيد، وهذا فرس، ومررت بزيد؛ لأنّ الواو والياء والألف في منو ومني ومنا ليست واحدة منهنّ بدلا من تنوين؛ إذ لا تنوين في من. وإنما أدخلوا الضمّة على من، ولم يجز الوقوف على الضمّة إذا وقفوا؛ لأنه لا يوقف على متحرك، ولم يجز أيضا ضمّ النّون إذا وصلوا؛ لأنّ من مبنيّة على السكون، فاحتاجوا إلى وصلها بالواو، ووصل المفتوح والمكسور منها بالألف والياء كوصل حرف الرّويّ إذا كان مضموما بالواو، وإذا كان مفتوحا بالألف، وإذا كان مكسورا بالياء، كقولك في القافية الرجلا والرجلو والرجلى، ولم يفعلوا هذه بأيّ في الوقف، أعني صلتها بالواو والياء والألف؛ لأنه معرب جار مجرى زيد وعمرو وفرس، فيعمل فيه في الوقف ما يعمل بزيد وفرس، وقد ذكرنا الحجة في بناء من وإعراب أيّ في غير هذا الموضع من الشرح بما أغنى عن إعادته.
والذي يقول: منو ومنى ومنا في الواحد والاثنين والجمع يكتفي بما ضمّنه من علامة الإعراب في الدّلالة، وتجري على أصلها أنّها تصلح للاثنين والجماعة والمؤنث بلفظ المذكر الواحد.
وإنما قيل في التثنية للمؤنث منتين بسكون النون فيما ذكره أبو العبّاس المبرّد؛ لأنّ النون كانت في (من) ساكنة، قال: وإنّما حركتها في منه من أجل ما بعدها؛ لأنّ هاء التأنيث لا تقع إلا بعد حرف متحرك، وكذلك في التثنية لأنّ الألف يفتح ما قبلها.
قال أبو العباس: " فأمّا قولك: منو ومنى فإنّما حرّكت معها النون لعلّتين، إحداهما:
قولك في النّصب: منا؛ لأنّ الألف لا تقع إلا بعد مفتوح، فلمّا حرّكت في النصب حرّكت في الخفض والرفع ليكون المجرى واحدا، والعلّة الأخرى أنّ الياء والواو خفيّتان فإذا جعلت قبل كلّ واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا
وتبيّنتا " فأبو العباس جعل حركة النّون تابعة لما بعدها، والذي يوجبه مذهبه أنّهم أدخلوا الواو في منو قبل ضمّة النّون، وأدخلوا
[ ٣ / ١٧٥ ]
الياء في منى قبل كسرة النون.
قال أبو سعيد: والذي عندي أنّهم أدخلوا الضمة والكسرة والفتحة أولا كما يدخلونها في أيّ وفي المعربات، وتتبعها الحروف لما ذكرته لك من العلّة في ذلك، أمّا منتين فإنّهم أسكنوا النّون لأنّهم بنوها مع التّاء كما قالوا: هنت وبنت وأخت.
وأمّا ما قاسه يونس من إعراب منه في الوصل والنصب والجرّ وإجرائها مجرى أيّة وتثنية من وجمعه في الوصل للبيت الذي أنشده، فإن أبا إسحاق الزجاج قال في البيت:
كأنه وقف على منون وسكت عندها ثم ابتدأ، وقد نسبوا هذ الشعر إلى سمير بن الحارث، ومنهم من يرويه: عموا صباحا، ومنهم من يرويه: عموا ظلاما، وأنشد بعده بيتا آخر وهو:
فقلت إلى الطّعام فقال منهم زعيم نحسد الإنس الطّعاما (١)
واستبعد سيبويه ما حكاه، وهو لعمري بعيد جدّا؛ لأن قوله: ضرب من منا استفهام عن الضارب وعن المضروب بلفظين من ألفاظ الاستفهام، وقد قدّم الفعل على الاستفهامين جميعا، والاسم المستفهم به يتضمن حرف الاستفهام ولا يكون إلا صدرا، ولو رددناهما إلى ما تضمّناه من حرف الاستفهام لصار تقديره: ضرب أزيد أعمرا، وهذا باطل مضمحلّ. ومن وأيّ لا تجمعان ولا تثنّيان إلا في الاستفهام على النحو الذي ذكرناه فيهما دون المجازاة ومعنى الذي؛ لأنّ الأصل فيهما الاستفهام، وهما في الاستفهام أكثر منهما في غير الاستفهام؛ ولأنهما في الاستفهام قد يقومان مقام زيد في التّمام والاكتفاء من غير صلة، كقولك: من زيد، وأيّ زيد، كما تقول: أخوك زيد، والذاهب زيد، ولو كانا في غير الاستفهام لاحتجت إلى زيادة على لفظ من وأيّ، إمّا صلة إذا كانتا بمعنى الذي، وإمّا شرط إذا كانتا للمجازاة، والذي يثنّي (أيّ) ويجمعه ويؤنثه في الوقف يثنيه ويجمعه ويؤنثه في الوصل، ولا يفصل بينهما كما فصل بين تثنية من وجمعه وتأنيثه في الوقف والوصل؛ لتمكّن أيّ وإعرابه. وإنما قال: من ومنا ومنه؛ لأن العلامة إنما تلحق في الذي يقف عليه، والأول لا تلحقه علامة؛ لأنّه وصل بالثاني، وتقدير منا في هذا الباب كتقدير أيّا في الباب المتقدم؛ يجوز أن يكون في موضع مبتدإ، أو خبر مبتدإ، ويجوز أن يكون المنصوب منه بفعل مقدّر بعده كأنه قال: أيّ رجل ضربت؟ ومن ضربت؟
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لسمير بن الحارث، في الخزانة ٦/ ١٧٠، ٧/ ١٠٥؛ ابن يعيش ٤/ ١٧؛ والكتاب ٢/ ٤١١.
[ ٣ / ١٧٦ ]